الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية

النظم السياسية: ب- نظام الحكم الجماعي (1. الديمقراطية السياسية (الرأسمالية) 2. الديمقراطية الاجتماعية (الاشتراكية) 3. الشورى في الإسلام)

🔊 المعلّمة تقرأ لك
في القسم انتخبتم مسؤولا عنكم برفع الأيدي، فكانت الأغلبية له. والآن اسأل: هل صار من صوّتوا ضدّه محكومين بغير رضاهم ؟ وهل تكون طاعتُك لقرارٍ لم تختره خضوعا لغيرك، أم لنفسك ما دمتَ قد اشتركت في القاعدة التي أنتجته ؟ وماذا لو كانت الأغلبية مخطئة ؟ هذه الأسئلة الصغيرة هي بعينها أكبر أسئلة السياسة: كيف يحكم الناسُ أنفسَهم دون أن يفقد أحدهم حرّيته ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض الديمقراطية المباشرة في نشأتها اليونانية وبيان شروطها وحدودها
  • تحليل الديمقراطية الليبرالية في مبادئها ونقدها بحجّة «حرّية النصوص لا حرّية الواقع»
  • تحليل الديمقراطية الاشتراكية وبيان إشكال الجمع بين الديكتاتورية والديمقراطية
  • بيان أنّ الديمقراطية لا تقوم على الحرّية وحدها ولا على المساواة وحدها بل بهما معا
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مقوّمات الدولة، والفرق بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية
  • أسس الحكم الفردي المطلق ونقده
  • الفرق بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي في الاقتصاد
هل الديمقراطية — مبدأ المشاركة — صناعة أم قيم ؟ وإذا كانت قيما، أهي مبادئ أم غايات، أم الأمران معا ؟ ومن حيث هي قيم، هل يمكن الحديث عن ديمقراطية واحدة أم عن ديمقراطيات ؟ ثمّ ألا تستدعي هذه الديمقراطية حظّا وافرا من الوعي السياسي كشرط مُسبق ؟

مقدمة : طرح المشكلة

إنّ المجتمعات القديمة عرفت صورا من التنظيم السياسي الجماعي تماما كما عرفت التنظيم السياسي الفردي ؛ ولا فرق في هذا بين مجتمع قديم وآخر جديد إلاّ في أساليب وتقنيات التسيير. وقد حدّثنا التاريخ عن الحكم الجماعي في اليونان القديمة، وهو ما اصطُلح عليه بالديمقراطية. غير أنّ الوضوح الذي تطالعنا به القواميس حول معنى اللفظ — إذ هو معرَّب عن أصله اليوناني ويعني حكم الشعب لنفسه — سرعان ما يتلاشى في اصطلاح العلماء والفلاسفة ليكتنفه الغموض ؛ وهو الغموض عينه الذي نجده في الممارسة السياسية والتجربة الواقعية للدول. فبدل الحديث عن الديمقراطية الواحدة، صار الحديث يدور حول ديمقراطية مباشرة، وديمقراطية نيابية، وديمقراطية سياسية، وديمقراطية اجتماعية ؛ بل ويتحدّثون عن تسيير إداري ديمقراطي وعن ربّ أسرة ديمقراطي — وعلى هذا النحو أخذ المصطلح معاني لم تكن له في الأصل.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

أسطورة يونانية : زوس يأمر بتعليم العدالة للجميع

«… أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يشارك الآلهة في صفاتها ؛ وقد حملت هذه الصفات البشر على الاجتماع في المدن، فخشي زوس — إله الآلهة عند اليونان — أن ينتهي هذا الاجتماع إلى التقاتل والدمار، فأرسل هرمس — مبعوث الآلهة — يعلّم البشر مبادئ العدالة والاحترام، لتكون هذه المبادئ قاعدة التآخي والتوافق في المدن. وسأل هرمسُ زوسَ إذا كان مكلّفا بتعليم هذه المبادئ التي تؤلّف صناعة الحكم لفئة من البشر تختصّ بها دون غيرها، فأجابه زوس: بل علّمها للجميع، لأنّني أودّهم أن يشاركوا جميعا في هذه المبادئ ؛ والمدن لا يمكن أن تبقى إذا تفرّدت فئة دون أخرى بهذه الفضائل.» حسن صعب، الإسلام وتحدّيات العصر، دار العلم للملايين، بيروت، ط 4، 1979، ص 106

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الحكم فضيلةٌ تُعلَّم لا امتيازٌ يُورَث : فهرمس أُرسل ليعلّم مبادئ العدالة والاحترام ؛ ⟸ ومعنى ذلك أنّ صناعة الحكم مكتسَبة، وأنّ الاستعداد لها ليس موزّعا بالطبيعة على فئة دون أخرى.
  2. والتعميم شرط بقاء لا مطلب عدالة فحسب : فجواب زوس معلَّل: «المدن لا يمكن أن تبقى إذا تفرّدت فئة دون أخرى بهذه الفضائل» ؛ فالحجّة هنا في دوام المدينة لا في إنصاف الأفراد وحده.
  3. ومن ثمّ فالتعليم شرط الديمقراطية : وما دام زوس أوكل إلى هرمس تعليم هذه المبادئ للبشر، فقد انتبه اليونانيون إلى أهمّية العلم والتعليم في الدولة الديمقراطية ؛ فهي تستدعي حظّا وافرا من الوعي السياسي كشرط مسبق، لا نتيجةً تأتي بعدها.

III – وهل بوسع الدولة أن تراهن على تفعيل تراثها القيمي بما يواكب تحوّلات العصر ؟

ثانيا : من مشروعية الحكم إلى عالمية النظام

أ ـ الديمقراطية المباشرة

  1. نشأتها في العهد اليوناني : فبعد أن كان السكّان يحتكمون إلى التقاليد الاجتماعية الراسخة في حالة المنازعات والمخالفات، ساد الحكم الأرستقراطي — أي حكم النخبة — بين سنتي 662 و561 قبل الميلاد، وفيه كان النبلاء وحدهم يحقّ لهم المشاركة في مجلس الحكّام.
  2. ثمّ جاءت الإصلاحات القانونية : فوطّدت قدم الديمقراطية اليونانية وأعطت لها صورتها ؛ وأهمّ ما جاءت به: المساواة بين جميع المواطنين، وإعطاء السلطة السيادية للشعب الذي يحقّ لجميع أفراده الحضور للمجلس والمشاركة في المداولة وأخذ القرارات.
  3. غير أنّ المواطنة كانت مقيّدة : فلم يكن كلّ من ينتمي إلى الدولة يُعدّ مواطنا ؛ بل المواطن الذي له الحقّ أن ينتخب أو يترشّح هو كلّ ذكر حرّ بلغ سنّ العشرين، وأن يكون مولودا لأبوين أثينيين، وفي حالات استثنائية كان الأثينيون يوافقون على حقّ المواطنة للأجانب. ⚠️ فالمساواة كانت تامّة داخل دائرة المواطنين، والدائرة نفسها كانت ضيّقة.
روسو — الشعب سيّدٌ، والحكومة موظّفة

يُعتبر جان جاك روسو أبرز من أولى أهمّية كبرى للديمقراطية ؛ والذي يميّز مفهومها عنده: السيادة والحرّية والمساواة. فالسيّد الحقيقي في الحكم الديمقراطي هو الشعب، وهذا الشعب لا يمكن اختزاله في جمع غفير من الناس، بل هو اجتماع بشري تراجعت فيه العلاقات التي يفرضها الواقع لتحلّ محلّها علاقات يفرضها الحقّ ؛ فيبدو الشعب كجسم أخلاقي واجتماعي لا يقبل الاختزال. أمّا الحرّية فهي حقيقية، لأنّ طاعة الفرد وخضوعه للقانون هو في الوقت نفسه خضوع لإرادته المتضمَّنة في الإرادة العامّة التي شرّعت هذا القانون ؛ وأمّا المساواة فهي مساواة أخلاقية ومشروعة إذ تقرّرها الإرادة العامّة. والحكومة في هذا المجتمع ليست سوى أداة تنفيذية تنفّذ ما شرّعه الشعب: «… ليس تأسيس الحكومة عقدا بل قانونا ؛ وأنّ الذين تُودَع لهم السلطة التنفيذية ليسوا أسيادا للشعب إنّما موظّفوه، وبوسع الشعب رفعهم أو خلعهم عندما يرغب بذلك ؛ والمسألة بالنسبة إليهم ليست مسألة عقد على الإطلاق، وإنّما هي إطاعة القانون.» محمد عبد المعز نصر، في النظريات والنظم السياسية، ص، 511 – 512

غير أنّ الديمقراطية ليست مجرّد أسلوب في الحكم، بل هي في الوقت نفسه قيمة وثقافة تستدعي مستوى معيّنا من الوعي والتكوين. ثمّ إنّ الديمقراطية المباشرة — على النحو الذي مارسته أثينا — لا يمكن تطبيقها إلاّ في دولة يكون أفرادها محدودي العدد، وهذا ما انتبه إليه روسو ونبّه له ؛ ولهذا لم تعد هذه الصورة صالحة للدول الحديثة التي تتميّز مدنها بالضخامة والكثافة السكّانية، وتعقّدِ النظم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، على نحو يستدعي ممّن يشارك في تسيير شؤون الدولة أن يكون على دراية وعلم كبيرين.

ب ـ الديمقراطية التمثيلية (النيابية)

لمّا كان من المتعذّر جدّا ممارسة الديمقراطية المباشرة في مجتمعات كالتي نعيش فيها، فقد اخترع البشر أسلوبا آخر لتنفيذ إرادة الشعب وممارسة السلطة باسمه، وتلك هي الديمقراطية النيابية ؛ أي أن يحكم الشعب من خلال ممثّليه الذين يختارهم عن طريق الانتخاب. وفي الجملة، فإنّ الديمقراطية التي يتحدّث عنها المعاصرون هي ديمقراطية الحرّية والمساواة ؛ وهذان كانا سببا في تعدّد الديمقراطيات في الزمن الحديث والمعاصر، حيث تباين مفهوم المصطلحين من فلسفة إلى أخرى، ولزم عن ذلك تباينٌ في الممارسة الديمقراطية.

1 ـ الديمقراطية الليبرالية

  1. توفيق مسبق بين مبدأين متعارضين : فتقوم الفلسفة الليبرالية في المجال السياسي على التوفيق بين فكرة استقلال الإرادة والعقل من جهة، وفكرة وجود قانون أسمى من جهة أخرى ؛ وهذا يثير سؤالا فلسفيا ملحّا: كيف يمكن لأشخاص كان يُعتقد أنّ لهم حقوقا مطلقة ومتساوية أن يخضعوا لسلطة سياسية دون نفي صفة الإطلاق والمساواة عن حقوقهم ؟
  2. والدولة عندها وسيط اصطناعي : فهي ليست ضرورة طبيعية صادرة عن حاجات البشر وطبيعتهم الاجتماعية، بل وُجدت من أجل إشباع مطالب الأفراد وكي تكون انعكاسا لإرادتهم ؛ وعلى هذا النحو تكون الأولوية للفرد على الجماعة.
  3. والخضوع للقانون وحده : فالليبرالية تطالب بالحرّية بالنسبة لكلّ أشكال المراقبة الاجتماعية، باستثناء رقابة القانون ؛ فالحرّية تعني «أن يكون الشخص مستقلاّ عن كلّ شيء ما عدا القانون»، وهذا الأخير ليس سوى مؤسّسة أُقيمت لضمان الحقوق الطبيعية للأفراد ومنع التظالم، وهو من إنتاجهم ؛ ولذلك يزول كلّ تعارض حقيقي بين الحرّية والخضوع للقانون.
  4. وحرّية اختيار منقولة من الاقتصاد : فقد قامت على افتراض أساسي هو حرّية الاختيار، «فنقلت مفهوم حرّية المستهلك من مجال الاقتصاد إلى مجال السياسة ؛ فكما تصوّرت نظاما اقتصاديا يقوم على المنافسة، تصوّرت أيضا نظاما سياسيا يقوم على حرّية الاختيار بين الأحزاب والاتّجاهات السياسية».
  5. وسلطة مفتوحة لا تلغي الصراع بل تشرعنه : فالديمقراطية الليبرالية ذات سلطة مفتوحة، لا تقضي على الصراع داخل الدولة بل تؤسّسه كي يتمّ في قنوات شرعية ؛ ويلزم عن هذا ألاّ يستقرّ أيّ حزب في السلطة على نحو دائم، وإنّما تُمارَس على نحو تداولي، والشعب وحده يقرّر في كلّ مرّة من يحقّ له أن يمارسها باسمه.
علي الدين هلال وجون هالويل — تزاوجٌ بين فلسفتين

من الضروري الفصل بين الديمقراطية كمفهوم تاريخي، والديمقراطية الليبرالية باعتبارها نتاج مرحلة ظهور السوق الرأسمالية وصعود الطبقة البرجوازية ؛ «… فالديمقراطية الليبرالية هي تزاوج بين فلسفتين مختلفتين نشأتا تاريخيا في ظروف متباينة، ولكلّ منهما جوهرها الخاصّ بها […] هاتان الفلسفتان هما الديمقراطية والليبرالية». وأمّا الدولة في هذا التصوّر فليست سوى «… وسيط اصطناعي يتأسّس على مطالب الأشخاص، وليست ضرورة طبيعية صادرة عن حاجات البشر وطبيعتهم الاجتماعية ؛ حيث يتعالى الهدف على الإرادة الذاتية للأفراد، قد وُجدت الدولة من أجل إشباع مطالب الأفراد وكي تكون انعكاسا لإرادتهم». علي الدين هلال، مفاهيم الديمقراطية في الفكر السياسي الحديث، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، 1987، ص 37 – 38 — John H. Hallowell, Les fondements de la démocratie, traduction Albert Bedarrides, Nouveaux Horizons, 1977, p. 130

غير أنّ هذا النظام لا يجعل الدولة والأفراد في مأمن دائم ؛ فهو يلزم منه أن يكون الشعب على قدر كافٍ من الوعي بحيث يستطيع المقارنة بين البرامج، والكشف عمّا هو قابل للتطبيق وما هو مجرّد وعود تُستخدم من أجل مصالح شخصية وحزبية. ⚠️ ومعنى ذلك أنّ الديمقراطية معرّضة على نحو دائم للانحراف واستغلال الإرادة العامّة، بل قد تدفع في بعض الحالات إلى إفراز نقيضها — على نحو ما حدث في ألمانيا النازية، إذ الديكتاتورية جاءت باختيار شعبي وديمقراطي في انتخابات 1933. ومن جهة أخرى، فإنّه لا يكفي أن تنصّ الدساتير والمواثيق القانونية على الحقوق حتّى تتجسّد الحرّية التي يرفعها الليبراليون شعارا، بل يجب أن يُمكَّن الأفراد من القدرة على ممارسة تلك الحقوق ؛ ولهذا غالبا ما تكون الحرّية الليبرالية حرّية نصوص قانونية لا حرّية واقع — ومن هذه الجهة بالذات وجّه الاشتراكيون سهام النقد لهذه الفلسفة.

2 ـ الديمقراطية الاشتراكية

  1. لا ديمقراطية بغير إزالة الطبقية : فالمجتمع الوحيد الذي تزدهر فيه الديمقراطية هو ذلك الذي تخلّص من الطبقية، فهو وحده القادر على حلّ التناقضات التي ظهرت في المجتمع الرأسمالي ؛ فبمشاركة الجميع في السلطة لا تعود الحياة السياسية حلبة صراع، بل بالعمل المشترك والإجماع تنشأ الوحدة ويشيع التعاون.
  2. وانتقالٌ لا يتمّ بالاقتراع وحده : فتحقيق هذا المجتمع لا يكون في البداية عن طريق الاقتراع العامّ، بل يجب بشيء من القوّة أن ينتقل من مجتمع برجوازي إلى مجتمع عمّالي ؛ ولم ينكر الاشتراكيون الطابع الديكتاتوري للدولة الاشتراكية الناشئة، بل يرونه ضرورة تضمن الوصول إلى مجتمع ديمقراطي حقيقي هو المجتمع الشيوعي.
  3. وجوابهم عن إشكال الجمع بين الديكتاتورية والديمقراطية : أنّ الديمقراطية هي حكم الشعب، وإن تعذّر فحكم الأغلبية ؛ والأغلبية هم العمّال، ولمّا كان البرجوازيون لا يمكنهم قبول أن يؤول الحكم إلى العمّال، لزم اللجوء إلى القوّة والحدّ من الحرّيات لتحقيق ذلك.
  4. والدولة عندهم شرٌّ يجب زواله : فهي ليست ضرورة تحتّمها الطبيعة البشرية ؛ ولهذا تضعف في المرحلة الاشتراكية لتزول بعد ذلك في المرحلة الشيوعية، فيتحقّق المجتمع الديمقراطي.
  5. ولا تعدّدية ولا تداول : إذ ينظر الاشتراكيون إلى الشعب على أنّه وحدة متجانسة تجمع بينها الظروف المادّية ؛ ولهذا لم تكن فكرة التعدّدية واردة في فكرهم السياسي، ولا مجال للمنافسة أو التداول على السلطة ما دام الشعب برمّته يحقّ له ممارستها داخل جهاز الحزب الواحد — ويلزم من هذا ألاّ مجال لحرّيات سياسية عامّة وخاصّة شبيهة بتلك المعروفة في الديمقراطية الليبرالية.

ولكنّ الفلسفة الاشتراكية — كغيرها من أنماط الفكر الإنساني — لم تكن ثابتة، فقد عرفت انتقادات وتحوّلات، على نحو ما حدث بظهور الديمقراطية الاجتماعية ؛ بل «… إنّ للبشر تنوّعا مدهشا في أهوائهم وأفكارهم، وتعقّدُ الحياة الإنسانية لا يسمح باختزالها — بصورة آلية وفَظّة — إلى صيغة اقتصادية». ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار أهمّية العوامل الاقتصادية في الحياة الاجتماعية والسياسية. ⟸ والخلاصة التي ينتهي إليها الدرس: الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على الحرّية وحدها ولا على المساواة فقط، بل بهما معا، ولا تتحقّق القيمتان إلاّ في اجتماعهما.

3 ـ الشورى في الإسلام

وقد عرفت مجتمعاتنا صورة من الحكم الجماعي قبل أن يُعرف المصطلح الحديث ؛ فقد كان المجتمع المكّي قبل مجيء الإسلام — حيث لا مَلِك ولا حاكم يمارس السلطة المطلقة عليه — يسيّر شؤون مدينته من خلال التشاور في دار الندوة، وهي محلّ أُنشئ لهذا الغرض ؛ قال أبو جعفر: «وسُمّيت دار الندوة بمكّة التي بناها قصيّ، لأنّهم كانوا ينتدون فيها، أي يجتمعون للمشاورة». وبعد ظهور الإسلام صار الفكر الإسلامي في منابعه — وهي القرآن الكريم والحديث والتطبيقات زمن الراشدين — يعتبر الأمّة هي الأساس: فهي مصدر السلطات، وتقوم على فكرة المساواة، لا سادة فيها ولا مسودين، والشريعة هي التي تحدّد لكلّ حقوقه ومسؤولياته ؛ والأمّة هي التي تختار الإمام، دون تحديد لطريقة الاختيار — سواء أكان انتخابه مباشرةً أو عن طريق أهل الرأي، أي أهل الحلّ والعقد — والاختيار والبيعة نوع من العقد.

الدجاني وابن عاشور — الأمّة مصدر السلطات

«… فهي مصدر السلطات ولا تجتمع على ضلال ؛ وهذه الأمّة تقوم على فكرة المساواة، لا سادة فيها ولا مسودين، والشريعة هي التي تحدّد لكلٍّ حقوقه ومسؤولياته ؛ وكأنّ الفكرة الإسلامية تقوم على أساس أنّ الأمّة طبقة واحدة من أحرار متساوين يتفاضلون بالكفاءة والعمل.» وهناك من المثقّفين من لا ينكر إمكانية قيام ديمقراطية في الدول الإسلامية ما دام الحكم الإسلامي ديمقراطيا: «… فلا ريب في أنّ حكومة الإسلام حكومة ديمقراطية على حسب القواعد الدينية […] وبهذا الشكل تكون ديمقراطية الحكومة الإسلامية خاصّة ؛ وأنّ الديمقراطيات السابقة من عهد اليونان واللاحقة حتّى الآن مختلفة الأشكال، والإسلامية أحقّها بالاعتدال.» أحمد صدقي الدجاني، تطوّر مفاهيم الديمقراطية في الفكر العربي الحديث، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، 1987، ص، 117 — محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، والمؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط 2، 1985، ص 213 — والخبر عن دار الندوة في: محبّ الدين الطبري، الرياض النضرة في مناقب العشرة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1996، ج 2، ص 58

إن أوصلت الانتخابات ديكتاتورا، أتكون الديمقراطية قد نجحت أم فشلت ؟

الواقعة مذكورة في الدرس صراحةً: الديكتاتورية في ألمانيا النازية جاءت باختيار شعبي وديمقراطي في انتخابات 1933. فالسؤال ليس افتراضيا، والجواب عنه يكشف ما الديمقراطية في حقيقتها. من يعرّف الديمقراطية بأنّها إجراء — صناديق واقتراع وأغلبية — يلزمه أن يقول: نجحت، لأنّ الإجراء احتُرم. ومن يعرّفها بأنّها قيمة وثقافة يلزمه أن يقول: فشلت، لأنّ الغاية التي لأجلها وُضع الإجراء قد نُقضت به. والدرس يرجّح الثاني بصريح العبارة: الديمقراطية ليست مجرّد أسلوب في الحكم، بل هي في الوقت نفسه قيمة وثقافة تستدعي مستوى معيّنا من الوعي والتكوين ؛ ولذلك يلزم أن يكون الشعب على قدر كافٍ من الوعي ليقارن بين البرامج ويكشف الوعود التي تُستخدم لمصالح شخصية وحزبية. فالوعي ليس زينةً تُضاف إلى الديمقراطية، بل شرطُ صحّتها — وهو عين ما قالته الأسطورة حين أمر زوس بتعليم مبادئ العدالة للجميع، لأنّ المدن لا تبقى إذا تفرّدت فئة بهذه الفضائل. ⚖️ ومن هنا تفهم لماذا لا تكفي الحرّية وحدها ولا المساواة وحدها: الحرّية بلا مساواة تُنتج حرّية نصوص لا حرّية واقع ؛ والمساواة بلا حرّية تُنتج حزبا واحدا لا تعدّدية فيه ولا تداول. والديمقراطية الحقيقية لا تتحقّق إلاّ في اجتماع القيمتين.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في مقالة جدلية واسعة: «هل الديمقراطية أفضل نظام للحكم ؟» أو «هل تكفي الحرّية لقيام الديمقراطية ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① صور الديمقراطية مرتّبة مع سبب الانتقال بينها (مباشرة تصلح لعدد محدود · نيابية اختُرعت لتعذّر الأولى) ؛ ② نقدان متقابلان يحفظان لك التركيب كلّه (الليبرالية: حرّية نصوص لا حرّية واقع · الاشتراكية: لا تعدّدية ولا تداول ودولةٌ يُراد لها الزوال) ؛ ③ الشورى في تراثنا بمرجعها (دار الندوة · الأمّة مصدر السلطات · اختيار الإمام والبيعة نوع من العقد). ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : اختزال الديمقراطية في الانتخاب ؛ والدرس يعطيك المثال المضادّ الحاسم — انتخابات 1933 — فاستعمله. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : الحديث عن «الديمقراطية» بالمفرد المعرّف وكأنّها واحدة ؛ والنصّ يبيّن أنّ تباين مفهومَي الحرّية والمساواة من فلسفة إلى أخرى هو الذي أنتج ديمقراطيات لا ديمقراطية.
نتيجة — الحكم الجماعي صورة قديمة قِدَم الحكم الفردي، وقد سمّاه اليونان الديمقراطية، أي حكم الشعب لنفسه ؛ غير أنّ المصطلح تعدّدت معانيه حتّى صار الحديث عن ديمقراطيات لا عن ديمقراطية. فالديمقراطية المباشرة نشأت في أثينا بعد الحكم الأرستقراطي، وقامت على المساواة بين المواطنين وإعطاء السيادة للشعب الحاضر المداوِل — مع ضيق دائرة المواطنة نفسها — وهي عند روسو سيادةٌ للشعب وحرّيةٌ هي طاعة الفرد لقانون شارك في وضعه ومساواةٌ تقرّرها الإرادة العامّة، والحكومة فيها موظّفة لا سيّدة. ولمّا تعذّرت في الدول الكبيرة، اختُرعت الديمقراطية النيابية. ثمّ تباين مفهوما الحرّية والمساواة فأنتجا صورتين: ليبراليةً تجعل الدولة وسيطا اصطناعيا والخضوعَ للقانون وحده وحرّيةَ الاختيار بين الأحزاب وسلطةً مفتوحة متداولة — ويُعاب عليها أنّها حرّية نصوص لا حرّية واقع، وأنّها قد تفرز نقيضها كما في انتخابات 1933 ؛ واشتراكيةً تجعل إزالة الطبقية شرطا وتقبل ديكتاتورية انتقالية وتنكر التعدّدية والتداول وترى الدولة شرّا يزول. وقد عرف تراثنا الشورى قبل ذلك: دارُ الندوة قبل الإسلام، ثمّ الأمّةُ مصدرا للسلطات تختار إمامها بالبيعة وهي نوع من العقد. ⟸ والخلاصة أنّ الديمقراطية ليست أسلوبا في الحكم فحسب بل قيمة وثقافة، ولا تقوم على الحرّية وحدها ولا على المساواة وحدها، بل لا تتحقّق إلاّ في اجتماعهما.

الصفحة 1/6

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net