اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 4 النزعة الإنسانية في الشعر المهجري

ثقافة أخرى

🔊 المعلّمة تقرأ لك

📜النّصّ

«ثقافة أخرى» — لـزكي نجيب محمود، من كتابه ثقافتنا في مواجهة العصر. الكاتبُ جالسٌ في مدينةٍ إنجليزيّة، وفي يده صحيفةٌ يوميّةٌ واحدة، فيقرأ فيها ثلاثةَ أخبار، ويسأل نفسَه سؤالا واحدا: ما الّذي يجعل ثقافةً غيرَ ثقافة؟
سؤال الدّخول: هل تُقاس ثقافةُ أمّةٍ بميزانٍ واحدٍ يصلح للنّاس جميعا، أم لكلِّ ثقافةٍ ميزانُها؟ اقرأِ النّصَّ باحثا عن جواب الكاتب — ولا تُصدرْ حكمَك قبل الفقرة الأخيرة.

كم هي الأعوامُ الّتي انقضت منذ جلستُ آخرَ مرّةٍ، هنا، في مدينة «توركي» على الشّاطئ الجنوبيّ من أنجلترا، وهي مدينةٌ ترقد بين البحر والجبل، وتنبت منازلُها على السّفوح الخضراء بالعشب والشّجر، حتّى لكأنّها زهراتٌ أخرجتها الطّبيعةُ بيضاءَ وحمراء، فكلُّ شيءٍ هنا متّسقٌ مع كلّ شيء، فلا السّماءُ ارتفعت وحدَها، ولا البحرُ انعزل، ولا استقلَّ بكيانه الخاصّ جبلٌ، أو شجرٌ، أو طيرٌ، أو حيوانٌ، أو منازلُ، أو إنسان؟!!

أطلْتُ الجلوسَ ما أسعفتني ظروفُ السّاعة أن تُطيل… والبصرُ زائغٌ هنا وهناك، يبحث في النّاس عن الظّواهر الّتي يمكن أن تُتَّخذ علاماتٍ مميّزةً لما نسمّيه بثقافة «الغرب» الحديث… وعندئذٍ خطرت لي خاطرةٌ، في أن أعيد النّظر في الصّحيفة اليوميّة الّتي طويتُها في يدي، لأرى «الغرب» على صفحاتها، فماذا فيها من صورٍ لا تحدث إلّا هنا؟

وأخذتُ أُقلّب الصّفحات، فإذا بالصّور تتزاحم في كثرةٍ لم أتوقّعها… وهاكَ بعضَ ما وجدتُه من صور الحياة في الغرب الحديث، مأخوذا من صحيفةٍ واحدةٍ في يومٍ واحد:

كنّا قد شاهدنا ليلةَ أمسٍ برنامجا في التّلفزيون، يصوّر للنّاس قصّةً غريبةً لسيّدةٍ في السّتّين من عمرها، أخذت تُغري أمَّها الّتي أوشكت على التّسعين، والّتي سكنت غرفةً في أحد بيوت العجائز الكثيرة الّتي أُعدّت لمن تقدّمت بهم السّنُّ، ولحقهم مرضُ الشّيخوخة دون أن يكون إلى جوارهم من يعينونهم على الحياة. أقول إنّ السّيّدةَ الابنةَ أخذت تُغري أمَّها تلك بالانتحار حتّى زيّنته لها، فأحضرت لها في زيارتها الأخيرة أقراصا مخدّرةً لتضعها في شرابها حتّى ينسدل على حياتها ستارُ الموت. وكانت الشّرطةُ قد علمت بالجهود الّتي تبذلها الابنةُ في إقناع أمّها بأن تنزع حياةَ نفسها بيديها، ولقد جاء النّبأُ إلى الشّرطة عن طريق أختٍ لها، فترصّدت الشّرطةُ للسّيّدة، ووضعت جهازا تلفزيونيّا مستورا يسجّل زياراتها لأمّها وما يدور بينهما من حديث، حتّى كانت تلك الزّيارةُ الأخيرة الّتي قدّمت فيها الابنةُ إلى أمّها أقراصَ التّخدير.

وقُبض على الجانية عند خروجها من غرفة أمّها — ولم تكن الأمُّ قد فقدت حياتها بعدُ — وقدّمتها الشّرطةُ إلى المحاكمة، وهمّت بالإنكار فصدموها بالشّريط التّلفزيونيّ الملوَّن بكلّ ما دار وحدث في غرفة الأمّ، وحُكم عليها بالسّجن لمدّة عامين.

رأينا القصّةَ كاملةً ليلةَ أمسٍ في التّلفزيون، وأصبحنا هذا الصّباح، فإذا بالصّحيفة اليوميّة الّتي في يدي تسجّل ردودَ فعلٍ غاضبةً من الجمهور، يحتجّ فيها النّاسُ عن نشر مثل هذه القصّة الموجعة، وكان الأساسُ فيما أرسله القرّاء إلى الصّحيفة هو «أخلاقيّة» هذا النّشر: هل يجوز خُلُقيّا أو لا يجوز؟ يقول أحدهم: إنّ السّيّدة الجانية قد حوكمت ونالت عقابَها، فلماذا تُحاكم مرّةً أخرى على الملأ؟ ويقول آخر: كيف يحقّ للتّلفزيون أن ينشر الشّريط الّذي سجّلته الشّرطةُ سرّا، دون أن يؤخذ رأيُ الجانية وذويها؟ ويقول ثالث: هل كان من حقّ الشّرطة بادئَ ذي بدءٍ أن تصوّر حياةَ النّاس على غفلةٍ منهم؟ وهكذا وهكذا.

تلك — إذنْ — هي شريحةٌ من حياة «الغرب» الحديث، ممّا أعتقد أنّه مستحيلُ الحدوث في حياتنا: فأوّلا يكاد يستحيل علينا أن نترك الأمَّ في عجز شيخوختها لتسكن غرفةً وحدَها في بيت العجائز، فما دام لها البناتُ، فلا بدّ لإحداهنّ أن ترعاها، مهما ثقُلت رعايتُها على أفراد أسرتها، لا سيّما والأمُّ برغم شيخوختها الضّعيفة لم يكن بها مرضٌ ظاهر، ولم تكن فقيرةً بحيث يعجز رعاتُها عن نفقاتها، بل كانت ذاتَ ثراءٍ ليس بالقليل.

لقد أنعم علينا اللهُ بثقافةٍ ترفض رفضا مثلَ هذا التّحجّر في القلوب، فالعلاقاتُ الرّابطةُ بين أفراد الأسرة عندنا توشك أن تكون أمرا مقدّسا لا تدنّسه أبالسةُ الشّرّ والطّمع إلّا في حدودٍ ضيّقةٍ يقتضيها ضعفُ الطّبيعة البشريّة آنا بعد آن؛ وأمّا من حيث «المبدأ» فنحن بحمد الله ننعم بالدّفء في علاقاتنا الأسريّة، وكأنّ كلّا منّا قد أَمِنَ الكوارثَ بفضل أفراد أسرته، الّذين قد يُظَنُّ بينهم التّباعد، ولكنْ ما أنْ تكرثَ أحدَهم الكارثةُ حتّى تراهم قد التفّوا حوله من حيث يدري ولا يدري.

وأعود إلى الصّحيفة اليوميّة في يدي، لأستعيد قصّةَ امرأةٍ خرجت من السّجن لتوّها بعد أن أمضت بين جدرانه أربعةَ أسابيع. لماذا؟ لأنّها نذرت حياتها للحيلولة بين الثّعالب وصائديها، فهاهنا ما زال صيدُ الثّعالب في الغابات هوايةً محبَّبةً للقادرين عليها، فقالت هذه المرأةُ لنفسها: كيف يجوز للإنسان مطاردةُ حيوانٍ ليلهوَ؟ أليست تلك الثّعالبُ كائناتٍ حيّةً أراد لها خالقُها أن تحيا؟ ومن هذه العقيدة عند المرأة، انطلقت لتُنفق جهودَها وأموالَها في معاكسة اللّاهين بمطاردة الحيوان وصيده، فرفع بعضُهم دعوى إلى المحاكم لما ناله من ضرر، وحكمت عليها المحكمةُ بالسّجن أربعةَ أسابيع، خرجت بعدها بالأمس، لتعلن في الصّحف أنْ لن تكفَّ عن الدّفاع عن الحياة في أيّة صورةٍ كانت، ولينلْها من عنت القضاء ما ينالها، ولم يفتْها أن تندّد بالعدالة في بلادها، إذا كان معناها قد انحدر في أذهان القائمين عليها إلى هذا المنحدر المشين.

وإذنْ فهذه شريحةٌ أخرى من حياة «الغرب»، فيها المثلُ الأعلى، وفيها الإصرارُ على الجهاد في سبيل ما يقيمه الإنسانُ لنفسه من نماذج المثل العليا. ولعلّ هذا الجانب من حياة «الغرب» تؤيّده قصّةٌ أخرى في هذه الصّحيفة اليوميّة نفسِها، عن امرأةٍ شابّةٍ تطلّعت إلى أن تجوب منطقةً صحراويّةً في قلب أستراليا، فذهبت وحدَها واستأجرت أربعةَ جِمال، وكان معها كلبُها، وظلّت تتحسّس طريقَها هناك أربعةَ أشهر، تكشف لنفسها الجديد، فما وهنت لها عزيمة، ولا أغراها شبابُها أن تحيا حياةَ المتعة في المدن، وبمثل هذه العزائم تُبنى الحضارات…

جمعتُ هذه الأشتاتَ بعضَها إلى بعض، وهي أشتاتٌ مأخوذةٌ من صحيفةٍ واحدةٍ في يومٍ واحد، فألفيتُها تصوّر مناخا ثقافيّا ليس بينه وبين مناخنا الثّقافيّ شبهٌ، لا من قريبٍ ولا من بعيد، فخرجتُ بنتيجةٍ مؤكّدة، وهي ضرورةُ أن يكون لكلّ ثقافةٍ قوميّةٍ معاييرُها الخاصّة، بالإضافة إلى المجال المشترك الّذي يجب أن يتّفق فيه النّاس جميعا، وأعني به مجالَ العلوم وأشباهها، ومن هذه وتلك تكون صورةُ العصر.

زكي نجيب محمود — ثقافتنا في مواجهة العصر

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة من النّصّ نفسِه. اقرأْ أوّلا وابحثْ، ثمّ افتحْ لتقابلَ ما وجدْتَ.
ما هي القضيّة الّتي يطرحها الكاتب؟ لخّصْ مضمونَها في بضع جمل.
القضيّة: قضيّةٌ فكريّة تتمثّل في ثقافة الغرب ومعاييرها، وهي ثقافةٌ مخالفةٌ لثقافتنا. ولاحظْ أنّ الكاتب لم يطرحها في صورة دعوى، بل في صورة سؤالٍ يبحث له عن علامات: «يبحث في النّاس عن الظّواهر الّتي يمكن أن تُتَّخذ علاماتٍ مميّزة».
    ومضمونُها ثلاثةُ أخبارٍ من صحيفةٍ واحدة:
    • ① إغراءُ بنتٍ لأمّها ذاتِ التّسعين بالانتحار وهي في دار العجزة، وقد أحضرت لها أثناء زيارتها أقراصا مخدّرةً لتضعها في شرابها — وحُكم عليها بالسّجن عامين؛
    • ② إصرارُ امرأةٍ على حماية الحيوان من خطر الإنسان، ببذل جهودها والإنفاق من أموالها، بالرّغم من أنّ ذلك كلّفها السّجن أربعةَ أسابيع؛
    • ③ امرأةٌ استأجرت أربعةَ جِمالٍ وجالت في أعماق صحراء أستراليا أربعةَ أشهر، لم يكن معها إلّا كلبُها، دون أن تملَّ أو تنقصَ عزيمتُها.
    • ⟸ ولاحظْ ترتيبَ الأخبار: خبرٌ يُنكِره الكاتب، ثمّ خبران يُعجَب بهما — فالنّصّ لا يُدين ثقافةً، بل يزنها بوجهيها.
    كيف نحكم على ثقافة أمّةٍ بالإيجاب أو بالسّلب في نظر الكاتب؟
    نحكم عليها بمدى موافقتها لمعاييرها الأخلاقيّة — أي بميزانها هي، لا بميزانٍ مستعار. والنّصّ يقيم على ذلك دليلين:
    • حين استنكر خبرَ الأمّ، لم يحتكم إلى قانونٍ عامّ، بل إلى ثقافتنا نحن: «لقد أنعم علينا اللهُ بثقافةٍ ترفض رفضا مثلَ هذا التّحجّر في القلوب»؛
    • وحين أُعجب بخبر المرأة والثّعالب، احتكم إلى معيارٍ قائمٍ في الغرب نفسِه: «فيها المثلُ الأعلى، وفيها الإصرارُ على الجهاد في سبيل… نماذج المثل العليا»؛
    • ⟸ فالحكمُ في الحالين داخليّ: كلُّ ثقافةٍ تُقاس بما ارتضته لنفسها من معايير.
    إلامَ توصّل الكاتب في عرضه لموضوعه؟
    توصّل إلى نتيجةٍ مؤكّدة يصرّح بها في الفقرة الأخيرة، وهي شقّان لا شقٌّ واحد:
    • الشّقّ الأوّل: ضرورةُ أن يكون لكلّ ثقافةٍ قوميّةٍ معاييرُها الخاصّة؛
    • الشّقّ الثّاني: وأن يبقى إلى جانبها مجالٌ مشترك يتّفق فيه النّاس جميعا، «وأعني به مجالَ العلوم وأشباهها»؛
    • «ومن هذه وتلك تكون صورةُ العصر» — أي إنّ العصر لا يقوم بالخصوصيّة وحدَها، ولا بالمشترك وحدَه.
    • ⚖️ واحذرْ أن تنقل الشّقَّ الأوّلَ وتنسى الثّاني: من فعل ذلك جعل الكاتبَ داعيةَ انغلاق، وهو لم يقلْ ذلك.
    علامَ اعتمد في حكمه؟
    اعتمد على أشتاتِ الأخبار المتفرّقة الّتي جمعها من الصّحف اليوميّة:
    • «وهاكَ بعضَ ما وجدتُه من صور الحياة في الغرب الحديث، مأخوذا من صحيفةٍ واحدةٍ في يومٍ واحد»؛
    • «جمعتُ هذه الأشتاتَ بعضَها إلى بعض، وهي أشتاتٌ مأخوذةٌ من صحيفةٍ واحدةٍ في يومٍ واحد»؛
    • ⟸ ولاحظْ أنّه كرّر تحديدَ مصدره مرّتين، في أوّل العرض وفي آخره: فهو لا يخفي ضيقَ عيّنته، بل يعلنه. وهذه أمانةٌ في البحث تُحسَب له، وهي في الوقت نفسه حدُّ حكمه الّذي ستحتاجه في المناقشة.

    💬أناقش معطيات النّصّ

    ما رأيك في أحكام الكاتب؟ وعلامَ استند في هذه الأحكام؟
    أوّلا — علامَ استند (وهذا جوابٌ من النّصّ):
    • على الأخبار المنقولة عن الصّحيفة، لا على انطباعٍ ذاتيّ؛
    • وعلى ثقافته العربيّة والغربيّة معا: فهو يقيم في الغرب ويقرأ صحفَه، ويحتكم في الوقت نفسه إلى «ثقافةٍ أنعم اللهُ بها علينا» — والحكمُ لا يصحّ إلّا ممّن يعرف الطّرفين.
    💡 وأمّا «ما رأيك» فحكمٌ، والحكمُ يُبنى ولا يُنقَل. ابنِه في أربع خطوات: ① سمِّ الحكمَ الّذي تناقشه بعينه (حكمُه على خبر الأمّ؟ أم نتيجتُه العامّة؟). ② زِنْ ما يقوّيه: الأخبارُ منقولةٌ لا مخترَعة، والكاتبُ يعرف الثّقافتين. ③ زِنْ ما يُضعفه: العيّنةُ صحيفةٌ واحدةٌ في يومٍ واحد، وهو نفسُه يقولها؛ وقد قابل واقعَ الغرب بـمبدأِ ثقافتنا («وأمّا من حيث المبدأ فنحن…») — والمقابلةُ بين واقعٍ ومبدأٍ ليست متكافئة. ④ اختمْ بحكمٍ واحدٍ تسمّي فيه المعيارَ الّذي بنيتَ عليه. ⛔ ولا تنقلْ رأيَ الكاتب وتسمِّه رأيَك.
    اعتمد الكاتب السّردَ والتّفسيرَ والإخبارَ والحِجاج. مثِّلْ لكلّ نمطٍ من النّصّ.
    السّرد: «وأخذتُ أُقلّب الصّفحات، فإذا بالصّور تتزاحم في كثرةٍ لم أتوقّعها…»
    • علامتُه: أفعالٌ متتابعةٌ وزمنٌ يتقدّم (أخذتُ ⟵ أُقلّب ⟵ فإذا).
    التّفسير: «أعتقد أنّه مستحيلُ الحدوث في حياتنا: فأوّلا يكاد يستحيل علينا أن نترك الأمَّ…»
    • علامتُه: النّقطتان ثمّ أداةُ التّرتيب «فأوّلا» — فالجملةُ الثّانية تشرح الأولى.
    الإخبار: «كنّا قد شاهدنا ليلةَ أمسٍ برنامجا في التّلفزيون، يصوّر للنّاس قصّةً غريبةً لسيّدةٍ في السّتّين من عمرها…»
    • علامتُه: نقلُ واقعةٍ بزمانها ومصدرها، من غير تعليقٍ عليها.
    الحِجاج: «ولعلّ هذا الجانب من حياة الغرب تؤيّده قصّةٌ أخرى…»
    • علامتُه: لفظُ التّرجيح «لعلّ» ولفظُ الإسناد «تؤيّده» — أي إتيانٌ بشاهدٍ لتقوية دعوى.
    ⭐ والطّريقة، لتميّز الأنماطَ في أيّ نصّ: اسألْ عن وظيفة الجملة، لا عن شكلها. تروي حدثا ⟸ سرد · تنقل خبرا بمصدره ⟸ إخبار · تعلّل ما قبلها ⟸ تفسير · تُقوّي دعوى بشاهد ⟸ حِجاج. والنّصُّ الواحد يحمل الأنماطَ الأربعة، والغالبُ عليه واحدٌ منها.
    هل ترى أنّ النّصَّ مائلٌ إلى أدب المذكّرات أو إلى أدب المقال؟ علّلْ إجابتك.
    يميل إلى أدب المذكّرات، بثلاث حجج من النّصّ:
    • أنّه اعتمد على سرد أحداثٍ جرت لصاحبه: جلوسُه في «توركي»، تقليبُه للصّحيفة، مشاهدتُه البرنامجَ ليلةَ أمس؛
    • أنّ الكاتب كشف عن مواقفه وأفكاره وعواطفه في تلقائيّة: «أقول إنّ…»، «ممّا أعتقد أنّه…»، «لقد أنعم علينا اللهُ…»؛
    • أنّه لم يتقيّد بأسلوبٍ محدّد: يتنقّل من الوصف إلى السّرد إلى التّعليق، وتتخلّله نقاطُ الحذف والتّعجّب.
    ⚖️ ولكنّه ميلٌ لا انفصال: النّصّ يحمل من المقالة بناءَها — مقدّمةٌ (وصفُ المدينة)، وعرضٌ (الأخبارُ وتحليلُها)، وخاتمةٌ تقرّر نتيجةً مؤكّدة. وهذا ما تُثبته الهيكلةُ في المحطّة الموالية. ⟸ فالصّوابُ أن تقول: أسلوبُه أسلوبُ مذكّرات، وبناؤه بناءُ مقال — والحكمُ بالغلبة لا بالإطلاق.

    🛠️أستثمر موارد النّصّ

    ⭐ هذه المحطّة تخرج من النّصّ إلى غيره: بحثٌ في النّصوص الدّينيّة، وهيكلةٌ فكريّة، ثمّ عملٌ تصنعه بيدك على منهج الكاتب نفسِه.
    ابحثْ في النّصوص الدّينيّة عن مدى حرص الإسلام على الأمومة والرّفق بالحيوان.
    أوّلا — في الأمومة: عن أسماءَ بنتِ أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «قدِمَتْ عليَّ أمّي وهي مشركةٌ في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتيتُ رسولَ الله ﷺ، قلتُ: إنّ أمّي قدِمَتْ وهي راغبة، أفأَصِلُ أمّي؟ قال: نعم، صِلي أمَّكِ».
    • ⟸ ووجهُ الشّاهد أنّ الأمَّ هنا مشركة، ومع ذلك لم يسقطْ حقُّها في الصِّلة — فبِرُّ الأمّ عند الإسلام لا يُعلَّق على شرط. وقابلْ هذا بخبر النّصّ: أمٌّ ذاتُ ثراء، وابنتُها تُغريها بالموت.
    ثانيا — في الرّفق بالحيوان: قال رسول الله ﷺ: «دخلت امرأةٌ النّارَ في هرّةٍ ربطتها، فلم تُطعِمها ولم تدَعْها تأكل من خشاش الأرض».
    • ⟸ ووجهُ الشّاهد أنّ العقوبةَ جاءت على الامتناع عن الإطعام، لا على القتل — فحقُّ الحيوان في الإسلام حقٌّ مستقلّ. وقابلْ هذا بخبر المرأة الّتي سُجنت أربعةَ أسابيع دفاعا عن الثّعالب: القيمةُ واحدةٌ، والطّريقُ إليها مختلف — وهذا لبُّ درس النّصّ.
    ضعْ هيكلةً فكريّةً للنّصّ.
    المقدّمة — وصفُ الكاتب للمدينة الغربيّة («توركي»)، وما فيها من اتّساقٍ بين السّماء والبحر والجبل والإنسان.
    • ⟸ وهي ليست زينة: الاتّساقُ في الطّبيعة هو الصّورةُ الأولى لفكرة الانسجام الّتي سيطلبها في الثّقافة.
    العرض — قراءتُه للصّحيفة، وعرضُه للأخبار وتحليلُها والتّعليقُ عليها:
    • خبرُ الابنة وأمّها، ثمّ ردودُ فعل القرّاء على أخلاقيّة النّشر؛
    • تعليقُه: ما يستحيل حدوثُه عندنا، وعلّتُه في العلاقات الأسريّة؛
    • خبرُ المرأة والثّعالب، ثمّ خبرُ المرأة وصحراء أستراليا.
    الخاتمة — النّتيجةُ الّتي تقضي بخصوصيّات كلّ ثقافة، مع المجال المشترك (العلوم)، «ومن هذه وتلك تكون صورةُ العصر».
      قمْ بتحليل أخبارٍ أو أحداثٍ متفرّقة في جريدةٍ يوميّة، واستخلصْ منها الأبعادَ الاجتماعيّة والحضاريّة، مثلما فعل الكاتب.
      ⛔ هذا إنتاجٌ منك، لا جوابٌ تُطالعه. ولحسن الحظّ فالمنهجُ ليس عليك أن تخترعه: الكاتبُ يعرضه أمامك في النّصّ، فاستخرجْه واتّبعْه.
      خطواتُ الكاتب، كما تُقرأ في النّصّ — طبّقْها بالتّرتيب:
      • ① احصرِ العيّنةَ وأعلِنْها: هو اكتفى بـ«صحيفةٍ واحدةٍ في يومٍ واحد» وصرّح بذلك مرّتين. فاذكرِ اسمَ الجريدة وتاريخَها قبل أن تبدأ؛
      • ② اخترْ أخبارا لا خبرا واحدا: هو اختار ثلاثة، أحدُها يَستنكره واثنان يُعجَب بهما — فلا تختر ما يخدم رأيَك وحدَه؛
      • ③ اروِ الخبرَ أوّلا مجرّدا من حكمك: لاحظْ أنّه يسرد القصّةَ كاملةً قبل أن يعلّق بحرفٍ واحد؛
      • ④ قابِلِ الخبرَ بثقافتك: «ممّا أعتقد أنّه مستحيلُ الحدوث في حياتنا…» — وهنا البُعدُ الاجتماعيّ؛
      • ⑤ اسألْ عن القيمة الّتي وراء الخبر: المثلُ الأعلى، حقُّ الحياة، الأسرة — وهنا البُعدُ الحضاريّ؛
      • ⑥ اختمْ بنتيجةٍ واحدةٍ تجمع ما تفرّق، كما ختم هو بجملةٍ واحدة.
      ⚖️ وميزانُ عملك: إن خرجتَ بحكمٍ على أمّةٍ كاملةٍ من ثلاثة أخبار، فقد تجاوزتَ ما تحمله عيّنتُك. اكتبْ ما رأيتَه، وقلْ صراحةً إلى أيّ حدٍّ يصحّ — فالكاتبُ نفسُه لم يقل «هذه هي ثقافةُ الغرب»، بل قال: «هذه شريحةٌ من حياة الغرب».
      في البكالوريا قد يأتيك نصّ كهذا بأسئلة من جنس أسئلة هذا الدرس: الأنماط («مثّل لكلّ نمط من النصّ»)، والجنس الأدبي («أهو مائل إلى أدب المذكّرات أم إلى أدب المقال؟ علّل»)، والحكم («ما رأيك في أحكام الكاتب؟»). جهّز ثلاثة عناصر: ① علامة كلّ نمط: السرد أفعال متتابعة فيها حركة، والإخبار واقعة بزمانها ومكانها دون تعليق، والتفسير يجيب عن «لماذا» بأدوات التعليل، والحجاج دعوى وما يقوّيها («ولعلّ… تؤيّده») ؛ ② علامات المذكّرات: تجربة شخصية، وغلبة ضمير المتكلّم، والكشف عن الموقف والعاطفة، والتلقائية في الانتقال ؛ ③ بناء الرأي: افصل الخبر عن الحكم، ثمّ احكم في جملة واحدة، ثمّ سمِّ الفقرة التي تسندك. ⚠️ الخطأ الشائع: الحكم بالوجود لا بالغلبة ؛ النصّ «يميل» إلى المذكّرات وفيه من المقال فكرة مركزية وحجاج ونتيجة صريحة، فقل: الغالب عليه. ⚠️ وخطأ ثانٍ: رأي بلا شاهد من النصّ، وهو رأي لا يُقبل.

      الصفحة 1/2

      © مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net