Arabic Language

5 — العلم والتّقدّم التّكنولوجيّ فهم المكتوب

دراسة نصّ : التّقدم العلميّ والأخلاق

🔊 The teacher reads for you
في قرنٍ واحدٍ تعلّم الإنسانُ ما لم يتعلّمه في عشرين قرنًا: شقَّ الذّرّةَ، وداوى ما كان يقتل، وبلَغ ما لم تبلغْه أساطيرُ القدماء. وفي القرن نفسِه صنَع سلاحًا يمكنه أن يُنهيَ النّوعَ البشريّ كلَّه. ستقرأ في هذا الدّرس نصًّا لمفكّرٍ تونسيٍّ يسأل السّؤالَ الّذي يجب أن يُسأل. فهل يكفي أن نعرف أكثر لنكون أسعد؟ ومن يدلّ العلمَ على الطّريق إذا كان العلمُ لا يدلّ نفسَه؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديدِ ما بلغه الإنسانُ من انتصاراتٍ علميّةٍ وطبيعةِ الأزمة الّتي يعيشها رغمها
  • بيانِ الفرق بين ما يعطيه العلمُ وما تعطيه العقيدةُ والضّمير، كما يعرضه النّصّ
  • مقارنةِ هذا النّصّ بنصٍّ آخرَ درستَه في المقطع نفسِه من حيث قصدُ الكاتب والنّمطُ الموظَّف
  • بيانِ علاقة النّمط الغالب بقصديّة الكاتب، وانتقاءِ فقرةٍ تُظهِر كيف أعانه نمطُه على إقناعك
  • استنباطِ هيكلة فقرة حِجاجيّة: الفكرةُ · الرّابطُ المنطقيّ · الحُجّة
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • تمييزَ الأنماط: الحِجاجيّ والتّفسيريّ والسّرديّ
  • معرفةَ الرّوابط المنطقيّة: لأنّ · لكنّ · إذا · إلّا إذا · فـ · أمّا… فـ
  • استخراجَ الفكرة العامّة من نصّ والأفكارِ الأساسيّة من فقراته

أقرأ النّصّ — التَّقَدُّمُ العِلْمِيُّ والأَخْلاقُ

لقد تمكّن الإنسانُ من أوّل هذا القرن إلى اليوم من تسجيل انتصاراتٍ باهرةٍ بما اكتشفه من نواميسَ علميّةٍ واهتدى إليه من تطبيقاتٍ تقنيّةٍ عجيبةٍ، تساوي في حجمها وبُعدِ تأثيرها في مجرى الحياة ونوعِها ومعناها كلَّ ما تمّ كشفُه منذ أكثرَ من عشرين قرنًا، خاصّةً في علوم الطّبيعة والكيمياء والحياة والطّبّ. غيرَ أنّ الواقع — إذا نحن اسْتَبْصَرْنا الحقيقةَ — مليءٌ بالأخطار، زاخرٌ بنُقَط الاستفهام حول مستقبل الإنسان ومصيرِه؛ ذلك أنّ عددًا متزايدًا من الملاحظين يُجمِعون اليومَ على أنّ الإنسانيّة تعاني أزمةً حادّةً بلغت درجةَ التّساؤل حول بقاء الجنس البشريّ نفسِه، رغم التّقدّم المدهش الّذي سجّله الإنسان. وإذا نحن حصَرنا مصدرَ القلق وحتّى الخوف في ميدان الطّاقة النّوويّة والتّسابق الرّهيب نحو التّسلّح بالقنابل الذّرّيّة والهيدروجينيّة، أدركنا أنّ العلم أصبح اليومَ — رغم ازدهاره المادّيّ وتمدّنه — على شفا جُرفٍ هارٍ مُؤْذِنٍ بالويل والثُّبور.

إنّ التّأمّل في هذه المعطيات يجب أن يساعدنا على تقويم الحالة والنّظر إلى الواقع كما هو، لأنّ تحدّيَ الرّبع الأخير لهذا القرن يتمثّل في قدرتنا على إعادة الرّوح للإنسان حتّى يتحكّم في نفسه، ويُحيِيَ منه الجانبَ النّبيل، ويُقدِمَ على تغيير ما به. وكثيرٌ أولئك الّذين يرون أنّ العلم يسير في تقدّمه سيرًا حتميًّا، وأنّه كلّما ازداد عِلمُ الإنسان ازدادت معه قوّتُه؛ ثمّ إنّهم لا يقفون عند هذا الحدّ، بل يذهبون إلى أنّ هذا التّقدّم يجعل الإنسانَ أقربَ إلى السّعادة والكمال والحكمة ممّا كان عليه النّاسُ في القديم، وذلك بالاعتماد على وسائلَ مادّيّةٍ محسوسة، إذ إنّ الإنسان قادرٌ بتسلّحه بالعلم على الوصول إلى تحقيق كلّ المنجزات الّتي لم يحقّقها حتّى خيالُ القدماء في خرافاتهم وأساطيرِهم. لكنّ هؤلاء يتناسَون أنّ العلم هو مجموعةٌ من المعارف الّتي لا تكون لها قيمةٌ إلّا إذا أحسن الإنسانُ استعمالَها، وهذا الاستعمالُ يتّصل دائمًا بالعقيدة والأمل المنشود. فمن الممكن أن يُخرِّب الدّنيا تخريبًا، ومن الممكن أيضًا أن يجعل منها جنّةَ الخلد؛ لكنّ العلم لا يدلّنا على الاتّجاه الأخلاقيّ القويم، وعلى السّبيل السّليم الرّوحيّ الّذي إن سِرنا فيه تجنّبنا أنواعَ المزالق والدّمار. فالعقيدةُ إذن أمرٌ يتّصل بالضّمير الحيّ، أمّا العلمُ فإنّه يتّصل بالعقل وحده. وقديمًا قالوا: علمٌ غزيرٌ لا يعتمد على ضميرٍ لا يعدو أن يكون خرابًا للنّفوس.

محمّد مزالي، مجلّة الفكر، عدد سنة ⁦1976⁩.

صاحب النّصّ — محمّد مزالي. وُلد في المنستير بتونس سنة ⁦1925⁩. زاول تعليمَه الابتدائيَّ والثّانويَّ في تونس، ثمّ انتقل إلى فرنسا لمزاولة تعليمه العالي حيث تخصّص في الفلسفة. رجع إلى تونس واشتغل مدرِّسًا بالمدرسة الصّادقيّة، وأسّس مجلّة الفكر الّتي كان يدافع من خلالها عن أفكاره المتعلّقة بالأصالة والتّعريب، وتقلّد عدّة مناصبَ وزاريّةٍ في الدّولة التّونسيّة. ومن اهتماماته الفكريّة قضيّةُ العلم والأخلاق الّتي يتناولها النّصّ الّذي بين يديك.
📖أثري رصيدي اللّغويّ
  • نواميس علميّة: قوانينُ علميّة، مفردُها ناموس.
  • استبصرنا الحقيقة: استَبَنّاها وعرفناها.
  • التّسابق الرّهيب: التّنافسُ المخيف.
  • على شفا جُرفٍ هارٍ: مَثَلٌ سائرٌ يُضرَب لما يكون في منتهى الوَهَن والانحلال والإشراف على الزّوال، وقد ورد ذِكرُه في القرآن الكريم.
  • الحتميّ: الواجبُ المفروض.
  • الأساطير: الخرافاتُ الّتي لا أساسَ لها من الصّحّة، والواحدةُ أسطورة، وهي البعيدة عن الواقع المألوف.
  • العقيدة: التّصديقُ بالشّيء والجزمُ به.

أفهم النّصّ وأناقش فِكَرَهُ

⁦1⁩ — ما الّذي ساعد الإنسانَ في بداية هذا القرن على انتصاراته في كلّ المجالات العلميّة؟ · ⁦2⁩ — وما قيمةُ هذه الفتوحات بالنّسبة لما تمّ اكتشافُه من قبل؟

ساعده أمران، والنّصّ يذكرهما معطوفَين في أوّل سطر: «بما اكتشفه من نواميسَ علميّةٍ» — أي القوانين الّتي تُفهَم بها الطّبيعة — «واهتدى إليه من تطبيقاتٍ تقنيّةٍ عجيبةٍ» — أي ما صُنِع بتلك القوانين.

⭐ ولاحِظِ التّرتيبَ: قانونٌ يُكتشَف، ثمّ تطبيقٌ يُصنَع. ⟸ فالعلمُ عنده مرحلتان: أن تفهم، ثمّ أن تعمل بما فهمت.

وأمّا قيمتُها فقيمةٌ يقيسها النّصّ بمقياسٍ مذهل: «تساوي في حجمها وبُعدِ تأثيرها في مجرى الحياة ونوعِها ومعناها كلَّ ما تمّ كشفُه منذ أكثرَ من عشرين قرنًا».

قياسُ القيمة كما يعرضه النّصّ
وجهُ القياسما يقوله النّصّ
المدّةقرنٌ واحدٌ يساوي «أكثرَ من عشرين قرنًا»
أوجهُ التّأثيرثلاثة: في مجرى الحياة، وفي نوعها، وفي معناها
الميادين«خاصّةً في علوم الطّبيعة والكيمياء والحياة والطّبّ»

⭐ وانتبهْ إلى الوجه الثّالث: «معناها». ⟸ فالكاتبُ لا يقول إنّ العلم غيّر كيف نعيش فحسب، بل غيّر ما تعنيه الحياةُ نفسُها. وهذه الكلمةُ هي أوّلُ بابٍ يفتحه إلى موضوعه: الأخلاق.

⁦3⁩ — ما طبيعةُ الأزمات الّتي تعاني منها الإنسانيّةُ رغم تقدّمها العلميّ والتّكنولوجيّ؟

أزمةٌ واحدةٌ في جذرها، لكنّها بلغت أخطرَ درجةٍ ممكنة: التّساؤلَ عن بقاء النّوع البشريّ نفسِه.

درجاتُ الأزمة كما يتدرّج بها النّصّ
الدّرجةالشّاهد
واقعٌ خطِر«الواقعُ… مليءٌ بالأخطار، زاخرٌ بنُقَط الاستفهام حول مستقبل الإنسان ومصيرِه»
إجماعُ الملاحظين«عددًا متزايدًا من الملاحظين يُجمِعون اليومَ»
أزمةٌ حادّة«الإنسانيّة تعاني أزمةً حادّةً»
تساؤلٌ عن البقاء«بلغت درجةَ التّساؤل حول بقاء الجنس البشريّ نفسِه»
مصدرُ القلق مُعيَّن«ميدانُ الطّاقة النّوويّة والتّسابقُ الرّهيب نحو التّسلّح بالقنابل الذّرّيّة والهيدروجينيّة»
الحُكم«العلم أصبح اليومَ — رغم ازدهاره المادّيّ وتمدّنه — على شفا جُرفٍ هارٍ مُؤْذِنٍ بالويل والثُّبور»

⭐ فطبيعةُ الأزمة إذًا ليست علميّةً بل أخلاقيّة: العلمُ نجح، والإنسانُ هو الّذي في خطر. ⟸ ولاحِظْ أنّ الكاتب يضع الخطرَ في العلم نفسِه بلفظٍ عجيب: «العلمُ… على شفا جُرفٍ هارٍ» — أي أنّ العلمَ هو الّذي يقف على حافّة الانهيار، لا الإنسانُ وحده.

ولاحِظْ كذلك عبارةَ الاحتراس المكرَّرة: «رغم التّقدّم المدهش» · «رغم ازدهاره المادّيّ وتمدّنه». ⟸ «رغم» تعترف بالإنجاز قبل أن تُنذِر؛ ومن أنكر إنجازَ خصمه لم يُسمَع منه.

⁦4⁩ — ما الّذي يفتقده الإنسانُ ليتحكّم في نفسه ويُسخِّر العلمَ لخدمته؟ · ⁦5⁩ — ولِمَ لم تستطعْ وسائلُ العلم المادّيّة أن تُحقّق السّعادة للإنسان؟

يفتقد الرّوحَ والضّميرَ، لا المعرفة. والنّصّ يسمّي المطلوبَ بعبارةٍ واحدة: «قدرتُنا على إعادة الرّوح للإنسان»، ويفصّلها في ثلاثة أفعال:

  1. «حتّى يتحكّم في نفسه» — والتّحكّمُ في النّفس غيرُ التّحكّم في المادّة.
  2. «ويُحيِيَ منه الجانبَ النّبيل» — أي أنّ الجانبَ النّبيل موجودٌ ولكنّه ميّت.
  3. «ويُقدِمَ على تغيير ما به» — والتّغييرُ يبدأ من الدّاخل.

ولِمَ لم تُحقّق الوسائلُ المادّيّة السّعادة؟ الجوابُ في جملتين من النّصّ، وهما لُبُّ أطروحته:

لِمَ لا يكفي العلم؟
الشّاهدما يعنيه
«العلمُ هو مجموعةٌ من المعارف الّتي لا تكون لها قيمةٌ إلّا إذا أحسن الإنسانُ استعمالَها»قيمةُ العلم ليست فيه، بل في يد مستعمِله
«فمن الممكن أن يُخرِّب الدّنيا تخريبًا، ومن الممكن أيضًا أن يجعل منها جنّةَ الخلد»الأداةُ واحدةٌ والنّتيجتان متضادّتان — فليس في الأداة ما يرجّح
«لكنّ العلم لا يدلّنا على الاتّجاه الأخلاقيّ القويم»العلمُ يعطي القوّةَ ولا يعطي الوِجهة
«فالعقيدةُ إذن أمرٌ يتّصل بالضّمير الحيّ، أمّا العلمُ فإنّه يتّصل بالعقل وحده»لكلٍّ ميدانُه: العقلُ يعرف، والضّميرُ يختار

⭐ وهذه صورةٌ تُقرِّب لك الفكرة: العلمُ سيّارةٌ قويّةُ المحرِّك، والضّميرُ مِقودُها. ⟸ فزيادةُ قوّة المحرّك لا تجعل السّيّارةَ تصل: هي تجعلها تصل أسرعَ إلى حيث تُوجَّه — إلى الوِجهة أو إلى الهاوية.

⁦6⁩ — كيف نُحسِن استعمالَ المعارف العلميّة لتجنيب الإنسانيّة الخرابَ والدّمار؟

ابدأْ بما يقوله النّصّ، فهو يعطي المبدأَ ولا يعطي البرنامج: «هذا الاستعمالُ يتّصل دائمًا بالعقيدة والأمل المنشود» · و«فالعقيدةُ… أمرٌ يتّصل بالضّمير الحيّ» · ثمّ الحكمةُ الّتي ختم بها: «علمٌ غزيرٌ لا يعتمد على ضميرٍ لا يعدو أن يكون خرابًا للنّفوس».

ثمّ رتّبْ جوابك على ثلاث درجات — فهذا ما يجعله جوابًا لا أمنية
  1. ما يفعله المتعلّم: أن يسأل عن غاية ما يتعلّمه لا عن نفعه فقط؛ فالسّؤال «لماذا؟» هو مِقود العلم.
  2. ما يفعله العالِم: ألّا يفصل بين مختبره وضميره — والنّصّ يقول إنّ العلم «يتّصل بالعقل وحده»، فالوصلُ بالضّمير يأتي من العالِم لا من العلم.
  3. ما تفعله الدّولة والمجتمع: أن يُدرَّس العلمُ ومعه الأخلاقُ، وأن تُوضَع للبحث حدودٌ لا يتجاوزها — كما يُنذِر النّصّ في مسألة السّلاح النّوويّ.

ثمّ اِختَرْ درجةً واحدةً ترى أنّها الأنجع وقُلْ لماذا. ⭐ ولا تنسَ أن تُبيّن أنّ النّصّ نفسَه لا يقدّم حلولًا تفصيليّة: هو يقول أين يقع الخطأُ، ويترك العلاجَ لمن يقرأ. ومن الأمانة أن تقول ذلك في ورقتك.

⁦7⁩ — أصحيحٌ أنّ الإنسان كلّما ازداد علمًا كان أقربَ إلى السّعادة والكمال والحكمة؟ علّلْ · ⁦8⁩ — وهل ترى أنّ تطوير البحث العلميّ وتثمينَ مكانة العلماء ضروريٌّ لنقل بلادنا إلى مصافِّ الدّول المتقدّمة؟
⭐ قبل أن تُجيب، انتبهْ إلى أمرٍ يُغيّر السّؤال كلَّه: هذه الجملةُ ليست رأيَ الكاتب، بل رأيُ خصومه الّذي يعرضه لينقضه. اقرأْ: «وكثيرٌ أولئك الّذين يرون… ثمّ إنّهم لا يقفون عند هذا الحدّ، بل يذهبون إلى أنّ هذا التّقدّم يجعل الإنسانَ أقربَ إلى السّعادة والكمال والحكمة». ⟸ ومن نسَب رأيَ الخصم إلى الكاتب فقد قلَب النّصّ.

وجوابُ الكاتب عنها صريح: «لكنّ هؤلاء يتناسَون أنّ العلم هو مجموعةٌ من المعارف الّتي لا تكون لها قيمةٌ إلّا إذا أحسن الإنسانُ استعمالَها».

وأمّا رأيُك أنت فابنِه على تمييزٍ واحدٍ يحسم الجواب:
  • العلمُ يزيد القدرة — وهذا لا يُنكَر، والنّصّ يُقِرّ به: «كلّما ازداد عِلمُ الإنسان ازدادت معه قوّتُه».
  • والسّعادةُ والحكمةُ ليستا قدرةً بل اختيارًا — ومن ملَك القدرةَ لم يملكْ بها الاختيارَ الصّحيح.
  • ⟸ فالجواب: العلمُ شرطٌ لازمٌ وليس كافيًا. وقُلْ ذلك بجملتك أنت، واستشهدْ بجملةٍ من النّصّ.

وأمّا السّؤال الثّامن فسؤالُ رأيٍ في بلادك، وهو من نوعٍ آخر: لا يسأل عن كفاية العلم، بل عن ضرورته. ⟸ ولاحِظْ أنّ الجوابين لا يتناقضان: يمكن أن يكون العلمُ ضروريًّا للتّقدّم وغيرَ كافٍ للسّعادة. ⭐ وأقوى جوابٍ هنا هو الّذي يجمع بين الاثنين: نطوّر البحثَ العلميَّ ونُلحِق به ما يوجّهه، عملًا بما يختم به النّصّ: «علمٌ غزيرٌ لا يعتمد على ضميرٍ لا يعدو أن يكون خرابًا للنّفوس».

أكتشف نمط النّصّ وأبيّن خصائصه

⁦1⁩ — قابِلْ نصَّ «الأنترنت» — الّذي درستَه في هذا المقطع — بهذا النّصّ: هل قصدُ الكاتبين واحدٌ أم لا؟ علّلْ · ⁦2⁩ — وهل استعمل كلٌّ منهما الأنماطَ نفسَها؟ علّلْ.

لا، قصدُهما مختلف؛ ولذلك اختلفت أنماطُهما. وهذه المقابلةُ أنفعُ ما في الدّرس، لأنّها تُريك بالمثال أنّ النّمط يتبع القصد.

📜نصّان في العلم والتّقنية — وقصدان مختلفان
وجهُ المقابلة«الأنترنت» — يوسف حسين«التّقدّم العلميّ والأخلاق» — محمّد مزالي
القصدأن يُفهِم قارئًا لا يعرف الشّبكةَ ما هي: تعريفُها، وما يلزم لاستعمالها، وكيف نشأتأن يُقنِع قارئًا برأيٍ يخالفه فيه كثيرون: أنّ العلم بلا ضميرٍ خرابٌ للنّفوس
هل فيه رأيٌ يُدافَع عنه؟لا؛ يعرض الوجهين ولا يرجّح: نفعًا في الاتّصال والمعرفة، وقلقًا للحكوماتنعم، وهو صريح؛ بل يعرض رأيَ الخصم ثمّ يردّه
النّمط الغالبتفسيريّحِجاجيّ
النّمط الخادمالسّرد — «كانت الانطلاقةُ الفعليّة… قام البانتاغون…»التّفسير — شرحُ ما هو العلم وما هي العقيدة والفرقُ بينهما
أظهرُ مؤشّراتهالتّعريفُ بأداة «هي» · التّمثيلُ والتّشبيه للتّقريب · الأرقامُ والإحصائيّات · أدواتُ التّعليلإصدارُ المواقف · عرضُ رأي المخالف ثمّ نقضُه بـ«لكنّ» · الاستشهادُ بالحكمة · أدواتُ الشّرط والاستدراك

⭐ والدّليلُ العمليّ على اختلاف القصد: نصّ «الأنترنت» لم يقلْ في آخره ما ينبغي أن نفعل؛ وهذا النّصّ يقول في آخره حُكمًا: «علمٌ غزيرٌ لا يعتمد على ضميرٍ لا يعدو أن يكون خرابًا للنّفوس». ⟸ مَن يُعلِم يقف عند الخبر، ومَن يُقنِع لا بدّ أن ينتهيَ إلى حُكم.

⁦3⁩ — فما علاقةُ النّمط الغالب في هذا النّصّ بقصديّة كاتبه؟ · ⁦4⁩ — وانتقِ فقرةً تُبيّن كيف ساعد النّمطُ الكاتبَ في إقناعك بوجهة نظره.

العلاقةُ علاقةُ لزوم: قصدُه أن يُقنِع، والإقناعُ لا يقع إلّا بالحِجاج. ⟸ ولو أراد أن يُعلِمك بأخطار السّلاح النّوويّ لَاكتفى بالتّفسير والأرقام؛ لكنّه يريد أن تُغيّر رأيَك في علاقة العلم بالأخلاق، ومن أراد تغييرَ رأيٍ لزِمه أن يواجهه.

والفقرةُ الّتي تُبيّن ذلك أوضحَ بيان هي الجزءُ الأوسط من الفقرة الثّانية، حيث يعرض رأيَ خصومه كاملًا ثمّ يردّه:

كيف يبني الكاتبُ إقناعَه في خمس خطوات
الخطوةالشّاهدما تصنعه
① يعرض رأيَ الخصم بأمانة«وكثيرٌ أولئك الّذين يرون أنّ العلم يسير في تقدّمه سيرًا حتميًّا، وأنّه كلّما ازداد عِلمُ الإنسان ازدادت معه قوّتُه»لا يُضعِف خصمَه ليسهُل ردُّه — وهذا ما يجعل القارئ يثق به
② يزيده قوّةً«ثمّ إنّهم لا يقفون عند هذا الحدّ، بل يذهبون إلى أنّ هذا التّقدّم يجعل الإنسان أقربَ إلى السّعادة»يعرض رأيَهم في أقوى صوره، لا في أضعفها
③ ينقض بأداةٍ واحدة«لكنّ هؤلاء يتناسَون أنّ العلم هو مجموعةٌ من المعارف»«لكنّ» تقلب الاتّجاه، و«يتناسَون» تقول إنّهم يعرفون ويتغافلون
④ يعرض الوجهين المحتمَلين«فمن الممكن أن يُخرِّب الدّنيا تخريبًا، ومن الممكن أيضًا أن يجعل منها جنّةَ الخلد»يُثبِت أنّ الأداةَ محايدة، فيسقط ادّعاءُ أنّ العلم بذاته يُسعِد
⑤ يختم بحكمةٍ مأثورة«وقديمًا قالوا: علمٌ غزيرٌ لا يعتمد على ضميرٍ لا يعدو أن يكون خرابًا للنّفوس»شاهدٌ من خارج النّصّ يُغلِق الحُجّة بجملةٍ تُحفَظ

⭐ وأنفعُ ما تأخذه من هذه الفقرة درسٌ في الكتابة: مَن أراد أن يُقنِعك بدأ بأن يفهم خصمَه. والكاتبُ هنا يعرض رأيًا مخالفًا في ثلاثة أسطرٍ كاملة قبل أن يردّه بسطر. ⟸ والرّدّ الّذي لا يسبقه عرضٌ أمينٌ ليس ردًّا، بل مبارزةً مع خصمٍ لا وجودَ له.

أبحث عن ترابُط جُمل النّصّ وانسجام معانيه

⁦1⁩ — عُدْ إلى الفقرة الأخيرة من النّصّ واستنبطْ هيكلتَها من حيث بناءُ الكاتب لأفكاره.
هيكلةُ الفقرة الأخيرة: الفكرةُ · الرّابطُ المنطقيّ · الحُجّة
الفكرةالرّابط المنطقيّالحُجّة
«إنّ التّأمّل في هذه المعطيات يجب أن يساعدنا على تقويم الحالة والنّظر إلى الواقع كما هو»لأنّ«تحدّيَ الرّبع الأخير لهذا القرن يتمثّل في قدرتنا على إعادة الرّوح للإنسان… على تغيير ما به»
«وكثيرٌ أولئك الّذين يرون أنّ العلم يسير في تقدّمه سيرًا حتميًّا»ثمّ… بل«يذهبون إلى أنّ هذا التّقدّم يجعل الإنسانَ أقربَ إلى السّعادة والكمال والحكمة»
«لكنّ هؤلاء يتناسَون أنّ العلم هو مجموعةٌ من المعارف»لكنّ (استدراك) + إلّا إذا (شرط)«لا تكون لها قيمةٌ إلّا إذا أحسن الإنسانُ استعمالَها»
«فمن الممكن أن يُخرِّب الدّنيا… ومن الممكن أيضًا أن يجعل منها جنّةَ الخلد»لكنّ«لكنّ العلم لا يدلّنا على الاتّجاه الأخلاقيّ القويم»
«فالعقيدةُ إذن أمرٌ يتّصل بالضّمير الحيّ»فـ… إذن (نتيجة) + أمّا… فـ (تفصيل)«أمّا العلمُ فإنّه يتّصل بالعقل وحده» · «وقديمًا قالوا: علمٌ غزيرٌ لا يعتمد على ضميرٍ…»

⭐ واقرأِ العمودَ الأوسطَ وحدَه من أعلى إلى أسفل: «لأنّ ⟸ ثمّ… بل ⟸ لكنّ… إلّا إذا ⟸ لكنّ ⟸ فـ… إذن… أمّا». ⟸ ستجد أنّك قرأتَ الفقرةَ كلَّها. فالرّوابطُ في النّصّ الحِجاجيّ ليست حَشْوًا بين الجُمَل: هي هيكلُ الفقرة، وما بينها لحمٌ عليه.

⭐ ولاحِظِ الرّابطَ الّذي يتكرّر مرّتين: «لكنّ». وفي كلّ مرّةٍ يقلب الاتّجاه: مرّةً ليردّ على رأي الخصم، ومرّةً ليردّ على إمكانٍ ذكره هو بنفسه. ⟸ الكاتبُ الحِجاجيُّ يستدرك حتّى على نفسه، لئلّا يُفهَم منه ما لم يُرِدْ.

🎓 نحو شهادة التّعليم المتوسّط. في النّصوص الحِجاجيّة يعود سؤالان: «ما علاقةُ النّمط بقصد الكاتب؟» و«استنبطْ هيكلة الفقرة: الفكرةُ والرّابطُ والحُجّة». والفخّ في الأوّل أن يُذكَر النّمطُ ويُنسى القصد، وفي الثّاني أن تُخلَط الفكرةُ بالحُجّة. ثلاثةُ عناصرَ جاهزة: ① الفكرةُ حُكم، والحُجّةُ ما يُسنِده — فاسألْ دائمًا: أيُّهما يخدم الآخر؟ ② الرّابطُ يدلّك على نوع العلاقة: «لأنّ» تعليل · «لكنّ» استدراك · «إلّا إذا» شرط · «فـ… إذن» نتيجة ③ علامةُ الحِجاج الكبرى: أن يَعرِض الكاتبُ رأيًا مخالفًا ثمّ يردّه. ⛔ والخطأ الأكثر تكرارًا في هذا النّصّ بعينه: أن يُنسَب رأيُ الخصم إلى الكاتب. جملةُ «كلّما ازداد عِلمُ الإنسان ازدادت معه قوّتُه» يقولها الكاتبُ عن غيره، والدّليلُ ما قبلها: «وكثيرٌ أولئك الّذين يرون». ⟸ اُنظرْ دائمًا إلى فعل النّسبة قبل أن تنسب قولًا إلى قائل.
خلاصة الدّرس. «التّقدّم العلميّ والأخلاق» نصٌّ لمحمّد مزالي، نمطُه الغالب حِجاجيّ يخدمه التّفسير. يبدأ بالإقرار بانتصارات القرن — قرنٌ يساوي «أكثرَ من عشرين قرنًا» — ثمّ يقلب الصّفحةَ بـ«غيرَ أنّ»: فالإنسانيّةُ تعاني «أزمةً حادّةً» بلغت التّساؤلَ عن بقاء الجنس البشريّ، ومصدرُها السّلاحُ النّوويّ. ثمّ يعرض رأيَ من يرى أنّ العلم وحدَه كافٍ، ويردّه بأنّ «العلم مجموعةٌ من المعارف لا تكون لها قيمةٌ إلّا إذا أحسن الإنسانُ استعمالَها». وثلاثةُ أشياءَ تُؤخَذ منه: أنّ النّمط يتبع القصد — نصّان في العلم، أحدُهما يُفهِم فجاء تفسيريًّا، والآخرُ يُقنِع فجاء حِجاجيًّا؛ وأنّ عرض رأي الخصم بأمانةٍ قوّةٌ لا ضعف؛ وأنّ الرّوابط هي هيكل الفقرة الحِجاجيّة — «لأنّ · بل · لكنّ · إلّا إذا · فـ… إذن». ⭐ وعادةٌ خذها معك: حين تجد في نصٍّ رأيًا قويًّا معروضًا في ثلاثة أسطر، لا تنسبْه إلى الكاتب قبل أن تقرأ السّطر الرّابع. فقد يكون عرَضه ليهدمه.

Page 1/3

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net