الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية

النظم السياسية: أ. نظام الحكم الفردي (الثيوقراطي، الملكي المطلق، الدكتاتوري بأشكاله)

🔊 المعلّمة تقرأ لك
تخيّل مدينة بلا سلطة على الإطلاق: لا شرطيّ، ولا قاضٍ، ولا قانون ؛ كلٌّ يأخذ ما تصل إليه يده ويحمي نفسه بنفسه. كم يوما تصمد هذه المدينة ؟ ثمّ تخيّل النقيض: حاكمٌ واحد لا يُسأل عمّا يفعل، يقرّر وحده ما العدل وما الظلم — وقد يكون عادلا حقّا. أيّ الوضعين تختار وأنت مضطرّ إلى الاختيار ؟ ولماذا اختار كثير من الناس عبر التاريخ الثاني ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض التبرير الفلسفي للحكم الفردي المطلق انطلاقا من فرضية الحالة الطبيعية
  • تعداد صور الحكم المطلق: الثيوقراطي، والحقّ الإلهي، والاستبدادي
  • التمييز بين الاستبداد والطغيان بالمعيار الذي تذكره المصادر
  • توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها ومرجعها في نقد مشروعية الحكم الفردي
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مفهوم الدولة ومقوّماتها، والفرق بين الدولة والحكومة
  • معنى السيادة ومعنى المشروعية، والفرق بين السلطة والقوّة
  • معنى العقد الاجتماعي والحالة الطبيعية
أيمارس الحاكم السلطة أصالةً أم نيابةً وتفويضا ؟ فإذا مارسها بالتفويض فمن أعطاه حقّ الممارسة ؟ ثمّ ماذا تعني السلطة: أهي واحدة داخل الدولة أم متعدّدة ؟ وبأيّ مشروعية يستأثر فرد واحد بالحكم ويصير ما يقرّره هو العدل ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهينا إلى أنّ الدولة تنظيم طارئ، وأنّ لها مقوّمات ووظائف ؛ ويبقى السؤال الأصعب: من يمارس السلطة فيها، وبأيّ حقّ ؟ فالسلطة لا توجد بلا حامل، والحامل إمّا فرد وإمّا جماعة ؛ ومن هنا انقسمت أنظمة الحكم إلى صورتين كبيرتين عرفتهما المجتمعات القديمة والحديثة معا. والحكم المطلق هو من أقدم صور تسيير شؤون الدولة والمجتمع ظهورا، ولعلّه أقدمها على مستوى الممارسة ؛ أمّا على مستوى التنظير الفلسفي فيعود إلى العهد اليوناني أو قبله بقليل. غير أنّ قِدَمه لا يكفي لتبريره: فالسؤال الفلسفي ليس «هل وُجد ؟» بل «بأيّ حجّة يقوم ؟» — ولهذا نبدأ بأقوى ما قيل في تبريره، لا بأضعفه.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

ميكيافيلي — اعتبروا الناس جميعا من الأشرار

طُلب من ميكيافيلي ⁦(1469 – 1527)⁩ أن يحدّد وظيفة للدولة فقال: «… إنّ هناك عددا ضخما من الأمثلة التي تقيم الدليل على أنّ الواجب يدعو — عند تأليف الدول والتشريع لها — إلى اعتبار الناس جميعا من الأشرار، وإلى أنّهم يُنفّسون دائما عمّا في ضمائرهم من الشرّ عندما تُتاح لهم الفرصة للتنفيس عنه.» ميكيافيلي، المطارحات، ترجمة خيري حمّاد، المكتبة التجارية، بيروت، ط 1، ص، 223، 224 ؛ ولميكيافيلي — المفكّر السياسي الإيطالي — كتاب آخر أكثر شهرة هو «الأمير»

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. القاعدة موجَّهة إلى المشرّع لا إلى الأخلاق : فالنصّ لا يقول إنّ الناس أشرار في الواقع، بل يقول إنّ الواجب يدعو عند تأليف الدول والتشريع لها إلى اعتبارهم كذلك ؛ فهي قاعدة في بناء المؤسّسات: صمّمْ نظامك على أسوأ الاحتمالات لا على أفضلها.
  2. والشرط المذكور شرط الفرصة لا شرط الطبع : «عندما تُتاح لهم الفرصة للتنفيس عنه» ⟸ ومعنى ذلك أنّ ما يمنع الشرّ ليس صلاح النفوس، بل انعدام الفرصة ؛ ومن هنا تُطلب سلطةٌ تسدّ الفرصة.
  3. والنتيجة اللازمة: سلطة رادعة قويّة : فإذا كان الناس على هذا الوصف، فإنّ أوّل وظائف الدولة الحماية والردع، لا الرعاية والترقية ؛ وكلّما اشتدّ الافتراض في شرّ الناس، اشتدّت الحاجة إلى سلطة لا تُنازَع — وهذا هو الطريق الذي سلكه تبرير الحكم المطلق.

III – وهل بوسع الدولة أن تراهن على تفعيل تراثها القيمي بما يواكب تحوّلات العصر ؟

ثانيا : من مشروعية الحكم إلى عالمية النظام

إنّ علاقة الدولة بالمجتمع تأخذ صورا مختلفة، وذلك باختلاف أنظمة الحكم وصور المشروعية فيها ؛ وكذلك تتعدّد بتعدّد التصوّرات الفلسفية التي يتبنّاها هذا المجتمع أو ذاك حول مفهوم السلطة ووظيفتها. ⚠️ ولاحظ أنّ الاختلاف هنا ليس اختلافا في الأشكال الإدارية، بل في مصدر المشروعية نفسه: أهو الفرد الذي يملك السلطة أصالةً، أم الجماعة التي تفوّض من يمارسها باسمها ؟

1 ـ أسس السلطة السياسية الفردية (الحكم المطلق)

هوبز — من الحالة الطبيعية إلى السلطة المطلقة

يعتبر هوبز من أبرز الفلاسفة الذين برّروا على نحو فلسفي ضرورة الحكم الملكي المطلق وصلاحيته في تسيير شؤون الدولة وفرض الأمن والاستقرار ؛ وانطلق في تبريره هذا من فرضية: أنّ البشرية عرفت حالتين من الحياة الجماعية ؛ الأولى طبيعية كانت خالية من السلطة، وفيها لم يكن البشر يتحرّجون من الاعتداء على بعضهم البعض ؛ وهو الوضع الذي أدّى بهم إلى صيغة من الاتّفاق يتنازلون فيها عن جميع حقوقهم لشخص أو جماعة تكون قادرة على ردّ مظالم بعضهم بعضا. ⟸ فالسلطة المطلقة في هذا التبرير ليست اغتصابا، بل ثمنٌ ارتضاه الناس مقابل الأمن ؛ وهذا هو ما يجعل الأطروحة قويّة ويجعل نقدها صعبا.

  1. تنازلٌ عن جميع الحقوق : لا عن بعضها ؛ لأنّ حقّا محفوظا واحدا يكفي لإعادة النزاع من جديد.
  2. والحاكم غير مطالَب بشيء سوى الأمن : فصاحب السيادة — وهو الحاكم — ليس مطالبا بشيء سوى توفير الأمن لمجموع المواطنين.
  3. وكلّ ما يصدر عنه لا يمكن اعتباره ظلما : لأنّ العدل والظلم هما ما يقرّره الحاكم ؛ ⚠️ وهذه هي النقطة الأخطر في المذهب: لم يُجعل الحاكم فوق القانون فحسب، بل جُعل مصدرا لمعيار العدل نفسه، فلم يبق ما يُحاكَم إليه.
  4. ومع ذلك فأساسه الرضا لا الغلبة : والذي يُلاحظ على هذا النظام أنّه قد لا يؤسَّس على الغلبة والقهر، بل على الرضا والعقد ؛ ولهذا يحقّ للرعية أن تعزله في حالة واحدة: وهي عندما يعجز عن حمايتها والدفاع عنها. ⟸ فالعقد الذي أنشأ سلطته هو نفسه الذي يحدّ منها عند الإخلال بغايته.

2 ـ من أنظمة الحكم المطلق

  1. الحكم الديني (الثيوقراطي) : فكان يُعتقد أنّ الحاكم من طبيعة مختلفة عن المحكومين، فهو من طبيعة إلهية ؛ ثمّ تدرّج الأمر إلى أنّ الله يختار الحاكم اختيارا مباشرا ليمارس السلطة باسمه في الأرض.
  2. نظرية الحقّ الإلهي : ثمّ أصبح الحاكم يختاره الشعب، ولكن بتوجيه إلهي ؛ وهذا هو ما يُعرف بنظرية الحقّ الإلهي. ⚠️ ولاحظ التدرّج: من حاكمٍ إلهيّ الطبيعة، إلى حاكمٍ يختاره الله، إلى حاكمٍ يختاره الناس بتوجيه إلهي — فالمشروعية تنتقل شيئا فشيئا من السماء إلى الأرض دون أن تُقطع صلتها بها.
  3. حكم المستبدّ : وهو حكم ينفرد فيه الحاكم بالسلطة ؛ لكن لا يلزم عن ذلك بالضرورة طغيان، ولهذا تحدّث القدامى عن المستبدّ العادل والمستبدّ المستنير، وهو الذي لا ينشغل بمصالحه عن مصالح شعبه.
  4. والفرق بين الاستبداد والطغيان ضروري : فإن كان كلاهما حكما فرديا مطلقا، فإنّ الطاغية يختلف عن المستبدّ من وجوه ؛ فقد كان أرسطو يقصر لفظ الطاغية على من يغتصب السلطة اغتصابا، ويستخدمها لمصلحته الخاصّة، ويغرق في الشهوات.
إمام عبد الفتاح إمام — كيف تُصنع قداسة الحاكم

كان يُعتقد أنّ الحاكم من طبيعة مختلفة عن المحكومين، فهو من طبيعة إلهية ؛ أمّا «… إرادته فهي سامية لأنّها إرادة إلهية عليا ؛ ثمّ تدرّج الأمر بعد ذلك إلى أنّ الله يختار الحاكم اختيارا مباشرا ليمارس السلطة باسمه من الأرض». ⟸ ومعنى ذلك أنّ الحكم الفردي المطلق لا يقوم بالقوّة وحدها، بل يحتاج دائما إلى مصدر مشروعية يعلو على المحكومين ؛ فإذا لم يجده في الأرض طلبه في السماء. إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية: دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص، 22

أرسطو — لماذا لا يستقرّ حكم الطغاة

كان أرسطو يقصر لفظ الطاغية على من يغتصب السلطة اغتصابا، ويستخدم السلطة لمصلحته الخاصّة، ويغرق في الشهوات ؛ «ويعتقد أرسطو أنّ حكم الطغاة غير مستقرّ بسبب الكراهية التي يبثّها الحكم التعسّفي». ⚠️ وانتبه إلى نوع الحجّة: إنّها حجّة في الأثر لا في القيمة ؛ فأرسطو لا يقول إنّ الطغيان قبيح فحسب، بل إنّه لا يدوم — لأنّ التعسّف يولّد الكراهية، والكراهية تنقض السلطة. فالطغيان يهدم نفسه بنفسه. إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية: دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي، عالم المعرفة، الكويت، ص، 47

إن كان الناس قد تنازلوا برضاهم، فما وجه الاعتراض على الحكم المطلق ؟

الاعتراض لا يقع على التنازل في ذاته، بل على ما جُعل ثمرةً له. فانظر إلى ما قبله الناس وما لزم عنه. قبلوا سلطةً تحميهم من عدوان بعضهم على بعض ؛ فلزم عن ذلك — في هذا المذهب — أنّ العدل والظلم هما ما يقرّره الحاكم. وبين المقدّمة والنتيجة قفزة: من «له أن يفرض الأمن» إلى «له أن يعرّف العدل». والأولى وظيفة، والثانية سلطةٌ على المعنى نفسه. وما يترتّب على ذلك خطير: إذا كان الحاكم هو الذي يقرّر ما العدل، فبأيّ ميزان يُحاسَب ؟ ولمّا لم يبق ميزان، لم يبق للرعية إلاّ حالة واحدة تعزله فيها — عجزه عن حمايتها. فحقّها في المحاسبة اختُصر في حقّ واحد يُقاس بالنتيجة لا بالعدل. ⚖️ ولهذا كان الطريق الآخر — الذي تسلكه أنظمة الحكم الجماعي — أن يُحتفظ بالحماية ويُنزع تعريف العدل من يد الحاكم فيُودَع في القانون الذي يشترك الناس في وضعه ؛ وهذا هو ما تفتحه المسألة الموالية. وتذكّر شهادة أرسطو: حكم الطغاة غير مستقرّ بسبب الكراهية التي يبثّها التعسّف — فالسلطة التي لا تُحاسَب لا تدوم، حتّى لو بدأت بالرضا.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا داخل مقالة عن أنظمة الحكم أو مشروعية السلطة: «هل يمكن تبرير الحكم الفردي المطلق ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① تبرير هوبز في ثلاث خطوات (حالة طبيعية بلا سلطة يعتدي فيها الناس · اتّفاق يتنازلون فيه عن جميع حقوقهم · حاكمٌ لا يُطالَب إلاّ بالأمن ويكون العدل ما يقرّره) ؛ ② صور الحكم المطلق الثلاث (ثيوقراطي · حقّ إلهي · استبدادي) مع تدرّج المشروعية بينها ؛ ③ التمييز الدقيق بين المستبدّ والطاغية بمعيار أرسطو: اغتصاب السلطة واستخدامها للمصلحة الخاصّة — وهو ما يفسّر وجود «مستبدّ عادل» ولا يوجد «طاغية عادل». ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين الاستبداد والطغيان واستعمالهما مترادفين ؛ وهو خطأ يُفقدك النقطة كاملة لأنّ النصّ يميّز بينهما صراحة. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : عرض الحكم المطلق كأنّه قائم على القهر دائما ؛ والنصّ يقول إنّه قد لا يؤسَّس على الغلبة بل على الرضا والعقد.
نتيجة — الحكم الفردي المطلق أقدم صور تسيير الدولة ظهورا، وله تبرير فلسفي لا مجرّد واقع تاريخي: فقد انطلق هوبز من فرضية حالة طبيعية خالية من السلطة لم يكن البشر يتحرّجون فيها من الاعتداء على بعضهم، فانتهوا إلى اتّفاق يتنازلون فيه عن جميع حقوقهم لشخص أو جماعة قادرة على ردّ مظالمهم ؛ فصاحب السيادة لا يُطالَب بشيء سوى توفير الأمن، وكلّ ما يصدر عنه لا يُعتبر ظلما لأنّ العدل والظلم هما ما يقرّره. ومع ذلك فهذا النظام قد لا يقوم على الغلبة والقهر بل على الرضا والعقد، ولهذا يحقّ للرعية عزل الحاكم في حالة واحدة: عجزِه عن حمايتها. ومن صوره الحكم الثيوقراطي حيث يُعتقد أنّ الحاكم من طبيعة إلهية وإرادته إرادة عليا، ثمّ نظرية الحقّ الإلهي حيث يختاره الشعب بتوجيه إلهي، ثمّ حكم المستبدّ الذي ينفرد بالسلطة دون أن يلزم عن ذلك طغيان بالضرورة — ولهذا تحدّث القدامى عن المستبدّ العادل والمستبدّ المستنير. ويبقى الفرق قائما بين الاستبداد والطغيان: فالطاغية عند أرسطو من يغتصب السلطة ويستخدمها لمصلحته الخاصّة ويغرق في الشهوات، وحكمه غير مستقرّ بسبب الكراهية التي يبثّها الحكم التعسّفي. ⟸ فإذا كان تركيز السلطة في فرد يُفقد المحكومين ميزانا يحاسبونه به، فهل يكون البديل في أن تمارس الجماعة السلطة بنفسها ؟

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net