اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 11 الفن المسرحي في المشرق

"كابوس في الظهيرة" لحسين عبد الخضر

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

حسين عبد الخضر عيّال كاتبٌ مسرحيٌّ عراقيٌّ، وعضوُ اتّحاد المسرحيّين العراقيّين. من مواليد النّاصريّة (جنوب العراق) عام 1973م.

ورغم أنّ تخصّصَه المهنيّ كان في قطاع البترول، فإنّ وَلوعَه بالأدب جعله يمارس الإبداعَ الأدبيّ منذ بداية التّسعينات.

آثارُه:
  • في الرّواية: «مواسم العطش» و«أوهام يوم الخلاص»؛
  • في المسرح: «رماد أحزان الكوفة» و«لعبة الخوف» و«كابوس في الظّهيرة» الّتي منها هذا النّصّ.

🚪تقديم النّصّ

إذا كانت الحربُ تُخلِّف الدّمارَ والموتَ والفقرَ، فما هي الآثارُ الخفيّةُ لها؟ ما الّذي يصيب الأحياءَ النّاجين من دمارها المادّيّ من اهتزازاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّة؟.. أسئلةٌ يحاول هذا النّصُّ الغوْرَ في أعماق الإجابات عنها.

⭐ لاحظْ أنّ التّقديمَ لا يلخّص لك النّصَّ: إنّه يفتح عليك سؤالا. اقرأِ المسرحيّةَ وأنت تحمل هذا السّؤالَ معك — فالنّصُّ لا يحكي حربا، بل يحكي ما تتركه الحربُ في الباقين.

📜النّصّ

[ صالةُ بيتٍ عراقيّ. صورٌ شخصيّةٌ لثلاثة رجالٍ معلّقةٌ على الجدار. شبّاكٌ يطلُّ على الحديقة. أريكتان متقابلتان تجلس عليهما امرأتان ]

[ أصواتُ لعبٍ وجَرْيٍ لأطفالٍ تُسمَع من الحديقة ]

الضّيفة: كم يكون الأطفالُ مزعجين عندما يلعبون!

الأمّ: لا تتصوّري مدى سعادتي بصخبهم وجَرْيِهم المتواصل.

الضّيفة: يا لهم من أشقياءَ لا يملّون الرّكضَ والصّراخ، أطفالي مثلا، لا أعرف لماذا يركضون ويتصايحون دائما وكأنّهم في حربٍ مستمرّة!

الأمّ: يركضون علّهم يبلغون أبوابَ السّنين القادمة. انظري إليهم وهم يطلقون في الهواء طائراتِهم الورقيّة، كأنّهم يحلّقون معها، إنّ للأطفال عالمَهم الحالمَ يا عزيزتي، إنّهم نعمةٌ رزقَنيها اللهُ بعد وحدةٍ طالت بي.

الضّيفة: (تضحك ببرود) نعم إنّهم يكبرون فجأةً ليصبحوا رجالا.

الأمّ: لن أسمح لهذا أن يحدث، إنّني أراقبهم كلَّ ليلةٍ وألاحق التّغيّراتِ الّتي تطرأ على سَحْنهم. وفي كلّ ليلةٍ أجد أنّ هناك تغيّراتٍ جديدةً، شُعيراتٌ ناعمةٌ أخذت تشقُّ طريقَها على ذقن عليٍّ وترسم ملامحَ شابٍّ جميلٍ سيقف أمامي بعد سنوات. إنّ ذلك يثير فيَّ شعورا ناعما ويجعلني غيرَ طامعةٍ بشيءٍ غيرِ البقاء في ذروة هذا الشّعور الّذي يشبه النّومَ على فراشٍ أو بلا فراش، هكذا كأنّما أتأرجح في الهواء.

الضّيفة: (تنظر إلى الصّور) هذه صورُ الغائبين؟

الأمّ: (بألم) نعم إنّها صورُ الأحباب الرّاحلين (تشير إلى الصّور واحدةً بعد أخرى) هذه صورةُ زوجي فقدتُه في الحرب الأولى عندما كنت حاملا بوسام، وهذه لأخي الأكبر فقدتُه في الحرب الثّانية عندما أدرك وسامٌ الكلام، أمّا هذه فإنّها لأخي الأصغر فقدتُه قبل سنوات ولا أدري أين هو الآن.

الضّيفة: (تنظر إلى السّاعة) أتركك لتنامي فأنا أعرف أنّك تحبّين نومَ الظّهيرة رغم أنّه لا يمكن لأحدٍ أن ينام اليومَ كما أعتقد.

الأمّ: ما زال الوقتُ مُبَكِّرا كي تذهبي، فالظّهيرةُ لم تحلَّ بعد.

الضّيفة: ربّما تكون قد حلّت الآن.

الأمّ: لا، ما زال هناك بعضُ الوقت، إنّني أعرف هذا تلقائيّا، ولا يمكن لظهيرةٍ أن تفوتَني.

الضّيفة: أنا لا أنام ظهرا، لا يتسنّى لي ذلك غالبا لأنّني أكون مشغولةً في مثل هذا الوقت من النّهار، أمّا اليومَ فلا أعتقد بأنّني سأنام.

الأمّ: إنّك تفوّتين على نفسك فرصةَ شعورٍ رائعٍ كم أتمنّى أن أبقى في هذا الحدّ إلى ما لا نهاية! المشكلةُ الوحيدةُ هي أنّني لا أعرف ما الّذي سيواجهني في عالم النّوم، وذلك أمرٌ يخيفني.

الضّيفة: الخوفُ هناك أيضا، إنّه لمِن الحزن أن نقضيَ أعمارَنا خائفين. أيّامُنا في توتّرٍ دائم، اليومَ أيضا هناك توتّرٌ والجميعُ يترقّب. لقد خبّرونا القصفَ لن يخطئَنا اليوم.

الأمّ: مهما كان الأمر، لقد تعوّدنا التّوتّراتِ ولم يعد عندي من الرّجال من أخشى عليه منها، لقد دارت بهم رَحاها جميعا.

الضّيفة: (تتنبّه إلى الوقت) أتركك لتنامي بسلام، لكنّها الظّهيرةُ ويجب أن تُدخلي الأولاد.

الأمّ: لا خوفَ عليهم. إنّهم يلوذون من حرّ الشّمس بظلال الأشجار ويراوغون أشعّتَها بمهارة، لنتركهم يلهون ما تبقّى لهم من الوقت.

[ تودّع الضّيفةَ حتّى الباب، تطلُّ على أطفالها من الشّبّاك وتطلب منهم أن يلعبوا بهدوء. تتمدّد على الأريكة وتبدأ رحلتَها إلى عالم النّوم.. بعد قليلٍ، يرتفع صوتُ مطرقةٍ كبيرةٍ تضرب سندانا، تستيقظ الأمُّ وسط الخراب ]

⚖️ هنا ينكسر النّصُّ إلى نصفين. كلُّ ما مضى ظهيرةٌ عاديّةٌ في بيتٍ عامر؛ وكلُّ ما يأتي هو الظّهيرةُ نفسُها بعد القصف. لا فاصلَ بينهما إلّا نومةٌ واحدة.

الأمّ: يا إلهي، في أيِّ كابوسٍ أنا؟ هذا البيتُ كأنّه بيتي والأثاثُ أثاثي، أشكُّ بأنّني أعرف تلك الكفَّ الطّريّةَ وهذه الطّائرة، إنّها تشبهها تماما... كلُّ شيءٍ هنا يشبه ما لديَّ عدا أنّه محطَّمٌ مثلي تماما الآن. أيُّ كابوسٍ كريهٍ هذا الّذي تقودني إليه شِباكُ الوَسَن؟ أيُّ كابوسٍ (تدور بعينيها في المكان فتسمع في الخارج أصواتَ لطمٍ وبكاءٍ يختلط بصفير سيّارات الإسعاف والإطفاء) كأنّني في حربٍ أو في نهاية معركة، أيُّ مزحةٍ سخيفةٍ تلك الّتي جلبت الكابوسَ إلى بيتي وحيّي؟ لا، لا بدّ أن أستيقظ من كلّ هذا سريعا وإلّا فإنّي سأُجَنّ.

[ تدور الأمُّ في المدينة، مُشَعَّثةً ممزّقةَ الثّياب، وهي تبحث عن بابٍ في الهواء تعود منه إلى عالمها. بعضُ روّاد المقهى يلعبون الدّومينو. يمرّ بها الآخرون وهم يحملون موتاهم في عرباتٍ غيرَ مبالين بها. تحاول أن تستوقف أحدَهم ]

الأمّ: أخبِرني أيّها السّيّد. من أيِّ بابٍ يمكنني الخروجُ من عالمكم فأنا غريبةٌ هنا وأودُّ العودةَ إلى بيتي وأطفالي؟

أحدُهم: (إلى صاحبه في المقهى) أظنّ أنّني أعرف هذه المجنونة.

الآخر: نعم، نعم إنّها أمُّ عليٍّ من الزّقاق الآخر، تظنّ أنّها في كابوس، مسكينة. لقد فقدت كذا وكذا من أفراد أسرتها.

أحدُهم: تظنّ أنّها في كابوس؟

رجل 2: (ساخرا) أوَ ليست هذه المجنونةُ مجنونةً؟ دعونا منها.

رجل 1: لا، إنّها ليست مجنونةً وما يدريك أنت ما الجنون: إنّها تتفادى جنونَها فقط بالبحث عن بابٍ يخرجها ممّا تظنّه كابوسا، الْعَبْ.

رجل 2: حربٌ ومجانين، حربٌ ومجانين. لقد انتهيتَ تماما يا عزيزي اِسحبْ كلَّ ما على الطّاولة وابدإِ العدَّ... كم كسبتَ؟

رجل 1: حسنا لقد انتهيتُ، كما انتهى كأيّ غيرك.

من مسرحيّة «كابوس في الظّهيرة»

📖أثري رصيدي اللّغويّ

في معاني الألفاظ:
  • السَّحْن: السَّحْنةُ هي هيئةُ وشكلُ ولونُ البشرة؛
  • يتسنّى: يُتاح ويتهيّأ؛
  • يَتَرقَّبُ: يتابع وينتظر؛
  • دارت الرَّحى بهم: كنايةٌ عن الموت؛
  • يلوذ: يأوي ويلجأ؛
  • كابوس: حلمٌ مزعج؛
  • مُشَعَّثة: متلبّدةُ الشّعر.
⭐ توقّفْ عند «دارت الرَّحى بهم»: الأمُّ لا تقول «ماتوا»، بل تستعير رَحى الطّاحون. وهذه الكنايةُ وحدها تشرح لك لماذا احتاج الكاتبُ إلى مسرحيّةٍ كاملة: الحربُ في هذا النّصّ لا تُسمّى، إنّما تُرى في أثرها.
في الحقل المعجميّ: استخرجْ من النّصّ المعجمَ اللّغويّ الدّالَّ على سعادة الأمّ قبل الحادثة، ثمّ عن تعاستها بعدها.
المعجمُ الدّالُّ على السّعادة — قبل الحادثة:
  • سعادتي
  • نعمة
  • عالمُهم الحالم
  • شعورٌ ناعم
  • أتأرجح في الهواء
المعجمُ الدّالُّ على التّعاسة — بعد الحادثة:
  • كابوس
  • مجنونة
  • مُشَعَّثة
  • غريبة
⚖️ الطّريقةُ لتجدَ البقيّةَ بنفسك: ضعْ إصبعك على المِطرقة الّتي تضرب السّندان — هي الحدُّ. كلُّ لفظٍ قبلها يجري في حقل الأمومة والحلم والطّمأنينة، وكلُّ لفظٍ بعدها يجري في حقل الخراب والغربة والجنون. معجمان لا ثالثَ لهما، لأنّ المسرحيّة موقفان لا ثالثَ لهما.
في الحقل الدّلاليّ: تردّدت في النّصّ الكلماتُ: الكابوس، الجنون، الحرب. ما الّذي يجمع بين هذه الدّلالات من خلال سياق المسرحيّة؟

يجمع بينها أنّها ثلاثةُ أسماءٍ لشيءٍ واحد، والنّصُّ يقلبها الواحدَ في الآخر:

تتبّعِ القلبَ في النّصّ:
  1. الحربُ تُرى كابوسا: الأمُّ تستيقظ فتظنّ ما تراه حُلما — «أيُّ كابوسٍ كريهٍ هذا الّذي تقودني إليه شِباكُ الوَسَن؟»، ثمّ «لا بدّ أن أستيقظ من كلّ هذا سريعا وإلّا فإنّي سأُجَنّ»؛
  2. الكابوسُ يُقرَأ جنونا: النّاسُ من الخارج يسمّونها «المجنونة» لأنّها تبحث عن بابٍ في الهواء؛
  3. والجنونُ يُردّ إلى الحرب: «حربٌ ومجانين، حربٌ ومجانين» — يربطهما رجلُ المقهى في نَفَسٍ واحد.
⟸ الدّلالةُ الجامعة: الحربُ حين تتجاوز طاقةَ العقل على التّصديق تُرى كابوسا؛ وحين تدوم يقظةً فلا تنقضي يصير احتمالُها جنونا. ولذلك يقول رجل 1 أخطرَ جملةٍ في النّصّ: «إنّها تتفادى جنونَها فقط بالبحث عن بابٍ يخرجها ممّا تظنّه كابوسا» — أي أنّ تسميتَها له «كابوسا» هي آخرُ ما يحميها من الجنون فعلا.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه. اقرأْ أوّلا وأجبْ في ورقتك، ثمّ افتحْ الجوابَ لتقابله بما وجدْتَ.
ما الّذي أراد أن يعبّر عنه الكاتبُ من منظر الأطفال وهم يلعبون، ومنظر الحديقة والظّلّ وأشعّة الشّمس؟

أراد الكاتبُ من خلال هذه الصّورة إبرازَ طبيعة الحياة وجمالها، الّتي يمكن أن تتحوّل في لحظةٍ إلى مأساة بسبب الحرب المدمّرة.

وانظرْ كيف بُنيت الصّورةُ من عناصرَ كلُّها حياةٌ خالصة:
  1. الأطفالُ يركضون «علّهم يبلغون أبوابَ السّنين القادمة» — أي أنّ اللّعبَ نفسَه صورةُ المستقبل؛
  2. الطّائراتُ الورقيّة ترتفع في الهواء — وستنزل بعد قليلٍ طائراتٌ أخرى في السّماء نفسِها؛
  3. الظّلُّ وأشعّةُ الشّمس: الأطفالُ «يلوذون من حرّ الشّمس بظلال الأشجار ويراوغون أشعّتَها بمهارة» — يجيدون اتّقاءَ خطرٍ صغير، ولا يعرفون شيئا عن الخطر الّذي يأتي.
ما هي الرّسالةُ الإنسانيّةُ الّتي أراد الكاتبُ إرسالَها من خلال موضوع المسرحيّة؟

الرّسالةُ الإنسانيّةُ هي أنّ الأطفالَ الأبرياءَ هم المتضرّرُ الأوّلُ من الحرب، وكذلك أمّهاتُهم.

⭐ ولاحظْ أنّ الكاتبَ لم يقلْ هذه الرّسالةَ في جملة: جعلها بناءً. فلا جنديَّ في النّصّ ولا سياسيّ ولا ساحةَ قتال — لا نرى من الحرب إلّا من لا ناقةَ لهم فيها ولا جمل.
فيمَ تمثّلت مأساةُ هذه الأمّ؟ هل هي مأساةٌ فرديّة؟
تمثّلت المأساةُ في سلسلةٍ من الفقد يعدّدها النّصُّ بنفسه:
  1. زوجُها: فقدته في الحرب الأولى، «عندما كنت حاملا بوسام»؛
  2. أخوها الأكبر: فقدته في الحرب الثّانية، «عندما أدرك وسامٌ الكلام»؛
  3. أخوها الأصغر: فقدته قبل سنوات، «ولا أدري أين هو الآن»؛
  4. وأطفالُها وبيتُها: في قصف اليوم — وهو ما أفضى بها إلى الكابوس والجنون.
⚖️ وانتبهْ إلى ما تصنعه هذه السّلسلةُ: الصّورُ الثّلاثُ المعلّقةُ على الجدار في أوّل المشهد ليست ديكورا، إنّها ثلاثةُ رجالٍ «دارت بهم رَحاها جميعا»: اثنان في حربين يسمّيهما النّصّ، والثّالثُ غاب «قبل سنوات». والقصفُ الأخير يضيف إليهم الأطفال. التّواريخُ في هذا البيت لا تُحسَب بالسّنين، بل بعدد الصّور.

وهي ليست مأساةً فرديّة، بل مأساةٌ جماعيّة عايشتها أغلبُ الأسر العراقيّة، وما الأمُّ إلّا نموذجا منها.

ودليلُ الجماعيّة في النّصّ نفسِه:
  1. الضّيفةُ تقول «أيّامُنا في توتّرٍ دائم… والجميعُ يترقّب» — بضمير الجماعة؛
  2. والمارّةُ «يحملون موتاهم في عرباتٍ» — أي أنّ لكلٍّ منهم موتاه؛
  3. ورجلُ المقهى يعرفها ويعرف قصّتَها: «إنّها أمُّ عليٍّ من الزّقاق الآخر» — فهي جارةٌ لا استثناء.
ماذا مثّل حادثُ الانفجار الّذي سبّبه القصفُ بالنّسبة لتطوّر شخصيّة الأمّ؟

مثّل تطوّرا دراميّا نقلها بين وضعين متقابلين: من شخصيّةٍ كانت تغمرها السّعادةُ بمنظر أطفالها وهم يلعبون، إلى شخصيّةٍ تعيش مأساةً بسبب جنونها بعد القصف.

⚖️ وهو من النّاحية الفنّيّة نقطةُ الذّروة في المسرحيّة: قبله يتصاعد التّوتّر في الحوار، وبعده لا يعود شيءٌ إلى ما كان.
صوّر الكاتبُ موقفين متناقضين تماما لشخصيّة الأمّ. ما الّذي أراده من ذلك؟
الموقفان، كما رسمهما النّصّ:
  1. قبل النّوم: أمٌّ تراقب نموَّ ابنها ليلةً بليلة، وتحصي الشّعيراتِ النّاعمةَ على ذقنه، و«غيرُ طامعةٍ بشيءٍ غيرِ البقاء في ذروة هذا الشّعور»؛
  2. بعد الاستيقاظ: أمٌّ مُشَعَّثةٌ ممزّقةُ الثّياب تدور في المدينة تسأل عن بابٍ في الهواء.
⭐ وما أراده الكاتبُ يقوله هو نفسُه في «أجمل القول» (وستقرؤه بعد قليل): «بنى الكاتبُ الشّخصيّةَ الدّراميّةَ بناءً ناميا ينتقل شيئا فشيئا من النّقيض إلى النّقيض بفعل قنبلةٍ واحدةٍ تدمّر كلَّ الحياة». ⟸ المسافةُ بين الموقفين هي المسافةُ الّتي قطعتها قنبلةٌ واحدة، والكاتبُ إنّما رسم الطّرفين لتقيسَ أنت ما بينهما.
تتبّعِ التّطوّرَ الدّراميَّ للنّصّ وارصدْ أهمَّ أحداثه، ومدى تفاعل الشّخصيّة المحوريّة معها.
أهمُّ أحداث الموقف الدّراميّ، بالتّرتيب:
  1. زيارةُ الضّيفة؛
  2. الحديثُ الّذي دار بين الضّيفة والأمّ؛
  3. نومُ الأمّ؛
  4. استيقاظُ الأمّ بعد القصف وفقدانُها لعقلها بسبب كارثة القصف.

وقد تفاعلت الشّخصيّةُ مع الأحداث تفاعلا دراميّا أدّى بها في النّهاية إلى الجنون بفعل عدم تحمّلها للمأساة: دمارُ البيت وفقدانُ الأطفال.

⚖️ الطّريقةُ لترصدَ تطوّرا دراميّا في أيّ نصّ: لا تعدّ الأحداثَ، بل اسألْ عند كلّ حدثٍ ما الّذي تغيّر في الشّخصيّة بعده؟. هنا: الزّيارةُ لا تغيّر شيئا (تمهيد)، والحديثُ يكشف (تصاعد)، والنّومُ يفصل (عتبة)، والاستيقاظُ يقلب (ذروة وانهيار).
ما هو الدّورُ الّذي لعبته المرأةُ الضّيفةُ في الكشف عن شخصيّة الأمّ؟

دورُها هو الكشفُ عن أغوار نفسيّة الأمّ: سعادتِها بأبنائها، وتأقلمِها مع مظاهر القصف والحرب.

وهي تؤدّي ذلك بوسيلتين:
  1. بالسّؤال: «هذه صورُ الغائبين؟» — فتفتح على تاريخ الأمّ كلِّه؛
  2. بالتّناقض: هي متشائمةٌ باردةٌ («تضحك ببرود»، «الخوفُ هناك أيضا»)، والأمُّ متفائلة. ومن احتكاك النّقيضين يظهر تفاؤلُ الأمّ على حقيقته.
⭐ هذا ما يسمّى في المسرح الشّخصيّةَ المُساعِدة: لا تتطوّر هي، بل تجعل غيرَها يتكلّم. ولذلك تخرج من المشهد قبل القصف مباشرةً: مهمّتُها انتهت.

💬أناقش معطيات النّصّ

هل استطاع الكاتبُ — من خلال هذا العمل المسرحيّ — أن ينقل للقارئ المعاناةَ الإنسانيّةَ من جرّاء الحروب؟ فمن خلال مَن وُفّق في ذلك؟

نعم، استطاع الكاتبُ من خلال هذا العمل أن يترجم معاناةَ الإنسان من جرّاء الحرب، وقد وُفّق في ذلك من خلال شخصيّة الأمّ الّتي مات أطفالُها وخرِب منزلُها ففقدت أعصابَها.

⚖️ ولماذا الأمُّ بالذّات، لا الجنديُّ ولا الشّهيد؟ لأنّ الأمَّ لم تختر الحرب ولا تفهمها، وهي الوحيدةُ الّتي تُقاس بها الخسارةُ الصّافية: كلُّ ما فقدَتْه فقدَتْه دون أن تربح شيئا.
علّلِ الغايةَ الفنّيّةَ الّتي من أجلها قدّم الكاتبُ شخصيّةَ الأمّ بتلك النّظرة التّفاؤليّة للحياة قبل الحادث.

إنّ النّظرةَ التّفاؤليّةَ للأمّ قبل الحادثة تكمن في سعادتها بأطفالها وهم يلعبون، فعقدت الأملَ من أجلهم.

والغايةُ الفنّيّةُ من ذلك مزدوجة:
  1. تهيئةُ السّقوط: لا يُقاس عمقُ الهاوية إلّا بعلوّ ما سقط فيها. فكلّما ارتفع تفاؤلُ الأمّ في المشهد الأوّل، اشتدّت وقعةُ المشهد الثّاني؛
  2. إدانةُ الحرب دون خطاب: لو قدّمها يائسةً منذ البداية لَقيل إنّ الحربَ وجدتها منهارةً. أمّا وقد قدّمها في ذروة الطّمأنينة، فالمسؤولُ عن انهيارها واحدٌ لا شريكَ له.
⭐ وهذا ما يعبّر عنه «أجمل القول» بقوله إنّ الكاتبَ صوّر المأساةَ «في أبشع صورها وأعلى درجات المأساة الدّراميّة».
ما دلالةُ عدم رغبة الأمّ في أن يصير أطفالُها رجالاً؟
💡 هذا سؤالُ استنتاج: الجوابُ ليس مكتوبا في سطرٍ واحد، لكنّ النّصَّ يحمل كلَّ عناصره. اجمعْها قبل أن تفتح.
اجمعْ ثلاثةَ معطياتٍ من النّصّ:
  1. على الجدار صورُ ثلاثةِ رجالٍ: الزّوجُ والأخوان — وكلُّهم ذهبوا في الحروب؛
  2. الأمّ تقول عن الرّجال: «لم يعد عندي من الرّجال من أخشى عليه منها، لقد دارت بهم رَحاها جميعا»؛
  3. وحين تقول الضّيفةُ «يكبرون فجأةً ليصبحوا رجالا» تردّ الأمُّ فورا: «لن أسمح لهذا أن يحدث».
⟸ الدّلالة: في عالم هذه المسرحيّة، الرّجولةُ هي البابُ الّذي يخرج منه المرءُ إلى الحرب فلا يعود. فرفضُ الأمّ لكِبَر أبنائها ليس تعلّقا أموميّا ساذجا، بل رفضٌ للدّور الّذي ينتظرهم. وهي تريد أن توقف الزّمنَ عند لحظة اللّعب، لأنّ ما بعدها معروفٌ سلفا — وهو معلّقٌ على الجدار في ثلاث صور.
⚖️ ومن مفارقات النّصّ القاسية أنّ الحربَ لم تنتظر أن يكبروا: فقدَتْهم أطفالا. فحتّى هذا الرّجاءُ الصّغير — أن يمهلَهم الزّمنُ — لم يتحقّق.
ما سرُّ بقاء الأمّ حيّةً وموتِ أطفالها من النّاحية الدّراميّة؟
السّرُّ فنّيٌّ بحت، وله ثلاثةُ وجوه:
  1. الميّتُ لا يشهد: لو ماتت الأمُّ مع أطفالها لانتهت المسرحيّةُ عند الانفجار، ولَبقيت الحربُ رقما في نشرة أخبار. بقاؤها حيّةً هو ما يجعل الأثرَ مرئيّا؛
  2. الشّخصيّةُ المحوريّةُ يجب أن تحمل الصّراع: والصّراعُ هنا داخليّ (أهو كابوسٌ أم يقظة؟)، ولا يُحمَل إلّا بشخصيّةٍ باقية؛
  3. البقاءُ أقسى من الموت: وهذا هو المعنى الّذي يريده الكاتب — لم يقتلها القصف، بل تركها تدور في المدينة تبحث عن باب.
⭐ وهو ما يلخّصه «أجمل القول» في عبارةٍ واحدة: الخرابُ يعود «على أضعف المخلوقات: موتُ الأطفال وجنونُ الأمّ». فالجنونُ هنا وُضِع في مرتبة الموت، لا دونَه.
هل نجح الكاتبُ في بناء الموقف الدّراميّ من خلال معجمه اللّغويّ؟ علّلْ ذلك.

نعم، نجح الكاتبُ في بناء الموقف الدّراميّ من خلال معجمه اللّغويّ، فالكلماتُ الّتي وظّفها تبرز المعاناةَ والدّمارَ والخراب.

والشّواهدُ من النّصّ:
  • بكاء؛
  • صفيرُ سيّارات الإسعاف والإطفاء؛
  • ممزّقةُ الثّياب؛
  • فقدتْ كذا وكذا.
⚖️ ولاحظْ أنّ آخرَ شاهدٍ ليس معجمَ حزنٍ بل معجمَ عَدّ: فقدت كذا وكذا من أفراد أسرتها. الرّجلُ لا يذكر عددا لأنّ العددَ لم يعد يُحصى — وهذا أبلغُ من أيّ رقم.
هل ترى أنّ الكاتبَ اعتمد قانونَ الوحدات الثّلاث الأرسطيّ في بناء العمل المسرحيّ؟ علّلْ.
💡 هذا سؤالُ تطبيقِ قاعدةٍ معلومةٍ على نصٍّ معلوم: امتحنِ الوحداتِ الثّلاثَ واحدةً واحدةً على النّصّ، ولا تحكمْ قبل أن تُتِمَّ الامتحان.
الامتحانُ، وحدةً وحدةً:
  1. وحدةُ الزّمان — محفوظة: كلُّ الأحداث تقع في ظهيرة يومٍ واحد، والحوارُ نفسُه يقيس الوقت: «فالظّهيرةُ لم تحلَّ بعد» ← «ربّما تكون قد حلّت الآن» ← «لكنّها الظّهيرة»؛
  2. وحدةُ الحدث — محفوظة: حدثٌ واحدٌ لا فرعَ له، هو القصفُ وأثرُه في الأمّ؛ ولا حكايةَ ثانويّةً تجري إلى جانبه؛
  3. وحدةُ المكان — مكسورة: يبدأ النّصُّ في صالة البيت، ثمّ ينتقل إلى المدينة والمقهى حيث الرّجلان.
⟸ الحكم: اعتمد الكاتبُ وحدتَي الزّمان والحدث، وخرج على وحدة المكان. وهذا الخروجُ ليس سهوا: لو بقيت الأمُّ في بيتها لبقيت مأساتُها خاصّة؛ وإخراجُها إلى الشّارع هو ما جعل الجوابَ على السّؤال السّابق ممكنا — أنّها مأساةٌ جماعيّة.
تحوّلت المسرحيّةُ إلى نقاشٍ فلسفيٍّ وجوديٍّ في آخر مشهدٍ لها. هل تراه يخدم البناءَ الدّراميَّ أو أنّ الكاتبَ أقحمه إقحاما؟ علّلْ.
⛔ هذا حكمُ قيمة، ولا يُملى عليك: لا توجد قاعدةٌ تقول إنّ مشهدا «يخدم» أو «أُقحم». المطلوب أن تبنيَ حكمَك وتدافع عنه. وهذه طريقُ البناء، لا الجواب.
ابنِ حكمَك في أربع خطوات:
  1. حدّدِ المقطعَ بالضّبط: هو حوارُ رجلَي المقهى — «ما يدريك أنت ما الجنون»، «إنّها تتفادى جنونَها فقط بالبحث عن باب»، «لقد انتهيتَ تماما»، «كما انتهى كأيّ غيرك»؛
  2. اسألْ سؤالَ الحذف: احذفْ هذا المشهدَ ذهنيّا، ثمّ اقرأِ النّصَّ من جديد. ماذا يخسر النّصُّ؟ وماذا يربح؟ إن خسِر شيئا لا يُعوَّض فالمشهد خادم؛ وإن استقام من دونه فهو زائد. هذا هو الميزانُ، وهو يعمل في كلّ نصّ؛
  3. زِنِ الحجّةَ المقابلة: من يقول «أُقحم» يحتجّ بأنّ لغةَ الرّجلين تجريديّةٌ فلسفيّة تخالف لغةَ الأمّ البسيطة. ومن يقول «يخدم» يحتجّ بأنّ النّظرةَ من الخارج هي وحدها الّتي تكمل المأساة، وبأنّ آخرَ جملةٍ («انتهيتُ… كما انتهى كأيّ غيرك») تعمّم مصيرَ الأمّ على الجميع. اذكرِ الحجّتين معا ثمّ رجّحْ؛
  4. احكمْ بشرط: قلْ «أراه يخدم البناءَ لأنّه…» أو «أراه إقحاما لأنّه…». الحكمُ بلا «لأنّ» ليس رأيا، بل ذوقا.
ما دلالةُ عدم اكتراث روّاد المقهى بما وقع؟
اجمعْ شواهدَ اللّامبالاة من النّصّ أوّلا:
  1. المارّةُ «يحملون موتاهم في عربات غيرَ مبالين بها»؛
  2. الرّجلان يواصلان لعبَ الدّومينو والمدينةُ تحترق: «الْعَبْ»، «اِسحبْ كلَّ ما على الطّاولة وابدإِ العدَّ… كم كسبتَ؟»؛
  3. وأحدُهما يختصر الحياةَ كلَّها في جملة: «حربٌ ومجانين، حربٌ ومجانين» — كأنّها فصلان لا ثالثَ لهما.
⟸ الدّلالة: تبلُّدُ الإحساس، وتحوّلُ الحرب إلى عادةٍ يوميّة. حين يصير الموتُ مشهدا مألوفا يتوقّف النّاسُ عن رؤيته، ويصير العَدُّ في لعبة الدّومينو أهمَّ من عدّ الموتى. وهذه — من جهة الكاتب — إدانةٌ ثانيةٌ للحرب: هي لا تقتل الأحياءَ فحسب، بل تقتل فيهم القدرةَ على الحزن.
⚖️ ولهذا كان تشخيصُ رجل 1 مقلوبا عن ظاهره: الأمُّ ليست المجنونةَ في هذا المشهد؛ هي الوحيدةُ الّتي ما زالت تُدهَش. ومن لا يُدهشه أن يُحمَل الموتى في عربات أمامَه، هو الّذي فقد شيئا.

🧱أحدّد بناء النّصّ

يعتمد العملُ المسرحيُّ على النّمط الحواريّ عمودا وهيكلا للمسرحيّة. بيّنْ خصائصَه في هذا النّصّ من حيث: ملاءمتُه للشّخصيّة، قدرتُه على رسم ملامحها، مساهمتُه في التّطوّر الدّراميّ.

نمطُ النّصّ هو النّمطُ الحواريُّ، وهو عمودُ المسرحيّة. ومن خصائصه في هذا النّصّ:

① ملاءمتُه للشّخصيّة
  • كلُّ شخصيّةٍ تتكلّم اللّغةَ الّتي تناسبها؛
  • من ذلك مثلا كلامُ الأمّ عن الأطفال: لغةٌ حانيةٌ مليئةٌ بالتّفاصيل الصّغيرة («شُعيراتٌ ناعمةٌ أخذت تشقُّ طريقَها على ذقن عليّ») — وهي لغةُ أمٍّ لا لغةُ راوٍ؛
  • في مقابل لغة رجلَي المقهى: قصيرةٌ ساخرةٌ مقتضبة («دعونا منها»، «الْعَبْ»).
② قدرتُه على رسم ملامح الشّخصيّة
  • أي أنّ الحوارَ يجسّد ملامحَ الشّخصيّة نفسيّا وجسمانيّا؛
  • من ذلك مثلا الحوارُ الّذي دار بين الرّجلين، وقد صوّر به الكاتبُ مأساةَ الأمّ من جرّاء القصف — فعرفنا حالَها من كلام غيرها عنها.
③ مساهمتُه في التّطوّر الدّراميّ
  • الحوارُ هو الّذي يقيس الوقتَ ويقود إلى الذّروة: «فالظّهيرةُ لم تحلَّ بعد» ← «ربّما تكون قد حلّت الآن» ← «لكنّها الظّهيرة»؛
  • وهو الّذي يمهّد للقصف قبل وقوعه: «لقد خبّرونا القصفَ لن يخطئَنا اليوم».
ما الّذي أضفاه الحوارُ في آخر مشهدٍ من المسرحيّة؟
أضفى ثلاثةَ أشياءَ لم يكن للنّصّ سبيلٌ إليها من داخل البيت:
  1. تغييرَ زاوية النّظر: كنّا نرى الأمَّ من داخلها، فصرنا نراها بعيون النّاس — «أظنّ أنّني أعرف هذه المجنونة»؛
  2. تسميةَ ما جرى: هي لم تستطع تسميةَ ما رأت («أيُّ كابوس؟»)، والرّجلُ يسمّيه لنا: «لقد فقدت كذا وكذا من أفراد أسرتها»؛
  3. تعميمَ المصير: الجملةُ الأخيرة «لقد انتهيتُ، كما انتهى كأيّ غيرك» تُخرِج الكلامَ من طاولة الدّومينو إلى النّاس جميعا.
تخلّلتِ المسرحيّةَ بعضُ المقاطع السّرديّة والوصفيّة. هل تراها جزءا من العمل المسرحيّ؟ ولماذا؟

نعم، هذه المقاطعُ جزءٌ من العمل المسرحيّ، وقد ساهمت في بنائه.

ولماذا؟ لأنّها تؤدّي ثلاثَ وظائفَ لا يؤدّيها الحوار:
  1. تُبرِز الشّخصيّات: «مُشَعَّثةً ممزّقةَ الثّياب»؛
  2. تُبرِز البيئةَ المكانيّةَ والزّمانيّة: «صالةُ بيتٍ عراقيّ… شبّاكٌ يطلُّ على الحديقة»؛
  3. تسرد الأحداث: «يرتفع صوتُ مطرقةٍ كبيرةٍ تضرب سندانا، تستيقظ الأمُّ وسط الخراب».
⭐ وهذه المقاطعُ تُسمّى في المسرح الإرشاداتِ المسرحيّة. وأخطرُها في هذا النّصّ هي الّتي تروي القصفَ نفسَه: لاحظْ أنّ الانفجارَ — وهو حدثُ المسرحيّة كلِّها — لم يُعرَض على الخشبة، بل وصلَنا صوتا في إرشادٍ بين قوسين. والمسرحُ فنُّ الخشبة: ما لا يُعرَض عليها يُسمَع.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

لقد حافظ الكاتبُ على النّسق المسرحيّ ممّا جعل الأحداثَ منسجمة. فهل اعتمد من أجل ذلك على بناء الشّخصيّة المحوريّة بناءً تطوّريّا متناميا أم على بناء الأحداث؟ علّلْ بشواهدَ من النّصّ.

اعتمد الكاتبُ في تقديم الأحداث على الشّخصيّة المحوريّة «الأمّ» بناءً تطوّريّا متناميا مع بناء الأحداث معا؛ إذ إنّ شخصيّةَ الأمّ هي المسيطرةُ من البداية إلى النّهاية، كما أنّ الأحداثَ جاءت مرتّبةً ترتيبا محكما.

شواهدُ سيطرة الشّخصيّة:
  • الأمُّ حاضرةٌ في كلّ مشهد: في الصّالة، وفي الشّارع، وفي كلام الرّجلين عنها وهي غائبة؛
  • أطولُ الرّدود في النّصّ كلُّها لها، وحتّى المشهدُ الأخير الّذي لا تتكلّم فيه — موضوعُه هي.
شواهدُ إحكام ترتيب الأحداث:
  • زيارةٌ ← حوارٌ ← نومٌ ← قصفٌ ← استيقاظٌ ← دورانٌ في المدينة: سلسلةٌ لا يمكن تقديمُ حلقةٍ فيها على أخرى؛
  • والحوارُ يمهّد للقصف قبل وقوعه بجملةٍ صريحة: «لقد خبّرونا القصفَ لن يخطئَنا اليوم».
⚖️ ⟸ الجوابُ الدّقيق ليس «هذا أو ذاك»، بل الاثنان مشدودان أحدُهما إلى الآخر: الأحداثُ لا تُروى لذاتها، بل بقدر ما تُحدِث تغيّرا في الأمّ. ولهذا لم تُعرَض معركةٌ ولا ذُكِر جيشٌ: ما لا يمرّ على الأمّ لا يدخل النّصّ.
هل ترى أنّ حادثَ الانفجار من جرّاء القصف جاء خادما لهذا البناء الدّراميّ، أم هو حدثٌ طارئٌ مفاجئٌ كسر هذا البناء؟ فكيف ساهم فيه؟

ساهم حادثُ الانفجار في الوصول بالموقف الدّراميّ إلى الذّروة، فقد جسّد لنا الخرابَ والفناءَ والعدمَ، وكذلك مأساةَ الإنسان جرّاء الحروب.

⭐ وهو خادمٌ للبناء لا كاسرٌ له، والدّليلُ في النّصّ: الكاتبُ مهّد له صراحةً قبل وقوعه بجملة الضّيفة: «اليومَ أيضا هناك توتّرٌ والجميعُ يترقّب. لقد خبّرونا القصفَ لن يخطئَنا اليوم». ⟸ الحدثُ منتظَرٌ في النّصّ ومفاجئٌ للأمّ وحدَها — وهذا بالضّبط تعريفُ الحدث الدّراميّ المُحكَم: يفاجئ الشّخصيّةَ ولا يفاجئ البناء.
⚖️ ولو كان طارئا لَما وجدْتَ له تمهيدا، ولَما وجدْتَ ثلاثَ صورٍ على الجدار تنتظر رابعةً منذ السّطر الأوّل.
لقد ساهم الحوارُ في البناء الدّراميّ المتناسق. وضّحْ ذلك من خلال العلاقة العضويّة بين النّصوص الحواريّة المتبادلة (السّؤال والجواب، ردود الأفعال)، وأدوات الرّبط وأدوات الاستفهام والجواب.
① السّؤالُ والجواب — كلُّ ردٍّ مشدودٌ إلى ما قبله:
  • «هذه صورُ الغائبين؟» ← «نعم إنّها صورُ الأحباب الرّاحلين»: سؤالٌ يستدعي جوابا يفتح تاريخَ البيت كلَّه؛
  • «فالظّهيرةُ لم تحلَّ بعد» ← «ربّما تكون قد حلّت الآن» ← «لا، ما زال هناك بعضُ الوقت»: ثلاثُ ردودٍ متعاقبةٍ على معنًى واحد، تصنع تصاعدا لا تكرارا.
② ردودُ الأفعال — الحوارُ يتقدّم بالمخالفة:
  • «يكبرون فجأةً ليصبحوا رجالا» ← «لن أسمح لهذا أن يحدث»؛
  • «لا يمكن لأحدٍ أن ينام اليوم» ← «ما زال الوقتُ مُبَكِّرا»؛
  • ⟸ الضّيفةُ تدفع نحو الواقع، والأمُّ تدفع نحو الأمل: هذا الشّدُّ المتقابل هو ما يبقي المشهدَ حيّا حتّى القصف.
③ أدواتُ الرّبط والاستفهام والجواب:
  1. أدوات الرّبط: «فـ» و«لكنّ» و«رغم أنّ» و«مهما كان الأمر» — تحمل منطقَ الحوار («مهما كان الأمر، لقد تعوّدنا التّوتّرات»: تسليمٌ ومقاومةٌ في جملة واحدة)؛
  2. أدوات الاستفهام: «هذه صورُ الغائبين؟»، «في أيِّ كابوسٍ أنا؟»، «من أيِّ بابٍ يمكنني الخروجُ؟»، «كم كسبتَ؟» — ولاحظْ أنّ استفهامَ الأمّ بعد القصف كلَّه بلا جواب: هذا انقطاعُ الحوار، وهو علامةُ العالم الّذي انهار؛
  3. أدوات الجواب: «نعم» و«لا» — وهي تفتتح أخطرَ ردّين في النّصّ: «نعم إنّها صورُ الأحباب الرّاحلين» و«لا، إنّها ليست مجنونة».
⟸ العلاقةُ العضويّة تعني هذا بالضّبط: لا تستطيع أن تحذف ردّا واحدا دون أن يسقط الّذي بعده. جرّبْ: احذفْ «لقد خبّرونا القصفَ لن يخطئَنا اليوم» — فيصير القصفُ صدفة، ويسقط البناءُ كلُّه.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

يعرض علينا الكاتبُ مشهدا مسرحيّا دراميّا يعبّر عن موقفه المستنكِر للحرب والصّراع المسلّح الّذي يعود بالخراب على أضعف المخلوقات (موتُ الأطفال وجنونُ الأمّ)، وقد صوّر لنا هذه المأساةَ في أبشع صورها وأعلى درجات المأساة الدّراميّة حين يجعل من الموت والقصف والدّمار جزءا من يوميّات الإنسان وشيئا مألوفا لديه، وقد بنى الكاتبُ الشّخصيّةَ الدّراميّةَ بناءً ناميا ينتقل شيئا فشيئا من النّقيض إلى النّقيض بفعل قنبلةٍ واحدةٍ تدمّر كلَّ الحياة وتقضي على المستقبل، في لغةٍ بسيطةٍ وحوارٍ مبنيٍّ بناءً محكما.

⭐ اقرأْ هذه الفقرةَ مرّتين: هي نموذجُ ما يُطلَب منك في «أجمل القول» — لا قائمةَ خصائصَ، بل حكمٌ في فقرةٍ واحدة يجمع الموضوعَ (استنكارُ الحرب)، والبناءَ (نموٌّ من النّقيض إلى النّقيض)، واللّغةَ (بساطةٌ وإحكام). وكلُّ دعوى فيها مسنودةٌ: «أضعفُ المخلوقات» يسندها موتُ الأطفال، و«مألوفا لديه» يسنده روّادُ المقهى.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — في مجال قواعد اللّغة (أ): كم، كأيّن، كذا

هل تعرف كيف تُستعمَل «كم» و«كأيّن» وكذا؟ ومتى تستعملها؟ تأمّلْ هذه الجملَ، وكلُّها من النّصّ الّذي بين يديك:

الجملُ الآتية:
  1. كم يكون الأطفالُ مزعجين عندما يلعبون!
  2. كم كسبتَ؟
  3. لقد فقدت كذا وكذا.
  4. … كما انتهى كأيّ غيرك.
⭐ ولماذا كلُّ الأمثلة من المسرحيّة؟ لأنّ القاعدةَ ليست درسا مستقلّا يُحفَظ، بل أثرا من آثار النّصّ: الكاتبُ استعمل هذه الأدواتِ لأنّه احتاج إليها — «كم يكون الأطفالُ مزعجين عندما يلعبون!» تعجّبٌ، و«كم كسبتَ؟» سؤالُ لاعبٍ عن الرّبح، وفقدت كذا وكذا إبهامٌ مقصودٌ لعددٍ لا يُحصى.
القاعدة — نلاحظ أنّ «كم» قد أفادت الخبرَ ويُكنّى بها عن العدد الكثير (تفيد الكثرة)، كما قد تعني الاستفهامَ (اسمُ استفهامٍ يكون إعرابُه حسب موقعه من الجملة). أمّا كذا فتفيد الكنايةَ عن العدد إذا كانت مكرّرةً؛ أمّا إذا كانت الكافُ داخلةً على «ذا» اسمِ الإشارة فهي أداةُ تشبيه، لا كناية. وأمّا «كأيّن» فهي أيضا كنايةٌ عن العدد.
⚠️ انتبهْ إلى رسم الكلمة: تُكتب «كأيّن» و«كأيّ»، وهما وجهان لكلمةٍ واحدة. منهاجُك ومصادرُك يستعملان الوجهين معا: المسرحيّةُ تقول «كما انتهى كأيّ غيرك»، والقرآنُ الكريم يقول ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾. فلا يربكْك اختلافُ الرّسم — المعنى واحد: الكنايةُ عن الكثرة.
ما نوعُ «كم» في قول الضّيفة: «كم يكون الأطفالُ مزعجين عندما يلعبون!»؟

خبريّةٌ، تفيد الكثرةَ مع معنى التّعجّب.

والدّليلُ ثلاثةُ أمور تُطبَّق على كلّ «كم»:
  1. لا يُنتظَر بعدها جواب: الضّيفةُ لا تسأل عن عدد؛
  2. تصلح مكانَها كلمةُ «كثيرا»: «كثيرا ما يكون الأطفالُ مزعجين»؛
  3. تختم بعلامة تعجّبٍ لا استفهام في النّصّ نفسِه.
ما نوعُ «كم» في قول رجل 2: «كم كسبتَ؟»؟

استفهاميّةٌ: يطلب بها المتكلّمُ تعيينَ عددٍ مجهول.

⚖️ وهنا مقياسٌ لا يخطئ: الجوابُ منتظَر. رجل 2 ينتظر رقما من صاحبه. و«كم» الاستفهاميّةُ اسمٌ يُعرَب حسب موقعه من الجملة — وهي هنا مفعولٌ به مقدَّم للفعل «كسبَ».
ما المعنى المستفاد من كذا في قول الرّجل: لقد فقدت كذا وكذا من أفراد أسرتها؟

كنايةٌ عن العدد، لأنّها جاءت مكرّرة.

⭐ ولاحظْ أثرَها في المعنى: الرّجلُ يستطيع أن يذكر العدد، لكنّه يُبهمه. والإبهامُ هنا أبلغُ من التّعيين، لأنّه يوحي بأنّ الفقدَ تجاوز الإحصاء. ⟸ القاعدةُ النّحويّةُ خدمت المعنى الدّراميّ.
ما المعنى المستفاد من «كأيّ» في قول رجل 1: «كما انتهى كأيّ غيرك»؟

كنايةٌ عن العدد أيضا، أي: كما انتهى كثيرٌ من غيرك.

⚖️ وهي آخرُ كلمةٍ في النّصّ تقريبا، وليست عابرة: بها يُعمَّم مصيرُ الأمّ على النّاس جميعا. فالكنايةُ عن العدد صارت هنا خاتمةَ المسرحيّة ومغزاها.
📝 تطبيق — بيّنِ المعنى المستفاد من «كم» وكذا و«كأيّن» في الشّواهد الآتية. أجبْ في ورقتك أوّلا، ثمّ افتحْ.
شاهدٌ شعريّ ⁦(1)⁩
الصّدرالعجز
فكم نُزهةٍ فيك للحاضرينوكم راحةٍ فيك للأنفسِ
شاهدٌ شعريّ ⁦(2)⁩
الصّدرالعجز
كم بِجَوْدٍ مُقْرِفٍ نالَ العُلاوكريمٍ بُخْلُهُ قد وَضَعَهْ
شاهدٌ شعريّ ⁦(3)⁩
الصّدرالعجز
عُدَّ النّفسَ نُعمى بعدَ بؤساكَ ذاكراكذا وكذا لطفا بهِ نُسِيَ الجَهْدُ
شاهدٌ شعريّ ⁦(4)⁩ — زياد الأعجم
الصّدرالعجز
وكأيّنْ ترى من صامتٍ لك مُعجِبٍزيادتُهُ أو نقصُهُ في التّكلُّمِ
والشّواهدُ النّثريّةُ والقرآنيّة:
  1. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ — العنكبوت: 60؛
  2. قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ — المؤمنون: 112؛
  3. قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ — البقرة: 211؛
  4. قال ابن باديس: «أيّتها الحرّيّةُ المحبوبة…. كم نصبوا لك التّماثيلَ في الأرض..».
الجوابُ الكاملُ للتّطبيق — قابلْ به إجابتَك
① ما هو خبريٌّ (كنايةٌ عن الكثرة، لا يُنتظَر بعده جواب):
  • «فكم نُزهةٍ»: خبريّة؛
  • «كم بِجَوْدٍ»: خبريّة؛
  • «كم نصبوا لك التّماثيل» (ابن باديس): خبريّة.
② ما هو استفهاميٌّ (يُطلَب به تعيينُ عددٍ، والجوابُ منتظَر):
  • ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: استفهاميّة؛
  • ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾: استفهاميّة.
③ ما هو كنايةٌ عن العدد بـ«كأيّن» أو كذا:
  • ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾: كنايةٌ عن عدد؛
  • «وكأيّنْ ترى من صامتٍ»: كنايةٌ عن عدد؛
  • كذا وكذا لطفا: كنايةٌ عن عدد (لأنّها مكرّرة).
⚖️ الطّريقةُ الّتي تُغنيك عن الحفظ — اسألْ سؤالين بالتّرتيب: ① هل يُنتظَر بعد الأداة جوابٌ برقم؟ إن نعم فهي استفهاميّة. ② إن لا، فهل يصلح مكانَها «كثير»؟ إن نعم فهي خبريّةٌ أو كنايةٌ عن عدد — و«كأيّن» وكذا المكرّرةُ لا تكونان إلّا كنايةً. ⛔ ولا تعتمدْ على علامة الاستفهام: ﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم﴾ استفهاميّةٌ بلا علامة.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — في مجال قواعد اللّغة (ب): الفعل المتعدّي إلى أكثر من مفعول

لا شكّ أنّك تعرف أنّ الفعلَ إمّا لازمٌ وإمّا متعدٍّ، وتعرف أنّ الفعلَ المتعدّي يحتاج إلى مفعولٍ به لتكملة المعنى.. ولكنْ هل تعلم أنّ هناك أفعالا تحتاج — من أجل إتمام الفائدة — إلى أكثرَ من مفعول؟

الشّاهدُ من النّصّ

قالت الأمُّ عن أطفالها: «إنّهم نعمةٌ رزقَنيها اللهُ بعد وحدةٍ طالت بي»

لو سُئلتَ عن عناصر هذه الجملة أجبْتَ نفسَك بقولك:
  • رزقَ: فعلٌ ماضٍ؛
  • الياء: ضميرٌ متّصلٌ في محلّ نصبٍ مفعولٌ به مقدَّمٌ أوّل؛
  • ها: ضميرٌ متّصلٌ في محلّ نصبٍ مفعولٌ به مقدَّمٌ ثانٍ؛
  • اللهُ: اسمُ الجلالة فاعل.
⭐ فعلٌ واحدٌ، وثلاثةُ ضمائرَ وأسماء: هذا هو المعنى العمليُّ لـ«التّعدّي إلى أكثرَ من مفعول». ولاحظْ أنّ الفاعلَ تأخّر عن المفعولين، وهذا جائزٌ ولا يغيّر الإعراب.
القاعدة — الأفعالُ المتعدّيةُ إلى أكثرَ من مفعول قسمان: ① أفعالٌ تتعدّى إلى مفعولين، وهي نوعان: ما كان أصلُ مفعوليها مبتدأً وخبرا، وما ليس أصلُهما مبتدأً وخبرا. ② أفعالٌ تتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل (بشرط أن يكون المفعولُ الثّاني والثّالثُ مبتدأً وخبرا في الأصل).
① أ — المتعدّي إلى مفعولين أصلُهما مبتدأٌ وخبر، وهي ثلاث مجموعات:
  1. أفعالُ الظّنّ — وهي الّتي تفيد رجحانَ وقوع شيء، منها: ظنَّ · خالَ · حسِبَ · جعَلَ · حَجا · عدَّ · زعَمَ · هَبْ (بمعنى افرِضْ)؛
  2. أفعالُ اليقين — وهي الدّالّةُ على الاعتقاد الجازم، منها: رَأى · عَلِمَ · دَرَى · تَعَلَّمْ (بمعنى اعلَمْ) · وَجَدَ · أَلْفَى؛
  3. أفعالُ التّحويل — وهي الّتي بمعنى صَيَّرَ، منها: صَيَّرَ · رَدَّ · تَرَكَ · تَخِذَ واتَّخَذَ · جَعَلَ.
① ب — المتعدّي إلى مفعولين ليس أصلُهما مبتدأً وخبرا، منها:
  • مَنَحَ · وَهَبَ · أَعْطَى · كَسا · سَأَلَ · أَلْبَسَ · مَنَعَ · رَزَقَ · سَقى · عَلَّمَ.
② المتعدّي إلى ثلاثة مفاعيل، منها:
  • أَرَى · أَنْبَأَ · أَعْلَمَ · أَخْبَرَ · خَبَّرَ.
شاهدُ الثّلاثة مفاعيل — من القرآن الكريم

قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ — البقرة: 167

فالفعلُ «يُري» نصَبَ ثلاثةَ مفاعيل:
  • (هم): مفعولٌ به أوّل؛
  • (أعمالَ): مفعولٌ به ثانٍ؛
  • (حسراتٍ): مفعولٌ به ثالث.
لماذا اشترطتِ القاعدةُ في أفعال الثّلاثة مفاعيلَ أن يكون الثّاني والثّالث مبتدأً وخبرا في الأصل؟

لأنّ هذه الأفعالَ في أصلها أفعالُ إعلامٍ: أنت تُعلِم شخصا بـخبرٍ. فالمفعولُ الأوّلُ هو مَن أُعلِم، والمفعولان الثّاني والثّالثُ هما الخبرُ نفسُه.

جرّبْ ذلك على الشّاهد:
  1. احذفِ المفعولَ الأوّلَ (هم) من ﴿يُريهم اللهُ أعمالَهم حسراتٍ﴾؛
  2. يبقى: «أعمالُهم حسراتٌ» — وهي جملةٌ اسميّةٌ تامّة: مبتدأٌ وخبر؛
  3. ⟸ فالفعلُ لم يفعلْ إلّا أن أدخل شاهدا على جملةٍ كانت قائمةً بنفسها.
⭐ وهذا هو الاختبارُ العمليُّ الّذي يميّز فعلَ الثّلاثة من فعل المفعولين: احذفِ المفعولَ الأوّل؛ فإن بقي بعده كلامٌ مفيدٌ (مبتدأٌ وخبر) فهو من أفعال الإعلام. ⛔ جرّبْه على «رزقَنيها» ولن يستقيم: «رزقَها اللهُ» ليست مبتدأً وخبرا — ولذلك كان رزَقَ من القسم ① ب لا من القسم ②.
تطبيق: عيّنِ الفعلَ المتعدّي ومفعولَيه في قول الأمّ: «إنّني أراقبهم كلَّ ليلةٍ وألاحق التّغيّرات» — ثمّ قلْ: هل «أراقب» من الأفعال المتعدّية إلى مفعولين؟
الإعراب:
  • أراقب: فعلٌ مضارع، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ تقديره «أنا»؛ (هم) ضميرٌ متّصلٌ في محلّ نصبٍ مفعولٌ به، وهو واحدٌ لا غير؛
  • ألاحق: فعلٌ مضارع؛ التّغيّراتِ مفعولٌ به منصوبٌ وعلامةُ نصبه الكسرةُ نيابةً عن الفتحة لأنّه جمعُ مؤنّثٍ سالم.
⟸ لا، «راقَبَ» و«لاحَقَ» فعلان متعدّيان إلى مفعولٍ واحد. ⛔ والدّرسُ هنا مهمّ: كثرةُ الضّمائر المتّصلة ليست دليلا على تعدّي الفعل إلى أكثرَ من مفعول — المقياسُ هو أن يبقى المعنى ناقصا بمفعولٍ واحد. قلْ «راقبتُهم» فيتمّ الكلام؛ وقلْ «رزقنيها» بحذف «ها» — «رزقني» — فيبقى السّؤالُ معلّقا: رزقك ماذا؟
تطبيق: حوّلِ الجملةَ الآتيةَ إلى جملةٍ فعلُها متعدٍّ إلى مفعولين أصلُهما مبتدأٌ وخبر: «الأطفالُ نعمةٌ».
الطّريقةُ في خطوتين:
  1. ابحثْ عن فعلٍ من أفعال الظّنّ أو اليقين أو التّحويل؛
  2. أدخلْه على الجملة الاسميّة، فينصب المبتدأَ مفعولا أوّل والخبرَ مفعولا ثانيا.
أمثلةٌ صحيحة:
  • علِمتِ الأمُّ الأطفالَ نعمةً (من أفعال اليقين)؛
  • ظنّتِ الضّيفةُ الأطفالَ مزعجين (من أفعال الظّنّ) — وهي قريبةٌ من روح النّصّ؛
  • صيّرتِ الحربُ البيتَ خرابا (من أفعال التّحويل).
⚖️ ولاحظْ في المثال الأخير كيف تتحوّل القاعدةُ إلى معنى: أفعالُ التّحويل هي أفعالُ هذه المسرحيّة بالذّات — صيّرت، ردّت، تركت. فالنّصُّ كلُّه فعلُ تحويلٍ واحد: قنبلةٌ صيّرت الأمَّ مجنونةً.

الصفحة 1/8

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net