Philosophie🎓 objectif bac

الإشكالية الرابعة: انطباق الفكر مع نفسه في انطباق الفكر مع نفسه

الاستدلال وأنواعه: 1. الاستدلال المباشر

🔊 La maîtresse lit pour toi
قلتَ لزميلك: «كلّ الطلبة ناجحون.» فأجابك في الحال: «إذن ليس بعض الطلبة راسبا.» لاحِظ ما فعله: لم يسأل أحدا، ولم يزُر الإدارة، ولم يضِف خبرا واحدا من خارج جملتك ؛ ومع ذلك خرج بقضية أخرى غير الّتي قلتها أنت. ولو أنّه قال بدل ذلك: «إذن لا أحد من الطلبة ناجح» لَضحك منه القسم. فمن أين جاءت القضية الأولى، ولماذا سقطت الثانية ؟ وهل يستطيع الفكر أن ينتقل من قضية إلى قضية من غير أن يستعين بقضية ثالثة ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تعريف الاستدلال وتمييز أنواعه الثلاثة بحسب اتّجاه الانتقال: الاستنتاج والتمثيل والاستقراء
  • تعريف الاستدلال المباشر وتمييزه عن الاستدلال غير المباشر
  • استخراج علاقات التقابل الأربع بين القضايا، وبيان ما يلزم عن صدق كلّ واحدة وكذبها
  • عكس قضية معروضة بتطبيق قاعدتَي العكس، وبيان القضية الّتي لا تنعكس ولماذا
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • أنواع القضايا الحملية الأربعة بحروفها: الكلّية الموجبة (ك) والكلّية السالبة (ل) والجزئية الموجبة (ب) والجزئية السالبة (س)
  • تحليل قضية إلى موضوع ومحمول ورابطة، ومعنى الكمّ ومعنى الكيف
  • مبدأ عدم التناقض ومبدأ الثالث المرفوع
إذا كنّا قد ضبطنا الحدود والقضايا، فما هي الآليات الّتي ينتقل بها الفكر من قضية إلى أخرى ؟ وهل هذه الآليات نوع واحد، أم أنواع تختلف باختلاف اتّجاه الانتقال ؟ وهل يمكن أن يلزم عن قضيةٍ واحدةٍ شيءٌ من غير أن نضمّ إليها قضية ثانية ؟ وإذا كان ذلك ممكنا، فبأيّ قواعد يُضبط حتّى لا يصير مجرّد إعادة صياغة ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهينا إلى أنّ ضبط الحدود والقضايا شرطٌ أوّل في انطباق الفكر مع نفسه، غير أنّه شرطٌ ساكن: فالحدّ المضبوط لا يُنتج وحده معرفةً، والقضية المفردة تقف عند حدّها. وإنّما يظهر عمل العقل حين ينتقل من قضية إلى قضية، وهذا الانتقال هو ما يسمّيه المناطقة استدلالا. وهو نوعان بحسب ما يستعين به: استدلالٌ يستعين بقضية وسيطة، واستدلالٌ لا يستعين بشيء خارج القضية الأولى. فما أنواع الاستدلال ؟ وما الاستدلال المباشر ؟ وبأيّ قواعد يُضبط ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وضعية : أربع جمل عن شيء واحد

عُرضت على أربعة تلاميذ أربع جمل تتكلّم كلّها عن الشيء نفسه: ـ الأولى : «الإنسان ذكي.» ـ الثانية : «ليس الإنسان ذكيا.» ـ الثالثة : «بعض الناس أذكياء.» ـ الرابعة : «ليس بعض الناس أذكياء.» ثمّ قيل لهم: افرضوا أنّ الأولى صادقة، فماذا تقولون في البواقي ؟ فقال الأوّل: تسقط الثانية والرابعة وتبقى الثالثة. وقيل: افرضوا أنّ الأولى كاذبة. فقال الثاني: إذن الثانية صادقة. فاعترض الثالث: لا يلزم ذلك ! وقيل: افرضوا أنّ الثالثة صادقة، فقال الرابع: إذن الأولى صادقة. فاعترض الثالث مرّةً أخرى. التلاميذ الأربعة لم يخرجوا من الجمل الأربع، ولم يستعينوا بخبر من الخارج ؛ ومع ذلك اختلفوا. فما القاعدة الّتي تفصل بينهم ؟

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الجمل الأربع ليست أربعة أخبار، بل خبرٌ واحد في أربع صور : فهي تجمع الموضوع نفسه بالمحمول نفسه، ولا تختلف إلاّ في شيئين اثنين: الكمّ (كلّية أو جزئية) والكيف (موجبة أو سالبة). ومن هنا نشأت بينها علاقات ثابتة، لأنّ تغيّر الكمّ والكيف ليس تغيّرا في الموضوع.
  2. الخلاف بينهم خلافٌ في قاعدة، لا في معلومة : لم يكن أحدهم يعرف عن الناس أكثر ممّا يعرف الآخر ؛ وإنّما كان كلٌّ منهم يطبّق قاعدة انتقالٍ ضمنية، وبعضهم يطبّق قاعدةً لا وجود لها. ولهذا كان لا بدّ من ضبط هذه القواعد صراحةً.
  3. وهذا بالضبط هو الاستدلال المباشر : أي حركة الفكر من قضية إلى قضية أخرى لازمة عنها مباشرةً ومن دون التوسّط بقضية أخرى. وله صورتان اثنتان: التقابل والعكس.

III – وإذا ضُبطت الحدود والقضايا، فكيف ينتقل الفكر من قضية إلى قضية من غير توسّط ؟

أولا : الاستدلال وأنواعه

الاستدلال حركةُ الفكر من قضايا مسلَّم بها إلى قضية تلزم عنها ؛ وهو يتنوّع أوّلا بحسب اتّجاه الانتقال بين الخاصّ والعامّ، فتكون الاستدلالات ثلاثة أنواع متمايزة:

  1. الاستدلال الاستنتاجي : وهو الّذي ننتقل فيه من العامّ إلى الخاصّ ؛ مثاله: «كلّ تقوى تحتاج إلى عدل، ومُلكي يحتاج إلى تقوى، إذن مُلكي يحتاج إلى عدل.»
  2. الاستدلال التمثيلي : وهو الّذي ننتقل فيه من الخاصّ إلى الخاصّ ؛ مثاله: «عمر بن الخطّاب خليفة عادل، وعمر بن عبد العزيز خليفة عادل، إذن أنا يجب أن أكون خليفة عادلا.»
  3. الاستدلال الاستقرائي : وهو الّذي ننتقل فيه من الخاصّ إلى العامّ ؛ مثاله: «مشاهدةُ حركة الشمس في الطبيعة تنبئ عن وجود ميزان عدل، ومشاهدةُ بعض الأمم في معاشها تدلّ على وجود ميزان عدل، إذن كلّ أمّة تحتاج إلى ميزان عدل.»
  4. ثمّ يتنوّع الاستدلال ثانيا بحسب الوسيط : فمنه مباشر لا يتوسّط فيه بين القضية ونتيجتها شيء، ومنه غير مباشر يُتوسَّط فيه بقضية ثانية — وهو القياس، ومَحلُّه الدرس المقبل. ودرسنا هذا في الأوّل منهما.
حدّ الاستدلال المباشر

الاستدلال المباشر هو حركة الفكر من قضية إلى قضية أخرى لازمة عنها مباشرةً ومن دون التوسّط بقضية أخرى. وله صورتان: التقابل والعكس. ولاحِظ ما تعنيه عبارة «من دون التوسّط بقضية أخرى»: أنت لا تضيف معلومةً جديدة، بل تستخرج ما كان مضمَرا في القضية الأولى بحكم بنيتها وحدها. ولهذا كان الاستدلال المباشر أكثرَ الاستدلالات أمانا وأقلَّها ثراءً في آن واحد: لا يمكن أن يكذب إن طُبّقت قواعده، ولا يمكن أن يعلّمك شيئا لم يكن في قضيتك.

ثانيا : الصورة الأولى — التقابل

التقابل هو ما ينتج عن القضية الواحدة بحكم تغيّر كيفها وكمّها. فالقضايا الحملية الأربع — (ك) و(ل) و(ب) و(س) — تنتظم بينها أربع علاقات، بحسب ما إذا مسّ التغيّرُ الكمَّ والكيفَ معا، أو الكيفَ وحده، أو الكمَّ وحده:

  1. التناقض : فإذا وقع التغيّر في الكمّ والكيف معا، ترتّب عن ذلك تناقضٌ بين (ك) و(س) من جهة، وبين (ل) و(ب) من جهة أخرى. والمتناقضتان لا تصدقان معا ولا تكذبان معا ؛ وإذا صدقت الواحدة كانت الأخرى كاذبةً بالضرورة. وهذه أقوى العلاقات وأتمّها إفادةً.
  2. التضادّ : وإن مسّ التغيّرُ الكيفَ فقط في الكلّيتين، ترتّب عنه تضادٌّ بين (ك) و(ل)، فلا تصدقان معا وقد تكذبان معا ؛ ولا يمكن تصديق الواحدة انطلاقا من كذب الأخرى. وهنا وقع خطأ التلميذ الثاني في وضعيتنا.
  3. الدخول تحت التضادّ : وإن مسّ التغيّرُ الكيفَ فقط في الجزئيتين، ترتّب عنه دخولٌ تحت التضادّ بين (ب) و(س)، حيث قد تصدقان معا ولا تكذبان معا ؛ ولا يمكن تكذيب الواحدة انطلاقا من صدق الأخرى.
  4. التداخل : وإن مسّ التغيّرُ الكمَّ وحده، ترتّب عنه تداخلٌ بين (ك) و(ب)، وكذا بين (ل) و(س) ؛ حيث إذا صدقت الكلّية صدقت الجزئية، وإذا كذبت الجزئية كذبت الكلّية ؛ ويتعذّر استنتاج صدق الكلّية أو كذبها من صدق الجزئية. وهنا وقع خطأ التلميذ الرابع.
تطبيق : ما يلزم وما لا يلزم

خذ القضية (ك) : «الإنسان ذكي»، وافرضها صادقة. يلزم عنها بالتناقض أنّ (س) «ليس بعض الناس أذكياء» كاذبة ؛ ويلزم عنها بالتضادّ أنّ (ل) «ليس الإنسان ذكيا» كاذبة ؛ ويلزم عنها بالتداخل أنّ (ب) «بعض الناس أذكياء» صادقة. فبقضية واحدة عرفتَ حال الثلاث الباقيات. والآن افرضها كاذبة. لا يلزم عن كذبها إلاّ شيء واحد: أنّ (س) صادقة، بحكم التناقض. أمّا (ل) فلا تُستنتج، لأنّ المتضادّتين قد تكذبان معا ؛ وأمّا (ب) فلا تُستنتج، لأنّ التداخل لا يعمل إلاّ من صدق الكلّية إلى صدق الجزئية، ومن كذب الجزئية إلى كذب الكلّية ؛ أمّا كذب الكلّية فيترك حال الجزئية مجهولا: فقد تصدق وقد تكذب. ولاحِظ القاعدة العملية الّتي تخرج من هذا: التناقض وحده يعمل في الاتّجاهين ؛ وما عداه يعمل في اتّجاه واحد، والوقوع في العكس هو أشيع أخطاء التلاميذ.

ثالثا : الصورة الثانية — العكس

والعكس هو استنتاج قضية من أخرى تخالفها في موقع كلّ من الموضوع والمحمول. فعكسُ قضيةٍ هو تحويلها إلى أخرى موضوعُها محمولُ الأصل، ومحمولها موضوع الأصل، مع الاحتفاظ بالصدق والكيف، أي الإيجاب والسلب. مثلا: «لا إنسان خالد» (الأصل)، معكوستها «لا خالد إنسان».

1 ـ قاعدتا العكس وما يترتّب عنهما

وتُشترط في صحّة عملية العكس قاعدتان: أن يتّحدا في الكيف، بأن يكون كيفُ المعكوسة هو كيفَ الأصل ؛ وألاّ يُستغرَق حدٌّ في المعكوسة لم يكن مستغرَقا من قبلُ في الأصل. وتطبيقُ هاتين القاعدتين يبيّن إمكانية تحويل القضية الأصلية إلى معكوستها، ما عدا الجزئية السالبة، لاستغراق ما لم يكن مستغرَقا في الأصل. وعلى هذا الأساس:

  1. (ل) تُعكس إلى (ل) : الكلّية السالبة تنعكس كلّيةً سالبة، مع بقاء الكيف سالبا ؛ ومثالها ما تقدّم: «لا إنسان خالد» ← «لا خالد إنسان».
  2. (ب) تُعكس إلى (ب) : الجزئية الموجبة تنعكس جزئيةً موجبة، والكيف موجب في الطرفين.
  3. (ك) تُعكس إلى (ب) فقط : فالكلّية الموجبة لا تنعكس كلّيةً، بل جزئيةً موجبة، مع تغيير الكمّ في موضوع المعكوسة ؛ وهذا هو موضع الخطأ الأشهر في العكس.
  4. (س) لا تنعكس : الجزئية السالبة وحدها لا معكوسة لها، لأنّ عكسها يستغرق حدّا لم يكن مستغرَقا في الأصل، وهو ما تمنعه القاعدة الثانية.
لماذا لا تنعكس الكلّية الموجبة كلّيةً

خذ: «كلّ إنسان فانٍ». لو عكستها كلّيةً لقلت: «كلّ فانٍ إنسان» — وهذا باطل، لأنّ الفناء يعمّ ما هو أوسع من الإنسان. والقاعدة الّتي منعته هي الثانية بعينها: حدُّ «فانٍ» لم يكن مستغرَقا في الأصل — إذ الأصل لم يتكلّم عن كلّ الفانين، بل حمَل الفناء على الإنسان فحسب — فلا يجوز أن يخرج مستغرَقا في المعكوسة. والصواب أن تقول: «بعض الفانين إنسان» ؛ وهذا هو معنى «(ك) تُعكس إلى (ب) فقط، مع تغيير الكمّ في موضوع المعكوسة». وتأمّل كم من نزاعٍ في الحياة اليومية أصلُه هذا الخطأ وحده: من قال «كلّ متطرّف متديّن» فسمعه سامعٌ «كلّ متديّن متطرّف»، فقد قلب كلّيةً موجبة كلّيةً، وأدخل في الحكم من لم يدخله المتكلّم.

إذا كان الاستدلال المباشر لا يضيف معرفةً جديدة، فما فائدته ؟

فائدته أنّه يجعل ما تعرفه صالحا للاستعمال. فالقضية الّتي بين يديك قد تكون صادقة ولا تنفعك في الصورة الّتي وردت بها ؛ فإذا عكستها أو استخرجت نقيضها، وضعتَ المعنى نفسه في الصيغة الّتي يحتاجها استدلالك. والمناظر الماهر لا يأتي بأخبار من الخارج، وإنّما يُحسن التصرّف في القضية الّتي سلّم بها خصمه. وفائدته الثانية أعظم: أنّه يمنع أكثر ممّا يُنتج. فمعظم مغالطات النقاش ليست في القياس، بل في انتقالٍ مباشر باطل: أن يُستنتج من كذب الكلّية صدقُ الكلّية المقابلة، أو أن تُقلب الكلّية الموجبة كلّيةً. ومن حفظ العلاقات الأربع وقاعدتَي العكس، صار يسمع هذه الأخطاء وهي تُرتكب أمامه — وهذا وحده يستحقّ الدرس.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة تمرين منطقي مدمج في تحليل نصّ، أو في صيغة سؤال مقالي («هل الاستدلال المباشر استدلالٌ حقيقي أم مجرّد إعادة صياغة ؟»). احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① حدُّ الاستدلال المباشر بلفظه (حركة الفكر من قضية إلى قضية لازمة عنها مباشرةً ومن دون التوسّط بقضية أخرى) وصورتاه ؛ ② العلاقات الأربع بأسمائها مع قاعدة كلّ واحدة (تناقض · تضادّ · دخول تحت التضادّ · تداخل) ؛ ③ قاعدتا العكس ونتيجتهما في أربع كلمات: (ل) إلى (ل) · (ب) إلى (ب) · (ك) إلى (ب) · و(س) لا تنعكس. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : معاملة التضادّ معاملة التناقض، أي استنتاج صدق إحدى الكلّيتين من كذب الأخرى — والحال أنّ المتضادّتين قد تكذبان معا. ⚠️ وخطأ ثانٍ : عكس الكلّية الموجبة كلّيةً موجبة ؛ وهو خطأ يُبطل المقالة كلّها إن بُني عليه استدلال، لأنّ المصحّح يقرأ فيه جهلا بقاعدة الاستغراق.
نتيجة — الاستدلال حركةُ الفكر من قضايا مسلَّم بها إلى ما يلزم عنها، وهو ثلاثة أنواع بحسب اتّجاه الانتقال: استنتاجٌ من العامّ إلى الخاصّ، وتمثيلٌ من الخاصّ إلى الخاصّ، واستقراءٌ من الخاصّ إلى العامّ. وهو من جهة الوسيط نوعان: مباشر وغير مباشر. أمّا المباشر فهو حركة الفكر من قضية إلى قضية أخرى لازمة عنها مباشرةً ومن دون التوسّط بقضية أخرى، وله صورتان: التقابل، وهو ما ينتج عن القضية الواحدة بحكم تغيّر كيفها وكمّها، فينشأ عنه تناقضٌ بين (ك) و(س) وبين (ل) و(ب)، وتضادٌّ بين (ك) و(ل)، ودخولٌ تحت التضادّ بين (ب) و(س)، وتداخلٌ بين الكلّية وجزئيتها ؛ والعكس، وهو تحويل القضية إلى أخرى موضوعُها محمولُ الأصل، بشرط اتّحاد الكيف وألاّ يُستغرَق في المعكوسة ما لم يُستغرَق في الأصل، فتنعكس (ل) و(ب) على حالهما، و(ك) إلى (ب) فقط، ولا تنعكس (س). ⟸ ولكنّ الاستدلال المباشر لا يخرج بنا عن القضية الواحدة ولا يفيدنا علما جديدا ؛ فكيف ينتقل الفكر إلى نتيجة لم تكن في أيّ من قضيتيه منفردةً ؟

Page 1/5

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net