Arabic Language

1 — قضايا اجتماعيّة فهم المكتوب

دراسة نصّ : سائل

🔊 The teacher reads for you
شيخٌ ضريرٌ يمدّ يدَه إلى كلّ عابرٍ في الطّريق، فلا تعود إليه إلّا فارغة. أنت مررتَ بمثله عشرات المرّات، ولعلّك أسرعتَ الخُطى. ستقرأ في هذا الدّرس قصيدةً كتبها شاعرٌ يمنيٌّ فقد بصرَه وهو في الخامسة، فرأى بقلبه ما لا نراه بأعيننا. فماذا يرى الضّريرُ في وجوهنا حين نمرّ؟ ولماذا سمّى الشّاعرُ الأرضَ كلَّها شرًّا؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديدِ ملامح الشّخصيّة في نصٍّ شعريّ، وتصنيفِ أوصافها إلى حسّيّةٍ ومعنويّة
  • استخراجِ الصّور البيانيّة (التّشبيه · الاستعارة · الكناية) وشرحِها وبيانِ قيمتها التّصويريّة
  • التّعرّفِ على النّمط الغالب على القصيدة ومؤشّراتِه، وتمييزِ ما دخل عليه من أنماطٍ أخرى
  • تتبّعِ الإحالة بالضّمير والرّوابط اللّفظيّة، وبيانِ دورها في اتّساق النّصّ
  • تفسيرِ هيمنة أدوات النّفي على القصيدة وربطِها بالحالة النّفسيّة للشّخصيّة
  • البحثِ عن معنى كلمة الرَّدي واشتقاقاتها المختلفة، وتوظيفِها في جُملٍ سرديّةٍ ووصفيّة
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • تمييزَ الأنماط: الوصفيّ والسّرديّ والحواريّ
  • معرفةَ الصّور البيانيّة الثّلاث: التّشبيه والاستعارة والكناية
  • معرفةَ أدوات النّفي (لا · لم · ليس) والضّمائرِ وعودَها على مرجعها

أقرأ النّصّ — سَائِلٌ

سَائِلٌ — قصيدةٌ في اثني عشر بيتًا
البيتالصّدرالعجز
⁦1⁩مَرَرْتُ بِشَيْخٍ أَصْفَرِ العَقْلِ واليَدِيَدِبُّ عَلى ظَهْرِ الطَّريقِ ويَجْتَدي
⁦2⁩ثَقيلِ الخُطَى يَمْشي الهُوَيْنَى بِجُوعِهِوأَحْزانِهِ مَشْيَ الضَّريرِ المُقَيَّدِ
⁦3⁩ويَمْضِي ولَا يَدْرِي إلى أَيْنَ يَنْتَهِيولَمْ يَدْرِ قَبْلَ السَّيْرِ مِنْ أَيْنَ يَبْتَدي
⁦4⁩ويُزْجِي إلى الأَسْماعِ صَوْتًا مُجَرَّحًاكَئيبًا كَأَحْلامِ الغَريبِ المُشَرِّدِ
⁦5⁩يَمُدُّ اليَدَ الصِّفْرَا إلى كُلِّ عابِرٍولَمْ يَجْنِ إلَّا اليَأْسَ مِنْ مَدِّهِ اليَدِ
⁦6⁩فَيُلْقِي عَلى الكَفِّ النَّحيلِ جَبينَهُويَسْأَلُ هَلْ في الأَرْضِ ظِلٌّ لِمُسْعِدِ؟
⁦7⁩هُوَ الشَّرُّ مِلْءَ الأَرْضِ والشَّرُّ طَبْعُهَاهُوَ الشَّرُّ مِلْءَ الأَمْسِ واليَوْمِ والغَدِ
⁦8⁩وهَذَا غُبَارُ الأَرْضِ آهَاتُ خَيِّبٍوهَذَا الحَصَى حَبَّاتُ دَمْعٍ مُجَمَّدِ
⁦9⁩رَمَى الشَّيْخُ فِيمَا حَوْلَهُ نَظْرَةَ الأَسَىومَرَّ كَطَيْفِ المُسْتَكينِ المُهَدَّدِ
⁦10⁩فَيَا لَلْفَقيرِ الشَّيْخِ يَمْشي عَلَى الطَّوَىوفي مَأْتَمِ الشَّكْوَى يَرُوحُ ويَغْتَدي
⁦11⁩يَظُنُّ أَكُفَّ النَّاسِ تَهْوِي بِجُودِهَاإلَيْهِ ولَمْ يُبْصِرْ سِوَى وَهْمِهِ الرَّدِّي
⁦12⁩وجُوعٍ يُلَوِّي نَفْسَهُ في ضُلُوعِهِفَيَنْسَاقُ لَا يَدْرِي إلَى أَيْنَ يَهْتَدي

ديوان عبد الله البردّوني.

صاحب النّصّ — عبد الله صالح حسن الشحف البردّوني (⁦1929⁩ — ⁦1999⁩). شاعرٌ يمنيّ معاصر، فقَدَ بصرَه وهو في الخامسة من عمره. بدأ اهتمامُه بالشّعر والأدب وهو في الثّالثة عشرة من عمره فدأب على حفظ ما يقع بين يديه من قصائد، وانتقل إلى صنعاء في أواسط العشرينات من عمره فنال جائزةَ التّفوّق اللّغويّ من دار العلوم الشّرعيّة. نظَم قصائدَ في مواضيعَ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ وإنسانيّة، جُمِعت في ديوانٍ ضخمٍ سُمِّي ديوان عبد الله البردّوني.
📖أثري رصيدي اللّغويّ
  • يَدِبُّ: يمشي مشيًا بطيئًا.
  • يَجْتَدي: يتوسّل ويطلب المساعدة والعون.
  • الضّرير: الأعمى.
  • يُزْجِي: يسوق الشّيءَ برفقٍ ويُسر.
  • خَيِّب: خائبٌ ومحروم.
  • الطَّوَى: الجوع الشّديد.

أفهم النّصّ وأناقش فِكَرَهُ

⁦1⁩ — ما ملامحُ الشّيخ وصفاتُه؟ لمن كان يمدّ يدَه؟ هل جنى شيئًا؟ لِمَ؟
ملامحُ الشّيخ — كلُّ ملمحٍ ببيته
الملمحاللّفظ في القصيدةالبيت
فقيرٌ خاليةٌ يدُه«أَصْفَرِ العَقْلِ واليَدِ» · «اليَدَ الصِّفْرَا»⁦1⁩ و⁦5⁩
شيخٌ ضعيفُ المشي«يَدِبُّ» · «ثَقيلِ الخُطَى» · «يَمْشي الهُوَيْنَى»⁦1⁩ و⁦2⁩
ضريرٌ مُقيَّد«مَشْيَ الضَّريرِ المُقَيَّدِ» · «ولَمْ يُبْصِرْ»⁦2⁩ و⁦11⁩
جائعٌ مَطْويّ«بِجُوعِهِ» · «يَمْشي عَلَى الطَّوَى» · «وجُوعٍ يُلَوِّي نَفْسَهُ»⁦2⁩ و⁦10⁩ و⁦12⁩
نحيلُ الجسم«الكَفِّ النَّحيلِ»⁦6⁩
حزينٌ كئيبٌ يائس«أَحْزانِهِ» · «صَوْتًا مُجَرَّحًا كَئيبًا» · «نَظْرَةَ الأَسَى»⁦2⁩ و⁦4⁩ و⁦9⁩
ضائعٌ بلا وِجهة«لَا يَدْرِي إلى أَيْنَ يَنْتَهِي» · «فَيَنْسَاقُ»⁦3⁩ و⁦12⁩
مُستكينٌ مُهدَّد«كَطَيْفِ المُسْتَكينِ المُهَدَّدِ»⁦9⁩

ولمن كان يمدّ يدَه؟ لا لأحدٍ بعينه، بل «إلى كُلِّ عابِرٍ» (البيت ⁦5⁩). وهذا اللّفظ مقصود: مَن يمدّ يدَه إلى كلّ أحدٍ فقد يئس من كلّ أحد.

وهل جنى شيئًا؟ لا. والبيتُ نفسُه يقولها في نصفه الثّاني: «ولَمْ يَجْنِ إلَّا اليَأْسَ مِنْ مَدِّهِ اليَدِ». ⟸ لاحِظِ الأسلوب: نفيٌ واستثناء. لم يقلِ الشّاعر «لم يجنِ شيئًا»، بل جعل اليأسَ نفسَه هو المَجْنيّ — فالرّجل يخرج من كلّ مدّةِ يدٍ أفقرَ ممّا دخل.

ولِمَ لم يجنِ شيئًا؟ القصيدة تعطي سببًا واحدًا صريحًا، وهو في النّاس لا فيه: «هُوَ الشَّرُّ مِلْءَ الأَرْضِ والشَّرُّ طَبْعُهَا» (البيت ⁦7⁩)، ثمّ «يَظُنُّ أَكُفَّ النَّاسِ تَهْوِي بِجُودِهَا إلَيْهِ ولَمْ يُبْصِرْ سِوَى وَهْمِهِ» (البيت ⁦11⁩). الأكفُّ لم تَهْوِ.

⁦2⁩ — ممَّ يشكو؟ وما الّذي يزيد من معاناته؟
يشكو من ثلاثةٍ، كلُّها منصوصةٌ في القصيدة:
  • الجوع: «بِجُوعِهِ» · «يَمْشي عَلَى الطَّوَى» · «وجُوعٍ يُلَوِّي نَفْسَهُ في ضُلُوعِهِ». وهو الأكثرُ ورودًا: ثلاثُ مرّاتٍ في اثني عشر بيتًا.
  • الفقر: «أَصْفَرِ… اليَدِ» · «اليَدَ الصِّفْرَا» · «فَيَا لَلْفَقيرِ الشَّيْخِ».
  • فقدُ البصر والسَّند: «مَشْيَ الضَّريرِ المُقَيَّدِ» · «ولَمْ يُبْصِرْ».

وما الّذي يزيد معاناتَه؟ ليس الجوعَ، فالجوعُ يُشبَع. الّذي يزيدها شيئان لا يُشبَعان:

  1. إعراضُ النّاس — وهو أثقلُ من الجوع، لأنّ الجائعَ يمدّ يدَه فيرجع بـ«اليَأْسِ» لا بالخبز (البيت ⁦5⁩).
  2. فقدُ الوِجهة — «لَا يَدْرِي إلى أَيْنَ يَنْتَهِي، ولَمْ يَدْرِ قَبْلَ السَّيْرِ مِنْ أَيْنَ يَبْتَدي» (البيت ⁦3⁩). لا يعرف أوّلَ طريقه ولا آخرَه: مشْيٌ بلا مقصد.

⭐ ولاحِظِ الجمعَ العجيبَ في البيت ⁦2⁩: «يَمْشي الهُوَيْنَى بِجُوعِهِ وأَحْزانِهِ». الجوعُ والحزنُ محمولان معًا كما يُحمَل المتاع — والشّاعرُ يمشي بهما، لا هما اللّذان يمشيان به.

⁦3⁩ — ماذا كان الشّيخ يظنّ؟ هل صدق ظنُّه؟ لِمَ؟

كان يظنّ أنّ النّاس سيُعطونه: «يَظُنُّ أَكُفَّ النَّاسِ تَهْوِي بِجُودِهَا إلَيْهِ» (البيت ⁦11⁩).

ولم يصدُقْ ظنُّه، والبيتُ نفسُه يُكذِّبه في عَجُزه: «ولَمْ يُبْصِرْ سِوَى وَهْمِهِ الرَّدِّي». ⟸ فالّذي رآه لم يكن أكفًّا بل وَهْمًا.

ولِمَ لم يصدُقْ؟ سببان في القصيدة:
  • سببٌ في النّاس: البيت ⁦7⁩ يحكم على الأرض كلِّها — «هُوَ الشَّرُّ مِلْءَ الأَرْضِ والشَّرُّ طَبْعُهَا». والطَّبعُ لا يتغيّر بمرورِ سائل.
  • سببٌ في الشّيخ نفسِه: هو ضرير، فلا يرى الوجوهَ حين تُعرِض عنه. ولذلك بقي يظنّ. ⟸ والمفارقةُ المُرّة أنّ عَماه، وهو مصيبته، هو الّذي أبقى له أملَه.

⭐ وهذا أدقُّ ما في القصيدة: الشّاعرُ لا يسخر من ظنّ الشّيخ، بل يجعله آخرَ ما بقي له. ولو أبصر لَما ظنّ، ولو لم يظنّ لَما مدّ يدَه أصلًا.

⁦4⁩ — ما مصيرُ الشّيخ وما وِجهته؟

لا وِجهةَ له، وهذا هو مصيرُه. القصيدة تقولها مرّتين، في أوّلها وفي آخرها، وباللّفظ نفسِه تقريبًا:

بيتان يفتحان القصيدة ويُغلقانها
البيتاللّفظ
⁦3⁩«ويَمْضِي ولَا يَدْرِي إلى أَيْنَ يَنْتَهِي · ولَمْ يَدْرِ قَبْلَ السَّيْرِ مِنْ أَيْنَ يَبْتَدي»
⁦12⁩«فَيَنْسَاقُ لَا يَدْرِي إلَى أَيْنَ يَهْتَدي»

⟸ والفعلُ الأخير هو الحاسم: «يَنْسَاقُ». لم يقلْ «يمشي» ولا «يسير»، بل «يَنْساق» — أي يُساق ولا يسوق نفسَه. الرّجلُ في آخر القصيدة لم يعُدْ فاعلًا، بل مفعولًا به يدفعه الجوعُ من ورائه.

⭐ ولاحِظْ أنّ القصيدة تنتهي حيث بدأت: بدأتْ بشيخٍ «يَدِبُّ على ظهر الطّريق»، وانتهت بشيخٍ «يَنْساق لا يدري». ⟸ دائرةٌ مغلقة، وهي أبلغُ ما يقوله الشّاعر عن الفقر: لا يبدأ ولا ينتهي.

⁦5⁩ — هل صادفتَ شيخًا سائلًا أعمى؟ حدِّدْ أوصافَه مستعينًا بالنّصّ.

هذا سؤالُ إنتاجٍ، وما تراه أنت لا يوجد في القصيدة. لكنّ السّؤال يعطيك أداتَه: «مستعينًا بالنّصّ» — أي اكتبْ بطريقة البردّوني، لا بألفاظه.

كيف تكتب وصفك في ستّة أسطر
  1. ابدأْ بفعلٍ يضعك في المشهد، كما بدأ الشّاعر: «مَرَرْتُ بِـ…».
  2. صِفِ المِشية قبل الوجه: الشّاعرُ لم يصف عينَي الشّيخ، بل «يَدِبُّ» و«ثَقيلِ الخُطَى». الحركةُ تقول عن الإنسان أكثرَ ممّا يقول الوجه.
  3. اذكرْ وصفًا حسّيًّا واحدًا وأتبِعْه بوصفٍ معنويّ: «الكَفِّ النَّحيلِ» ⟸ ثمّ «نَظْرَةَ الأَسَى». هذه هي طريقة القصيدة كلِّها.
  4. اذكرْ صوتَه: أكثرُ ما يُنسى في وصف السّائل. الشّاعر جعله «صَوْتًا مُجَرَّحًا كَئيبًا».
  5. قُلْ ماذا فعل النّاسُ، لا ماذا فعل هو وحده: المشهدُ لا يكتمل إلّا بالطّرفين.
  6. اِختِمْ بجملتك أنت: ماذا فعلتَ؟ وماذا كنتَ تودّ لو فعلتَ؟
⛔ ولا تنقلْ أبياتَ القصيدة في ورقتك على أنّها وصفُك. «مستعينًا بالنّصّ» تعني أن تأخذ طريقتَه في الوصف، لا أن تستبدل بها وصفَك. وإن استشهدتَ ببيتٍ فضعْه بين قوسين واذكرْ أنّه للشّاعر.
⁦6⁩ — ما الآفة الّتي يعالجها النّصّ برأيك؟ وهل للمجتمع دورٌ فيها؟

الآفةُ آفتان متلازمتان: الفقرُ والتّسوّل. والقصيدة لا تكتفي بعرضهما، بل تُلمِّح إلى ما هو أشدُّ منهما: قسوةُ القلوب.

وهل للمجتمع دور؟ القصيدة تجيب بنعمٍ صريحةٍ في ثلاثة مواضع: البيت ⁦5⁩ («ولَمْ يَجْنِ إلَّا اليَأْسَ») يقول إنّ النّاس مرّوا ولم يُعطوا؛ والبيت ⁦6⁩ يسأل سؤالًا لا يُجاب («هَلْ في الأَرْضِ ظِلٌّ لِمُسْعِدِ؟»)؛ والبيت ⁦11⁩ يُثبِت أنّ «أَكُفَّ النَّاسِ» لم تَهْوِ.

⭐ ولاحِظْ أنّ الشّاعر لم يجعل الشّيخَ متّهِمًا: الشّيخ لا يشتم أحدًا ولا يلوم أحدًا، هو يسأل ويمضي. الّذي يحكم على النّاس هو الشّاعرُ في البيتين ⁦7⁩ و⁦8⁩. وهذا اختيارٌ فنّيّ: الضّحيّةُ تصمت، والشّاهدُ يتكلّم.

⁦7⁩ — كيف تفسّر موقف النّاس من هذا السّائل؟ وما موقفك أنت؟

الشّطر الأوّل تفسيرٌ، والشّطر الثّاني رأيٌ. وهما لا يُخلَطان: التّفسيرُ يُبنى على النّصّ، والرّأيُ يُبنى عليك.

أوّلًا — كيف تفسّر موقفهم؟ ثلاثةُ تفسيراتٍ ممكنة، اِختَرْ ما تراه وعلّلْ:
  • القسوةُ والأنانيّة — وهو التّفسير الّذي يتبنّاه الشّاعر نفسُه: «الشَّرُّ طَبْعُهَا».
  • الاعتيادُ حتّى العمى — مَن يرى المشهدَ كلَّ يومٍ يكفّ عن رؤيته. ولاحِظِ المفارقة: الشّيخُ أعمى العينِ، والمارّةُ عُميُ القلب.
  • الشّكُّ في السّائل — كثرةُ من يتّخذ السّؤالَ حِرفةً جعلت النّاسَ يشكّون في كلّ يدٍ ممدودة، فيُظلَم الصّادقُ بجريرة غيره.

ثانيًا — موقفك أنت. لا يُملى عليك، لكن يُطلَب أن يكون موقفًا لا شعورًا: قُلْ ما تفعله، لا ما تحسّه. وابنِه على جملةٍ واحدةٍ صريحة: «موقفي أنّ… لأنّ…».

⛔ لا تبدأْ جوابك بـ«النّاسُ اليومَ بلا قلوب» ثمّ تقف: هذه جملةٌ يكتبها الجميعُ ولا تفسّر شيئًا. ابدأْ بسببٍ واحدٍ محدَّد واشرحْه، ثمّ انظرْ إن كان يفسّر ما في القصيدة كلِّه.
⁦8⁩ — وجِّهْ تَذْكِرَةً لهؤلاء تُلَيِّنُ قلوبَهم، مستعينًا بما تحفظه من شواهدَ دينيّةٍ وأخلاقيّةٍ مؤثِّرة.

هذا سؤالُ إنتاجٍ يعتمد على محفوظك أنت: الشّواهدُ الّتي يطلبها السّؤال هي ما تحفظه من كتاب الله والسّنّة والحِكَم، وهي في ذاكرتك لا في هذا الدّرس. ⟸ فاستحضِرْها من محفوظك، وتثبّتْ من لفظها قبل أن تكتبها؛ والشّاهدُ المنقولُ خطأً يُفسِد التّذكرةَ كلَّها.

وأمّا بناءُ التّذكرة فهو صنعة، وهذه خطواتها الأربع
  1. ابدأْ بالمشهد لا بالوعظ: اِذكرِ الشّيخَ في الطّريق كما رأيتَه في القصيدة. القلبُ يلين للصّورة قبل أن يلين للأمر.
  2. ثمّ ضَعِ الشّاهدَ في موضعه: شاهدٌ واحدٌ قويٌّ في مكانه أنفعُ من خمسةٍ متتابعة. واذكرْ من أين هو.
  3. اِنتقلْ من الحقّ إلى الفعل: قُلْ ما المطلوبُ اليومَ وهنا — لا «كونوا رحماء»، بل فعلٌ يُفعَل.
  4. اِختِمْ بجملةٍ قصيرةٍ تُحفَظ: التّذكرةُ الّتي تُنسى بعد سطرين لم تُذكِّرْ أحدًا.
⭐ وخُذْ من القصيدة نفسِها أقوى ما فيها لتذكرتك: السّؤالُ الّذي لم يُجَبْ — «هَلْ في الأَرْضِ ظِلٌّ لِمُسْعِدِ؟». اُطرحْه على قارئك كما طرحه الشّيخ، واتركْه بلا جواب. الصّمتُ بعده أبلغُ من عشرة أسطر.
⁦9⁩ — اقترحْ حلولًا تراها ناجعةً للحدّ من ظاهرة الفقر والتّسوّل والمحافظة على كرامة الإنسان.
رتّبْ حلولك حسب من يملكها — فهذا ما يجعل الجوابَ جوابًا لا أمنية
  1. ما تفعله أنت: ألّا تمرَّ كما مرّ النّاسُ في القصيدة. وأدنى ما يُفعَل ردُّ التّحيّة وحُسنُ القول، وقد قال الشّاعرُ إنّ الّذي جناه الشّيخُ هو اليأس — واليأسُ يُدفَع بكلمة.
  2. ما تفعله الأسرة والحيّ: أن يُعرَف فقيرُ الحيّ فيُكفى في بيته، فلا يخرج إلى الطّريق أصلًا. الكرامةُ تُحفَظ حين يصل العونُ قبل السّؤال.
  3. ما تفعله المدرسة: أن تُعلَّم الرّحمةُ كما تُعلَّم القراءة، وأن يُدرَّب التّلميذُ على رؤية من لا يُرى.
  4. ما تفعله الدّولة: العملُ قبل الصّدقة — تشغيلُ القادر، وضمانُ العاجز، وكفالةُ ذوي الحاجات الخاصّة كالشّيخ الضّرير في هذه القصيدة.

ثمّ اختَرْ حلًّا واحدًا ترى أنّه الأنجع، وقُلْ لماذا. والجوابُ الّذي يعدّد عشرةَ حلولٍ دون ترجيحٍ لا يُظهر رأيًا.

⭐ ولاحِظْ أنّ السّؤال يجمع أمرين لا واحدًا: الحدُّ من الظّاهرة والمحافظة على الكرامة. وهما قد يتعارضان: العطاءُ في الطّريق يسدّ الجوعَ ويُبقي اليدَ ممدودة. فالحلُّ الجيّد هو الّذي يُطعِم ولا يُذِلّ.

⁦10⁩ — استخرجْ ألوان البيان (الصّور البيانيّة) الّتي وردت في النّصّ، اشرحْها وبيّنْ قيمتها الجماليّة والتّصويريّة.
الصّور البيانيّة في القصيدة
الصّورةنوعهاشرحها وقيمتها
«أَصْفَرِ… اليَدِ» · «اليَدَ الصِّفْرَا»كنايةلم يقلْ «فقير»، بل ذكر لونَ اليد الخالية. والكنايةُ تُثبِت المعنى بدليله المحسوس: نرى اليدَ فنحكم بالفقر
«مَشْيَ الضَّريرِ المُقَيَّدِ»تشبيهشبّه مِشيتَه بمِشية أعمى في قيد. ووجهُ الشّبه مضاعَف: بطءٌ من العمى وبطءٌ من القيد، فبلغ الوصفُ غايتَه
«صَوْتًا مُجَرَّحًا»استعارة مكنيّةشبّه الصّوتَ بجسمٍ حيٍّ يُجرَح، وحذف المشبّه به وأبقى لازمَه «مُجَرَّحًا». ⟸ الألمُ صار يُسمَع، لا يُوصَف
«كَئيبًا كَأَحْلامِ الغَريبِ المُشَرِّدِ»تشبيهشبّه الصّوتَ بالأحلام، وهي لا تُسمَع. وقيمتُه أنّه ينقلنا من الأذن إلى القلب
«هَذَا غُبَارُ الأَرْضِ آهَاتُ خَيِّبٍ»تشبيه بليغحُذفت الأداةُ ووجهُ الشّبه، فصار الغبارُ هو الآهاتِ نفسَها. ⟸ حزنُ المحرومين صار مادّةَ الأرض
«هَذَا الحَصَى حَبَّاتُ دَمْعٍ مُجَمَّدِ»تشبيه بليغالحصى دموعٌ تجمّدت. وقيمتُه أنّه يجعل الأرضَ كلَّها بكاءً قديمًا لم يُمسَح
«كَطَيْفِ المُسْتَكينِ المُهَدَّدِ»تشبيهشبّهه بالطَّيف، وهو ما يُرى ولا يُمسَك. ⟸ الرّجلُ حاضرٌ في الطّريق وغائبٌ عن الأنظار في آنٍ واحد
«في مَأْتَمِ الشَّكْوَى يَرُوحُ ويَغْتَدي»استعارة مكنيّةشبّه الشّكوى بميّتٍ له مأتم. ⟸ لا يومَ له خارج الحزن: يذهب فيه ويعود إليه
«أَكُفَّ النَّاسِ تَهْوِي بِجُودِهَا»استعارة مكنيّةشبّه الأكفَّ بطيرٍ ينقضّ. وقيمتُها أنّها تُري سرعةَ العطاء المُتخيَّل — وهو لم يقعْ
«وجُوعٍ يُلَوِّي نَفْسَهُ في ضُلُوعِهِ»استعارة مكنيّةشبّه الجوعَ بيدٍ تَلْوي. ⟸ الجوعُ صار كائنًا يسكن الصّدر ويعذّب من داخله

⭐ وقيمتُها جميعًا واحدة: الشّاعرُ ضريرٌ، فهو لا يصف ما رأى بل ما أحسّ. ولذلك جاءت صورُه كلُّها من السّمع واللّمس والألم: صوتٌ مجرَّح، حصًى، غبار، جوعٌ يلوي الضّلوع. ولو كان بصيرًا لَوصف الألوانَ والوجوه.

⛔ الخطأ الشّائع: أن تُسمّى الصّورةُ ولا تُشرَح. السّؤال يطلب ثلاثةَ أشياء: الاستخراجَ، ثمّ الشّرحَ، ثمّ بيانَ القيمة. وأسهلُ طريقةٍ لبيان القيمة أن تسأل: ما الّذي كنتُ سأفقده لو قيلت العبارةُ بلا صورة؟

أكتشف نمط النّصّ وأبيّن خصائصه

⁦1⁩ — استخرجْ أوصاف السّائل من النّصّ، وبيّنْ نوعها.
أوصافُ السّائل صنفَين
النّوعالأوصافما تصفه
أوصافٌ حسّيّة (تُدرَك بالحواسّ)«أَصْفَرِ… اليَدِ» · «يَدِبُّ» · «ثَقيلِ الخُطَى» · «الكَفِّ النَّحيلِ» · «اليَدَ الصِّفْرَا» · «صَوْتًا مُجَرَّحًا»الجسدُ والحركةُ والصّوت
أوصافٌ معنويّة (تُدرَك بالقلب)«أَحْزانِهِ» · «كَئيبًا» · «اليَأْسَ» · «نَظْرَةَ الأَسَى» · «المُسْتَكينِ المُهَدَّدِ» · «وَهْمِهِ»الحالةُ النّفسيّة

⭐ ولاحِظِ الطّريقةَ الّتي يُركّب بها الشّاعرُ النّوعين: يبدأ بالحسّيّ ثمّ يُتبِعه بالمعنويّ في البيت نفسِه. «يُزْجِي إلى الأَسْماعِ صَوْتًا مُجَرَّحًا (حسّيّ) كَئيبًا (معنويّ)». ⟸ فالعينُ ترى أوّلًا، ثمّ يُفسَّر لها ما رأت.

وفي القصيدة نوعٌ ثالثٌ لا يُنسى: وصفُ المكان، وهو في البيتين ⁦7⁩ و⁦8⁩ — الأرضُ وغبارُها وحصاها. وسيأتي في السّؤال الموالي.

⁦2⁩ — استنبطْ من النّصّ أوصافَ الأرض، وإلى من يرمز الشّاعر بها؟ · وإلى أيّ نمطٍ نصّيٍّ تشير هذه القرائن كلُّها؟
أوصافُ الأرض، وكلُّها في البيتين ⁦7⁩ و⁦8⁩ وفي شطرٍ من البيت ⁦6⁩:
  • مملوءةٌ شرًّا: «هُوَ الشَّرُّ مِلْءَ الأَرْضِ».
  • الشّرُّ طبعُها لا حالُها: «والشَّرُّ طَبْعُهَا» — والطَّبعُ ما لا يُفارِق.
  • شرُّها في الأزمنة الثّلاثة: «مِلْءَ الأَمْسِ واليَوْمِ والغَدِ».
  • غبارُها آهات: «وهَذَا غُبَارُ الأَرْضِ آهَاتُ خَيِّبٍ».
  • حصاها دموعٌ جامدة: «وهَذَا الحَصَى حَبَّاتُ دَمْعٍ مُجَمَّدِ».
  • لا ظِلَّ فيها لمُسعِد: «هَلْ في الأَرْضِ ظِلٌّ لِمُسْعِدِ؟».

وإلى من يرمز بها؟ إلى النّاس، أي إلى المجتمع. والدّليلُ من القصيدة لا من الظّنّ: الأرضُ ترابٌ لا يُوصَف بالشّرّ ولا بالطّبع؛ ثمّ إنّ الشّاعر يفسّر بنفسه في البيت ⁦11⁩ مَن الّذي خيّب الشّيخ: «أَكُفَّ النَّاسِ» الّتي لم تَهْوِ. ⟸ فـ«الأرض» في القصيدة اسمٌ للنّاس الّذين يسكنونها.

وإلى أيّ نمطٍ تشير هذه القرائن كلُّها؟ إلى النّمط الوصفيّ.

مؤشّرات النّمط الوصفيّ في القصيدة
المؤشّرالشّاهد
كثرةُ النّعوت والأحوال«أَصْفَرِ» · «ثَقيلِ» · «النَّحيلِ» · «مُجَرَّحًا» · «كَئيبًا» · «المُقَيَّدِ» · «المُشَرِّدِ»
غَلَبَةُ الفعل المضارع«يَدِبُّ» · «يَجْتَدي» · «يَمْشي» · «يَمْضِي» · «يُزْجِي» · «يَمُدُّ» · «يَظُنُّ» · «يَنْسَاقُ»
الصّورُ البيانيّةالصّورُ البيانيّةُ العشرُ الّتي مرّت في السّؤال ⁦10⁩
أسماءُ الإشارة الّتي تُحضِر المشهد«وهَذَا غُبَارُ الأَرْضِ» · «وهَذَا الحَصَى»
استعمالُ الحواسّالبصرُ («نَظْرَةَ الأَسَى») والسّمعُ («يُزْجِي إلى الأَسْماعِ») واللّمسُ («يُلَوِّي نَفْسَهُ في ضُلُوعِهِ»)

⭐ ولاحِظْ لماذا غلب المضارعُ على القصيدة كلِّها إلّا في موضعَين: «مَرَرْتُ» في أوّلها و«رَمَى… ومَرَّ» في البيت ⁦9⁩. المضارعُ يجعل المشهدَ مستمرًّا لا منتهيًا: الشّيخُ لا يزال يمشي الآن، وأنت تقرأ.

⁦3⁩ — لاحِظْ قول الشّاعر: «ويَسْأَلُ هَلْ في الأَرْضِ ظِلٌّ لِمُسْعِدِ؟» · من السّائل؟ ومن المجيب؟ · وإلى أيّ نمطٍ نصّيٍّ تشير العبارة السّابقة؟

السّائل هو الشّيخُ نفسُه، والفعلُ مُسنَدٌ إليه في البيت: «فَيُلْقِي عَلى الكَفِّ النَّحيلِ جَبينَهُ ويَسْأَلُ». وهو السّائلُ بالمعنيَين معًا — سائلٌ يطلب العطاء، وسائلٌ يطرح سؤالًا. وعنوانُ القصيدة «سائل» يحتمل المعنيَين، وهذا مقصود.

وأمّا المجيب فلا مجيب: القصيدةُ تمضي إلى بيتها الثّاني عشر ولا أحد يردّ. ⟸ والصّمتُ هو الجواب، وهو أقسى من «لا». والبيت ⁦11⁩ يؤكّده: الأكفُّ لم تَهْوِ.

وإلى أيّ نمطٍ تشير العبارة؟ إلى النّمط الحواريّ، ومؤشّراتُه فيها ظاهرة: أداةُ الاستفهام «هل» · علامةُ الاستفهام · فعلُ القول «يَسْأَلُ» · جملةٌ قصيرةٌ موجَّهةٌ إلى مخاطَب.

⭐ وهو حوارٌ من طرفٍ واحد: سؤالٌ بلا جواب. وهذا يسمّى في القصّة والشّعر مناجاةً. ولمّا لم يُجِبْه أحدٌ في القصيدة، صار السّؤالُ موجَّهًا إلى مَن يقرأ. ⟸ فالبيتُ ⁦6⁩ هو الموضع الّذي تدخل فيه أنت إلى النّصّ: السّؤالُ لك.

⟹ وخلاصةُ الأنماط في هذه القصيدة: نمطٌ وصفيّ غالبٌ يحمل القصيدة كلَّها، يدخل عليه السّرد في البيتين ⁦1⁩ و⁦9⁩ («مَرَرْتُ» · «رَمَى… ومَرَّ»)، ويدخل عليه الحوار في البيت ⁦6⁩.

أبحث عن ترابُط جُمل النّصّ وانسجام معانيه

⁦1⁩ — وظّف الشّاعرُ الإحالةَ النّصّيّة بالضّمير حينًا وبالرّوابط اللّفظيّة حينًا آخر: استنبطْ هذه القرائن اللّغويّة ثمّ بيّنْ دورها في اتّساق النّصّ.
قرائنُ الاتّساق في القصيدة
القرينةأمثلتهاعلى مَن أو ما تُحيل
هاءُ الغائب المتّصلة«جُوعِهِ» · «أَحْزانِهِ» · «مَدِّهِ» · «جَبينَهُ» · «حَوْلَهُ» · «نَفْسَهُ» · «ضُلُوعِهِ» · «وَهْمِهِ»كلُّها تُحيل على الشّيخ المذكور في البيت ⁦1⁩
الضّمير المستتر «هو»«يَدِبُّ» · «يَجْتَدي» · «يَمْضِي» · «يُزْجِي» · «يَمُدُّ» · «يَظُنُّ» · «يَنْسَاقُ»على الشّيخ أيضًا — أفعالٌ كثيرةٌ بفاعلٍ واحدٍ لا يُذكَر
اسمُ الإشارة«وهَذَا غُبَارُ الأَرْضِ» · «وهَذَا الحَصَى»على ما هو حاضرٌ في المشهد، فيُقرِّب البعيدَ من عين القارئ
واوُ العطف«ويَجْتَدي» · «ويَمْضِي» · «ويُزْجِي» · «ويَسْأَلُ»تصل الأفعالَ فتجعلها سلسلةً واحدة
الفاءُ«فَيُلْقِي» · «فَيَنْسَاقُ»تربط النّتيجةَ بسببها بلا مهلة
التّكرارُ اللّفظيّ«هُوَ الشَّرُّ» مرّتين في البيت ⁦7⁩ · «لَا يَدْرِي» في البيتين ⁦3⁩ و⁦12⁩ · «اليَدِ» في القافية الأولى وفي البيت ⁦5⁩يشدّ الأبياتَ إلى محورٍ واحد

ودورُها في الاتّساق: القصيدة اثنا عشر بيتًا، ولا يُذكَر فيها اسمُ الشّيخ إلّا مرّتين («بِشَيْخٍ» في البيت ⁦1⁩، و«الشَّيْخُ» في البيت ⁦9⁩). ⟸ فما الّذي يمنع القارئَ من أن يضلّ؟ سلسلةُ الضّمائر. كلُّ هاءٍ في القصيدة خيطٌ يعود إلى البيت الأوّل، ولو انقطع خيطٌ واحدٌ لَتساءل القارئ: مَن؟

⭐ اِختبِرْها بنفسك: اقرأِ البيت ⁦12⁩ وحدَه — «وجُوعٍ يُلَوِّي نَفْسَهُ في ضُلُوعِهِ» — واسألْ: ضلوعُ مَن؟ لن تجد الجوابَ في البيت، بل في البيت الأوّل. هذا هو الاتّساق: أن يحتاج آخرُ النّصّ إلى أوّله.

⁦2⁩ — بمَ تفسّر هيمنةَ حروف النّفي على القصيدة؟ وما علاقتُها بالحالة النّفسيّة للسّائل؟
🧰أدواتُ النّفي في القصيدة — وعلامَ وقع النّفي
الأداة والموضعالجملةما نُفِي
«لا» — البيت ⁦3⁩«ولَا يَدْرِي إلى أَيْنَ يَنْتَهِي»المعرفةُ بالمستقبل
«لم» — البيت ⁦3⁩«ولَمْ يَدْرِ قَبْلَ السَّيْرِ مِنْ أَيْنَ يَبْتَدي»المعرفةُ بالماضي
«لم… إلّا» — البيت ⁦5⁩«ولَمْ يَجْنِ إلَّا اليَأْسَ»الكسبُ والرِّبح
«لم… سوى» — البيت ⁦11⁩«ولَمْ يُبْصِرْ سِوَى وَهْمِهِ»البصرُ والرّؤية
«لا» — البيت ⁦12⁩«لَا يَدْرِي إلَى أَيْنَ يَهْتَدي»المعرفةُ بالوِجهة، مرّةً أخيرة

تفسيرُ الهيمنة: القصيدة كلُّها مبنيّةٌ على الفَقْد، والنّفيُ هو صيغةُ الفقد في اللّغة. فلمّا كان موضوعُ القصيدة رجلًا لا يملك شيئًا، جاءت أدواتُه كلُّها أدواتِ سَلْب.

⭐ ولاحِظْ ما وقع عليه النّفيُ في الجدول: المعرفةُ ثلاثَ مرّات، والكسبُ مرّة، والبصرُ مرّة. ⟸ فالشّاعرُ لا ينفي عن الشّيخ المالَ فقط، بل ينفي عنه أن يعرف. والفقرُ عنده ليس خُلُوَّ اليد، بل ألّا تدري إلى أين تمضي.

وعلاقتُها بالحالة النّفسيّة: النّفيُ المتكرّر يصنع في القارئ الشّعورَ نفسَه الّذي في الشّيخ — اليأسُ والضّياع. وأبلغُ موضعٍ فيه أسلوبا النّفي والاستثناء: «لَمْ يَجْنِ إلَّا اليَأْسَ» و«لَمْ يُبْصِرْ سِوَى وَهْمِهِ». في الظّاهر إثباتٌ بعد نفي، وفي الحقيقة الشّيءُ المُثبَت لا شيء: يأسٌ ووهم.

⁦3⁩ — هل يمكنك تقديمُ بعض أبيات القصيدة وتأخيرُ بعضها الآخر؟ كيف تسمّي هذه الظّاهرة؟ وكيف تحقّقت في هذا النّصّ؟

الجواب ليس «نعم» ولا «لا»، بل: بعضُها يجوز وبعضُها لا يجوز — وهذا هو الجواب الّذي يُظهر أنّك قرأتَ القصيدة لا أنّك حفظتَ قاعدة.

أبياتٌ لا يجوز تحريكها — وكلُّ منعٍ بدليله:
  • البيت ⁦1⁩ لا يُؤخَّر: هو الّذي يُقدِّم الشّيخَ ويضع الرّاويَ في المشهد («مَرَرْتُ»)، وكلُّ ضمائر القصيدة تعود إليه.
  • البيت ⁦6⁩ لا يُقدَّم على ⁦5⁩: فاؤُه فاءُ نتيجة — «فَيُلْقِي عَلى الكَفِّ… جَبينَهُ» إنّما وقع بعد أن مدّ يدَه ولم يَجْنِ شيئًا.
  • البيت ⁦12⁩ لا يُقدَّم: هو الخاتمة الّتي تغلق الدّائرة بفعل «يَنْسَاقُ»، ولا معنى لأن تُختَم القصيدةُ بما قبله.
وأبياتٌ يجوز فيها التّقديم والتّأخير:
  • البيتان ⁦7⁩ و⁦8⁩: حُكمٌ عامٌّ على الأرض والشّرّ، لا يرتبط بلحظةٍ بعينها من القصّة؛ يصلحان قبل البيت ⁦6⁩ وبعده.
  • البيتان ⁦2⁩ و⁦4⁩: كلاهما وصفٌ للشّيخ (مِشيتُه · صوتُه)، ولا يستلزم أحدُهما الآخر.

وكيف تسمّي الظّاهرة؟ حين يستقلّ البيتُ بمعناه ويجوز نقلُه، يسمّى ذلك وحدةَ البيت. وحين ترتبط الأبياتُ ارتباطًا لا يقبل التّقديمَ ولا التّأخير، تسمّى الوحدةَ العضويّة.

وكيف تحقّقت في هذا النّصّ؟ تحقّقتِ الوحدةُ العضويّة في هيكل القصيدة — مطلعٌ يُقدِّم، ثمّ وصفٌ متدرّج، ثمّ حُكمٌ عامّ، ثمّ خاتمةٌ تعود إلى المطلع — وبقيت وحدةُ البيت في داخل المقاطع، حيث تتجاور أبياتُ الوصف دون أن يستلزم أحدُها الآخر. ⟸ قصيدةٌ محكمةُ الطّرفين، مَرِنةُ الوسط.

⭐ الطّريقة المضمونة في هذا السّؤال: جرِّبْ فعلًا. خُذْ بيتين وبدِّلْ بينهما، ثمّ أعِدْ قراءة القصيدة. إن اختلّ المعنى فقد أثبتَّ الوحدةَ العضويّة بالدّليل، لا بالدّعوى.
🎓 نحو شهادة التّعليم المتوسّط. في النّصوص الشّعريّة يعود سؤالان لا يكادان يتخلّفان: «استخرجْ صورةً بيانيّةً واشرحْها وبيّنْ قيمتها»، و«ما النّمط الغالب ومؤشّراته؟». وفي كليهما المطلوب ثلاثةُ أشياء لا اثنان: التّسميةُ، ثمّ الشّاهدُ، ثمّ الأثرُ. ثلاثةُ مفاتيحَ جاهزة للصّورة البيانيّة: التّشبيه ⟸ ابحثْ عن الكاف أو «مِثل» أو حذفِهما · الاستعارة المكنيّة ⟸ اسمٌ جامدٌ أُسنِد إليه فعلُ حيٍّ (صوتٌ مُجرَّح، جوعٌ يَلوي) · الكناية ⟸ لفظٌ يذكر العلامةَ ويريد المعنى (اليد الصّفراء ⟸ الفقر). ⛔ والخطأ الأكثر تكرارًا في تحليل القصائد: أن يُقال «النّمطُ وصفيّ» ثمّ تُذكَر النّعوتُ وحدَها. النّعوتُ مؤشّرٌ واحد؛ اذكرْ معها الفعلَ المضارع والصّورَ البيانيّة والحواسّ، وستأخذ النّقطة كاملة.
خلاصة الدّرس. «سائل» قصيدةٌ لعبد الله البردّوني في اثني عشر بيتًا، نمطُها الغالب الوصف، يدخل عليه السّرد في مطلعها والحوار في بيتها السّادس. تصف شيخًا ضريرًا فقيرًا يمدّ يدَه «إلى كُلِّ عابِرٍ» فلا يَجني «إلَّا اليَأْسَ»، وتنتهي به إلى ما بدأت منه: مشْيٌ لا يدري صاحبُه إلى أين. وثلاثةُ أشياءَ تُؤخَذ من هذا النّصّ إلى كلّ قصيدة: أنّ الصّورةَ البيانيّة ليست زينة — فحين يصير الحصى «حَبَّاتِ دَمْعٍ مُجَمَّدِ» يصير الحزنُ أرضًا تُداس؛ وأنّ أداةَ النّفي تصف نفسًا — خمسةُ مواضعَ نُفِي فيها أن يعرف الرّجلُ وأن يكسب وأن يُبصر؛ وأنّ الضّميرَ يصنع الاتّساق — اثنا عشر بيتًا يمسكها خيطُ هاءٍ عائدةٍ إلى البيت الأوّل. ⭐ وعادةٌ خذها معك: حين تقرأ قصيدةً، انظرْ في بيتها الأخير هل يعود إلى الأوّل. إن عاد فأنت أمام قصيدةٍ مبنيّة، لا أمام أبياتٍ مجموعة.

Page 1/3

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net