الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في العادة والإرادة
قيمة العادة (أثر العادة على الادراك)
- بيان الفوائد الخمس التي تحقّقها العادة، والتمثيل لكلّ فائدة
- شرح كيف تحرّر العادة الانتباه والفكر بتحويل الفعل إلى آلية
- عرض الوجه السلبي للعادة (الروتين) مسندا إلى صاحبه، دون أن يُلغي الوجه الإيجابي
- الحكم على القول بأنّ العادة تُفقد الإنسان إنسانيته، بحجّة لا برأي
- مفهوم العادة ومميّزاتها، والفرق بينها وبين الغريزة
- عوامل اكتساب العادة وأنواعها، والفرق بين العادة الخاصّة والعامّة
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى النظر في كيفية اكتساب العادة إلى أنّها تُبنى بالتكرار والعقل والانتباه والمجتمع، وأنّ منها ما هو خاصّ يسترجع الأفعال كما هي، ومنها ما هو عامّ يقتضي التجديد. غير أنّ هذا كلّه يصف كيف تتكوّن العادة ولا يقول شيئا عن قيمتها. وهنا ينشقّ الحكم عليها: فاتّصافها بالآلية جعل البعض يعتبرها متحجّرة تُفقد الإنسان إنسانيته، إذ تُحوّل صاحبها إلى كائن يعيد الفعل نفسه بلا وعي ؛ بينما يرى آخرون أنّ هذه الآلية بالذات هي التي تُحرّر الإنسان من الانشغال بالتفاصيل فيتفرّغ لما هو أعلى منها. فإلى أيّ حدّ تُعدّ العادة عاملا إيجابيّا في التكيّف ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
لنتصوّر الطفل الصغير وهو يتعلّم الكتابة اليدوية ؛ فمن السهل ملاحظة الحركات العنيفة التي يقوم بها في بداية التعلّم: يكاد التوتّر العضلي يشمل الجسم كلّه، حيث يتقطّب الجبين، وتلتوي الشفتان واللسان التواءات متوالية ؛ وتكون قبضة يده على القلم شديدة حتّى تتصلّب الأصابع والذراع كلّه، وتقوم اليد الأخرى بحركات فيها نوع من الاختلاج. ثمّ تزول هذه الحركات رويدا رويدا، وتتركّز القوّة العضلية بالقدر الكافي دون زيادة ولا نقصان، ومن ثمّ تتحقّق الرشاقة والسرعة في الكتابة.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- البداية بذلٌ للجهد في غير موضعه : فالطفل ينفق طاقةً في الجبين واللسان والذراع والكتف، وليس لشيء من ذلك علاقة بالكتابة ؛ إنّه يبذل الكثير ليُنجز القليل، لأنّه لم يعرف بعدُ أين يضع جهده.
- والنهاية اقتصادٌ في الجهد : إذ تزول الحركات الزائدة رويدا رويدا، وتتركّز القوّة العضلية بالقدر الكافي دون زيادة ولا نقصان ؛ فالعادة لم تُضِف إلى الطفل قوّة، بل حذفت عنه ما كان يعطّله — وهذا وجهٌ من التكيّف لا يُنكَر.
- فالسؤال ينقلب : لم يعد السؤال «هل تُفقد العادةُ الإنسانَ شيئا ؟» بل «ماذا تُحرّر فيه ؟» ؛ إذ إنّ ما تحرّر عند الطفل ليس عضلاته فقط، بل انتباهه، الذي كان مشدودا إلى شكل الحرف فصار حرّا للمعنى.
I – إلى أيّ حدّ نعتبر العادة، بالرغم ممّا يطبعها من رتابة وآلية، أداةً للتكيّف مع الواقع ؟
ثالثا : العادة كأداة في خدمة التكيّف
ممّا يمكن استخلاصه من هذه التجربة أنّ سلوك الإنسان في معظمه ناتجٌ من أعمال روتينية يقوم بها في حياته اليومية ؛ وهذه الأعمال لها الأثر الكبير في حفظ مشاعر الفرد والجماعة معا، كما أنّها تنظّم المجتمع وتحفظ أوضاعه من التغيّر، وتساعد الفرد على التأقلم والتكيّف مع المحيط والعالم الذي من حوله. محمد الهيتمي، الموجز في علم النفس التطبيقي، مكتبة السلام، ط 1، 1958، ص 73-74
1 ـ فوائد العادة
- جعل العمل المعتاد سهلا ميسورا بعد أن كان في أوّله جدّ صعب وشاقّ ؛ فتعوّدُ فعل من الأفعال يجعل ذلك الفعل آليّا لا يحتاج إلى الانتباه، ويجعل فكر المرء حرّا طليقا.
- إتقان العمل ؛ فمن الطبيعي أنّ هضم الأفكار ومرونة الأعصاب تكون سببا قويّا في جعل تعاطي الأعمال سهلا ميسورا، وتُكسب الشخص المهارة والخبرة والدقّة والرشاقة.
- الاقتصاد في الوقت ؛ فالإنسان عند تعاطيه الأعمال في أوّلياتها يتطلّب منه إنجازها وقتا طويلا، ولكنّه عندما يعتادها ينجزها في أقلّ من الوقت الذي كان يقضيه من قبل ؛ فهي توفّر عليه جزءا كبيرا من الوقت، وتنقذه من التردّد، وتخفّف من جهده وتعبه.
- تكوين السلوكيات التي تلعب الدور الأساسي في تكوين الشخصية ؛ فيتعلّم الشخص أن يكون كريما قنوعا. ويجب عليه لاكتساب عادة جديدة أن يتخلّص من عادة قديمة ؛ فخيرٌ للإنسان أن يقطع صلته بالعادات السيّئة دفعة واحدة وألاّ يداريها.
- تيسير غرس المبادئ التربوية الحميدة في سنّ الطفولة ؛ فيكتسب الطفل أكثر عاداته بالتقليد والتلقين والتدريب ؛ وتعلّمُ عادةٍ خاصّة في الصغر من شأنه أن يُحدث استعدادا عامّا لتعلّم عادة أخرى مماثلة في الكِبَر تبقى ملازمة لحياته.
إنّ التخلّص من العادات السيّئة لا يكون بمكافحتها مباشرة فحسب، بل يكون باكتساب عادات طيّبة مضادّة والتمرّن عليها تمرّنا متتابعا. وفي هذا نقلٌ للمعركة من موضع الامتناع إلى موضع البناء: فمن يقاوم عادةً بلا بديل يبقى مشدودا إليها في كلّ لحظة، ومن يضع مكانها عادةً أخرى يُشغل بها القوّةَ نفسها التي كانت تخدم الأولى. وليم جيمس، أحاديث للمعلّمين والمتعلّمين في علم النفس، ترجمة محمد علي العريان، عالم الكتب، ص 115
2 ـ أثر العادة في الإدراك والفكر
وأخطر ما تفعله العادة ليس في اليد بل في الانتباه. فالانتباه طاقة محدودة: ما تصرفه منه على شكل الحرف لا يبقى منه شيء للمعنى، وما تصرفه على مواضع الأصابع لا يبقى منه شيء للنغمة. فحين يصير الفعل آليّا لا يحتاج إلى الانتباه، يُفرَّغ الانتباه لما هو أعلى منه ؛ ولهذا قيل إنّ العادة تجعل فكر المرء حرّا طليقا. ومن هنا كان الحكم على العادة بأنّها تُفقد الإنسان إنسانيته حكما ينظر إلى الفعل وحده ولا ينظر إلى ما تحرّر بسببه: فالكاتب الماهر لم يخسر شيئا حين لم يعد يرى حروفه، بل ربح أن صار يرى أفكاره.
غير أنّ تصلّب العادة، أو ما يُعرف بـالروتين، هو من أكبر عوامل التقهقر والانحطاط والخيبة ؛ كما أنّ التعوّد على أفكار معيّنة قد يسدّ الطريق أمام الأفكار الجديدة. وهو ما جعل «غاستون باشلار» يقول: «إنّ كبار العلماء يفيدون في النصف الأوّل من حياتهم، ويضرّون به في النصف الثاني منها.» وما جعل «روسو» يقول: «خير عادات المرء ألاّ يتعوّد شيئا.» فالخطر إذن ليس في العادة من حيث هي آلية، بل في تصلّبها حتّى تصير قالبا يمنع صاحبه من مراجعتها ؛ ولذلك وقع النقد على العالِم الكبير نفسه، وهو أبعد النّاس عن الجمود.
ومجمل القول أنّ الأفعال التعوّدية تكون عادةً أفعالا ملائمة للقيام بعمل من الأعمال على أسرع وجه وأكمل صورة، من حيث الاقتصاد في المجهود. فالعادة تكيّفٌ مكتسب لتحقيق التوافق بين الشخص ومطالب حياته المادّية والمعنوية ؛ وفائدتها عظيمة، لا من حيث إنّها مجموعة من الآليات الجديدة المفيدة فحسب، بل من حيث قيمتها في تهيئة الشخص لمواجهة مواقف جديدة بالاعتماد على المهارات والمعلومات المكتسبة، وبالتالي لاكتساب مهارات ومعلومات جديدة. فيكون التعوّد في هذه الحالة قد أدّى إلى خلق قدرات جديدة — وهذا هو الجواب الحاسم على من ظنّها تكرارا للماضي: إنّها تُنفق الماضي في شراء المستقبل.
كيف تكون العادة عامل تقهقر وعامل تقدّم في آن واحد ؟كيف تكون العادة عامل تقهقر وعامل تقدّم في آن واحد ؟
لأنّ الحكم لا يقع على العادة في ذاتها، بل على موضعها من صاحبها. فالعادة التي تبقى في موضع الوسيلة تُحرّر: تتكفّل بالتفاصيل، وتردّ الانتباه إلى الغاية، وتهيّئ صاحبها لمواقف جديدة. والعادة التي تنتقل إلى موضع الغاية تُقيّد: يصير التكرار مطلوبا لذاته، فتُسدّ الطرق أمام الأفكار الجديدة. ودليل ذلك في الدرس نفسه: فالتمييز بين العادة الخاصّة التي تكتفي باسترجاع الأفعال كما هي، والعادة العامّة التي تشمل الاستعداد الفكري والأسلوب فتقتضي التجديد، هو بعينه الحدّ الفاصل بين الوجهين. وهذا يفسّر لماذا وجّه باشلار نقده إلى كبار العلماء بالذات: فليس عيبهم أنّهم اعتادوا، بل أنّ ما اعتادوه صار عندهم مقياسا للحقيقة بدل أن يبقى أداةً لطلبها. ومن هنا كانت العادة أداةَ تكيّف ما بقيت خاضعة لما هو أعلى منها — أي للوعي والإرادة.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net