Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي في الشعور واللاشعور

ضبط المفاهيم والتصورات

🔊 The teacher reads for you
الساعة التي تقضيها في قاعة الامتحان والساعة التي تقضيها مع أصدقائك متساويتان تماما على عقارب الساعة: ستّون دقيقة، لا تزيد ولا تنقص، ويشهد بذلك أيّ جهاز قياس في العالم. ومع ذلك تعرف تمام المعرفة أنّهما ليستا سواء: إحداهما تزحف والأخرى تطير. فمن أين جاء هذا الفرق والزمن واحد ؟ ومن ذا الذي يقيس هذا الزمن الآخر الذي لا تقيسه أيّة ساعة ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • ضبط تصوّر الشعور بوصفه معرفة مباشرة أوّلية وذاتية، وبيان لماذا يُعاش ولا يُعرَّف
  • التمييز بين الشعور العفوي والشعور الإرادي، وبيان النسبة بينهما
  • تعداد خصائص الشعور: التدفّق، والاتّصال، والكيفية، والشخصية، والانتقائية
  • ضبط تصوّر اللاشعور وتمييز أشكاله، وتوظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها ومرجعها
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • الفرق بين الإحساس والإدراك، وبين الظاهرة النفسية والظاهرة الفيزيولوجية
  • الفرق بين الموضوعي والذاتي، وبين الكمّ والكيف
  • طريقة طرح مشكلة فلسفية وتحرير مقدّمة تنتهي بالسؤال
ما هو مفهوم الشعور وما هي خصائصه ؟ وهل هو من طبيعة موضوعية، أم أنّ لكلّ إنسان شعوره الذاتي والخاصّ ؟ ثمّ هل الشعور مصباح يضيء كلّ جوانب الحياة النفسية ؟ ألا يوجد فينا مجال مظلم لا تتسرّب إليه أضواء هذا المصباح ؟

مقدمة : طرح المشكلة

إذا كنّا نحكم على الإنسان بأنّه الكائن الحيّ الوحيد القادر على التحكّم في سلوكاته وتوجيهها بشكل حرّ ومسؤول، وبأنّه المدرك والعارف والمالك لشخصية وهويّة، فإنّ ذلك كلّه يعود مبدئيا إلى أنّه كائن واعٍ لذاته الباطنية من جهة، ولما يحيط بها في العالم الخارجي من جهة أخرى ؛ فلولا الوعي — أي الشعور — لما كان حرّا ولا مسؤولا ولا مالكا لهويّة، بل ولا منتجا لأفكار ولا مبدعا لثقافة وحضارة. لكن هل هذا يعني أنّ الشعور مصباح يضيء كلّ جوانب الحياة النفسية ؟ ألا يوجد فينا مجال مظلم لا تتسرّب إليه أضواء هذا المصباح ؟ وقبل الحكم في ذلك كلّه، لا بدّ من ضبط التصوّرين معا: فما الشعور في تعريفه وخصائصه ؟ وما اللاشعور في دلالته وأشكاله ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وضعية مشكلة : سجينان وساعة واحدة

لنتصوّر شخصين سجينين في زنزانتين متجاورتين، ولا يوجد في زنزانة كلّ منهما سوى سرير وساعة حائطية بعيدة المنال في الأعلى، ولدقّاتها صوت جدّ مسموع ؛ فأمّا أحدهما فمحكوم عليه بالعقوبة الكبرى وسيُنفَّذ فيه الحكم بعد شهر، وأمّا الثاني فسيستنفد عقوبته ويُفرج عنه بعد شهر أيضا. فعلى الرغم من أنّ المدّة هي نفسها وثابتة فيزيائيا من الناحية الموضوعية، فإنّ السجين الأوّل المحكوم عليه بإنهاء حياته سينظر إلى الساعة الحائطية فيرى عقاربها متسارعة جدّا، تتحوّل فيها الساعات إلى دقائق وربّما إلى ثوانٍ ؛ فكأنّه يمتطي آلة الزمن وهي تجري بسرعة فائقة بحيث يتعذّر عليه أن يخفّف منها أو يعطّلها. أمّا السجين الثاني الذي سيستنفد العقوبة بعد المدّة نفسها لينعم بالحرّية من جديد، فإنّه — على عكس الأوّل — سينظر إلى الساعة فيُخيَّل إليه أنّ الزمن يسير بطيئا متثاقلا إلى الحدّ الذي يبدو فيه وكأنّه ساكن، فيتمنّى لو أنّه يمتلك القدرة على التحكّم في آلة الزمن فيدفعها بكلّ قوّة وسرعة، لكنّه يقف عاجزا دون ذلك.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. ما يجمع بين الحالتين : ففيهما كان الزمن هو موضوع الشعور، وقد تمّت الإحاطة به كمعرفة مباشرة وأوّلية بواسطة الإحساس البصري — أي النظر إلى الساعة — وفيهما تكوّن انطباع باطني حول قيمة تمّ إضفاؤها على الموضوع، كما انتهى كلاهما إلى معايشة انفعال مقرون بحدث متوقَّع تمّ تخيّله.
  2. وما يفرّق بينهما : فما خلا تلك المعرفة الأوّلية، اختلفت نتائج الشعور ذاته في الحالتين وتمايزت، بل انفصلت عن المعطيات الواقعية لموضوع الشعور، وبدا وكأنّنا أمام نوعين من المعرفة لا معرفة أوّلية واحدة.
  3. وشتّان بين أن نعيش في الزمن وأن يعيش الزمن فينا : فكانت معايشة الزمن تجعل تسارعه يرتفع أو يتباطأ بحسب تأثيره فيهما ؛ لأنّ هذه المعايشة تجعل لحظات السعادة تمرّ سريعة، بينما لحظات الشقاء تسري ببطء شديد. ⟸ ومن وحي هذا التمايز نتساءل: ما مفهوم الشعور وما خصائصه ؟

I – ماذا عن الشعور كإحاطة بمجالات الحياة النفسية وكمعرفة بأسبابها الباطنة والظاهرة ؟

أولا : الشعور باعتباره معرفة مباشرة وأوّلية

إنّ اعتبار الشعور — أي الوعي — بمثابة الحدس أو الاطّلاع المباشر دون وسائط على الحياة النفسية الباطنية، لا يمكن أن يكون إلاّ مفهوما تقريبيا. وسبب ذلك أنّه ليس معطى من بين المعطيات حتّى نردّه إلى ما هو أبسط منه، بل هو الشرط الذي بدونه لا يكون تفكير أصلا ؛ ولهذا يقع في التعريف ما يشبه الدور: كلّ تعريف تحاوله يفترض الشعور نفسه.

  1. الشعور معرفة أوّلية : فهو اطّلاع مباشر لا واسطة فيه بين الذات وأحوالها ؛ ولذلك لا يُحلَّل إلى عناصر أبسط منه.
  2. والشعور معرفة ذاتية : فأثناء ملاحظة العالم الخارجي تلاحظ الذات تمايزها واستقلالها عن الظواهر الملاحَظة، إنّها ظواهر تتميّز بالشيئية، فالذات تعي أنّ ما تلاحظه غير ماهيتها وكينونتها ؛ أمّا حدس الأحوال الباطنية ومعايشتها فتجعلنا ندرك بوضوح أنّنا والحادث المعيش أمر واحد، فكلاهما عين الآخر.
  3. وهو حميميّ لا يُنقل إلاّ بوسائط : فأنا الحزين، وأنا المحبّ، وأنا المريد ؛ أنا وحدي من يعاني ذلك، وأنا أدرى الناس بأحوالي ؛ ولا يمكنني الاطّلاع على ما يجري في أعماق غيري إلاّ عبر طريق غير مباشر: باللغة أو السلوك الظاهر.
  4. ولذلك تخوننا اللغة في نقله : إذ يصعب علينا في كثير من الحالات نقل مشاعرنا بصدق، فنلجأ إلى الأساليب غير المباشرة، ولا نستطيع أن نتلمّس هذه المشاعر بشكل تامّ وشامل أبدا ؛ إنّها أمور تُعاش ولا توصف، وتُعرَف دون أن تُعرَّف.
هاملتون — الشعور جذر كلّ تفكير

«… أحد المعطيات الأساسية للتفكير، والذي لا يمكن تحليله إلى عناصر أبسط ؛ ومن هنا فالشعور لا يُعرَّف رغم وصفاته (الذاتية، التغيّر…) ؛ يمكننا أن نَعْرِف (نحن) بوضوح ما الشعور، لكنّنا لا نستطيع دون خلط أن ننقل للغير ما نعيه بوضوح. والعلّة في ذلك بسيطة: إنّ الشعور هو جذر كلّ تفكير.» هاملتون ⁦(1788 – 1856)⁩ فيلسوف اسكتلندي، من أهمّ مؤلّفاته: الميتافيزيقا والمنطق ؛ نقلا عن Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Vol. I, p 174

جميل صليبا — عالمٌ لا يطّلع عليه إلاّ صاحبه

كلّ عواطفي وذكرياتي هي أحوال شعورية خاصّة بي، فهي عالمي أنا وحدي، لا يمكن لأحد الاطّلاع عليها بصورة مباشرة وحميمية إلاّ شخص واحد هو أنا ؛ وبدون وسائط أعي بوضوح ما يجري في أعماقي. وهذه الخاصّية هي التي تفصل الحياة النفسية عن كلّ موضوع آخر: فالشيء يُلاحَظ من الخارج ويشترك في ملاحظته الجميع، والحال الشعورية تُعاش من الداخل ولا يعيشها إلاّ واحد. جميل صليبا، علم النفس، ص، 117، 118

ثانيا : الشعور وحدة في كثرة وتغيّر في اتصال

إنّ للشعور صورا وصفات متنوّعة، لكنّ وحدته لا تنفصم ؛ فكيف نزيل هذا التعارض ؟ نبدأ من درجتيه: فتظهر الحالات النفسية في الشعور العفوي بثوبها الطبيعي المجرّد من كلّ تأمّل ؛ فالفرح والحزن والخوف والغضب حالات نعيشها، وهي ظواهر متّصلة يشترك فيها الطفل والإنسان البدائي والإنسان المتحضّر، تقفز إلى ساحة الشعور ويسيّرها في الغالب قانون التداعي الحرّ. أمّا حين نعود إلى أنفسنا ونتأمّل ونمعن النظر فيما نعيشه بشكل قصدي، لتصبح الموضوعات التي نفكّر فيها حقائق واضحة تشبه إلى حدّ بعيد موضوعات العالم الخارجي، كنّا إزاء الشعور الإرادي. والفرق بينهما أنّ العفوي حالاته انفعالية أو عقلية أو فاعلة، أمّا الإرادي فلا يمكن لحالاته أن تكون إلاّ عقلية تأمّلية ؛ فاللذّة حالة شعورية عفوية، والتفكير فيها حالة شعورية إرادية. ⟸ ونخلص إلى أنّ العفوي بسيط والإرادي مركّب، وأنّ الإرادي إنّما يقوم على العفوي، والنسبة بينهما كنسبة الإحساس إلى الإدراك.

وليم جيمس — تيّار لا يعرف السكون

«كثيرا ما ننتقل من إحساس بصري إلى إحساس سمعي، ومن حكم إلى عزم، ومن ذكرى إلى أمل، ومن حبّ إلى بغضاء […] ولشدّ ما يختلف إدراكنا للأشياء بحسب ما نكون أيقاظا أو نعاسا، جياعا أو شباعا، في الراحة أو في التعب ؛ فيتبدّل شعورنا بالأشياء بين عشيّة وضُحاها، أو بين الصيف والشتاء، أو بين الطفولة والشباب والشيخوخة […] وكثيرا ما نعجب لتبدّل قيم الأشياء في أعيننا، فيدهشنا اليوم ما اتّخذناه أمس من الأحكام، ونرى الأشياء كلّ عام بألوان جديدة، فيغدو الخيالي حقيقيا والمهمّ تافها […] إنّ ما كان يفتننا ويحمّسنا من قبل ليُمِلّنا اليوم ببرودته القاسية، فنستثقل تغريد الطير، ونجد نسيم الصبح محزنا، والسماء مظلمة.» وليم جيمس ⁦(1842 – 1910)⁩، مختصر علم النفس، ص، 199 – 201

  1. تيّار متدفّق لا يعرف السكون : فالحياة النفسية تتغيّر من حال إلى حال ولا تسير في خطّ مستقيم ؛ والتعارض القائم بين الحالات النفسية هو ما يمكّننا من إدراكها بوضوح، فنحن لا نكتشف قيمة الشيء إلاّ بعد فقدانه: قيمة الصحّة تُدرك في المرض، ولحظات السعادة تُكتشف في لحظات الشقاء. ولو سارت الحياة النفسية على نمط واحد لصارت متصلّبة آلية جامدة لا تختلف عن العادة.
  2. لا يعرف الانقطاع وإن تنوّعت دروبه : فهو لا يزول ولو في حالات الغيبوبة ؛ يقوى ويضعف لكنّه لا ينقطع. وله درجات، مجالها بين الغيبوبة العميقة واليقظة وشدّة الانتباه، وبينهما الحذر القصدي والحذر البسيط، والنوم الخفيف، والنوم مع الأحلام، والنوم العميق.
  3. زمانيّ لا مكانيّ، كيفيّ لا كمّيّ : فنحن نعيشه ولا نقدر على تحديد مكانه ؛ فلا أستطيع أن أحدّد إن كان حبّ وطني في أعلى قلبي أو في أسفله، ولا أن أقدّره بكذا رطلا أو كذا درجة. وزمانه نفسيّ داخلي، لحظاته المتعاقبة يدخل بعضها في بعض حتّى تؤلّف كتلة واحدة، فهو زمان مشخّص لا زمان مجرّد منقسم إلى وحدات متساوية.
  4. شخصيّ وذاتيّ : غير مفارق للذات بل هو جزء منها ؛ فلا يمكن أن توجد الرغبات بمعزل عن الذات الشاعرة، والنغمة الواحدة تحدث في الناس إحساسات ومشاعر مختلفة باختلاف الأشخاص.
  5. انتقائيّ : ذلك أنّ فاعلية النفس محدودة، إذ ليس بمقدورها الإحاطة بكلّ ما يمرّ في ساحة الشعور أو ما يظهر في العالم الخارجي، فتلجأ إلى اصطفاء ما يلائمها وما يوافق أحوالها، وتهمل ما لا يناسبها.
برغسون — الديمومة المحضة

«الديمومة المحضة هي الديمومة الواقعية، الديمومة التي تُعاش فعلا.» والديمومة مصطلح لبرغسون ⁦(1859 – 1941)⁩، يعني في أبسط معانيه انعدام التقطّعات والثغرات في تيّار الشعور المتجدّد باستمرار، مع تداخل بين مراحله الزمنية إلى الحدّ الذي لا يمكننا معه الحديث إلاّ عن زمان نفسيّ خاصّ وأنا عميق يُدرَك بالحدس ؛ وهي بذلك تدخل في مقولات الكيف لا مقولات الكمّ، ولا تُقاس كما يُقاس الزمان الرياضي أو الفيزيائي. Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, vol 1, p 255

ثالثا : ضبط تصوّر اللاشعور وأشكاله

لكنّ التجربة النفسية تكشف بوضوح أنّنا نعيش الكثير من الحالات دون أن نعرف لها سببا ؛ والمنطق السليم يقول إنّ عدم وعي السبب لا يعني عدم وجوده: فالسبب موجود ولكنّه مجهول. فنحن نخضع للجاذبية ولا نشعر بها، ونحبّ أشياء دون أن نعرف لماذا، ونكره أشياء دون وعي الأسباب، ونميل إلى أفكار دون أن نفقه العلّة ؛ والعقل يقرّ أنّه لا تحدث ظاهرة ولا واقعة إلاّ بوجود سبب كافٍ يوجدها. ومن هنا يُطلق اسم اللاشعور على ذلك النشاط النفسي والعمليات العقلية التي لا يدركها صاحبها ولا يعي أسبابها ولا يعرف عن طبيعتها ووجودها شيئا.

  1. لاشعور فيزيولوجي : وهو المنعكسات كالتنفّس، ودقّات القلب، وعملية الهضم، وحركة الجفن.
  2. لاشعور عائلي : وهو مواقف المحبّة والكراهية العفوية الناجمة عن الموروثات المتراجعة.
  3. لاشعور عاديّ : وهو العادات التي، بعد رسوخها، تصدر عنّا دون شعور منّا.
  4. لاشعور جمعيّ : وهو الأساطير والمعتقدات التي يتوارثها الناس وتؤثّر في سلوكهم دون علم منهم.
  5. لاشعور مرضيّ : ومنه انفصال الشعور في العُصاب، حيث يتفرّد جزء من الحياة النفسية. ⟸ ولاحظ أنّ الأشكال الأربعة الأولى شائعة عند الأصحّاء جميعا: فاللاشعور ليس استثناء مرضيّا، بل حال عامّة.
فرويد — قسمة الحياة النفسية هي الفرض الأساسي

«… إنّ تقسيم الحياة النفسية إلى ما هو شعوري وما هو لاشعوري هو الفرض الأساسي الذي يقوم عليه التحليل النفسي ؛ وهذا التقسيم وحده هو الذي يجعل من الممكن للتحليل النفسي أن يفهم العمليات المرضية في الحياة العقلية — وهي أمور شائعة كما أنّها هامّة — وأن يجد لها مكانا في إطار العلم.» ولاحظ في العبارة كلمتين تضبطان التصوّر: إنّه فرض لا معطى مباشر، لأنّ اللاشعور لا يُعاش كما يُعاش الشعور ؛ وإنّه أساسي، أي أنّ ما بُني عليه يسقط بسقوطه. سيغموند فرويد ⁦(1856 – 1939)⁩، الأنا والهو، ترجمة م.ع. نجاتي، دار الشروق، ط 4، بيروت 1982، ص، 25

إذا كان الشعور لا يُعرَّف، فكيف ندرسه في الفلسفة ؟

نحن لا نعرّفه بالجنس والفصل كما نعرّف المثلّث، ولكنّنا نصفه ونحدّد خصائصه ونميّزه عمّا يشبهه — وهذا عمل فلسفي تامّ. فقد قلنا إنّه معرفة أوّلية بلا واسطة، وذاتية حميمية لا تُنقل إلاّ باللغة والسلوك ؛ وقلنا إنّه تيّار متدفّق متّصل، كيفيّ لا كمّي، شخصيّ، انتقائيّ ؛ وميّزنا فيه العفويّ من الإراديّ. وكلّ خاصّية من هذه يمكن أن يقوم عليها امتحان: الزمن النفسي عند السجينين يثبت الكيفية، وتبدّل الأحكام عند وليم جيمس يثبت التدفّق، وعجزنا عن نقل الحزن يثبت الحميمية. ⚖️ فالذي يمتنع هو التعريف بالردّ إلى ما هو أبسط، لأنّ الشعور جذر كلّ تفكير ؛ أمّا الوصف والتمييز والتحليل فممكنة كلّها. وهذه بالضبط طريقة الفلسفة في كلّ مفهوم أوّليّ: لا تسأل «ما هو ؟» طلبا لتعريف يختزله، بل «بمَ يمتاز ؟» و«ما الذي لا يكون بدونه ؟».

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في ضبط المفاهيم الذي تُفتتح به كلّ مقالة عن الشعور واللاشعور، وفي سؤال مباشر من نوع: «ما خصائص الشعور ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① تعريف الشعور بقيدَيه (معرفة مباشرة بلا واسطة · ذاتية حميمية) مع تعليل امتناع تعريفه: إنّه جذر كلّ تفكير ؛ ② خصائصه الخمس مرتّبة (تدفّق · اتّصال وديمومة · كيفية زمانية · شخصية · انتقائية) مع مثال واحد على الأقلّ، وأقواها مثال الزمن النفسي عند السجينين ؛ ③ أشكال اللاشعور الخمسة (فيزيولوجي · عائلي · عاديّ · جمعيّ · مرضيّ) لتثبت أنّه ليس حالة مرضية استثنائية. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : تعريف اللاشعور بأنّه «ما ننساه»، والحال أنّه ما لا يُدرَك أصلا ولا تُعرف أسبابه — والنسيان بابٌ آخر. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : الخلط بين الشعور العفوي والشعور الإرادي ؛ الألم حالة عفوية، والتفكير في الألم حالة إرادية.
نتيجة — الشعور معرفة مباشرة أوّلية بالحياة النفسية الباطنية، لا واسطة فيها ولا تُحلَّل إلى ما هو أبسط منها، لأنّها جذر كلّ تفكير ؛ وهو ذاتيّ حميميّ: الذات والحادث المعيش أمر واحد، ولا يطّلع أحد على أعماق غيره إلاّ باللغة أو السلوك، ولذلك كانت أحواله تُعاش ولا توصف وتُعرَف دون أن تُعرَّف. وهو مع تنوّع صوره واحد لا تنفصم وحدته: عفويّ بسيط تسيّره التداعيات، وإراديّ مركّب قائم على العفوي كقيام الإدراك على الإحساس ؛ وخصائصه خمس: تيّار متدفّق لا يسكن، واتّصال لا ينقطع وله درجات، وزمان كيفيّ هو الديمومة لا يُقاس كما يُقاس زمن الساعات، وشخصيّ لا يوجد بمعزل عن صاحبه، وانتقائيّ يصطفي ما يلائمه. أمّا اللاشعور فهو ذلك النشاط النفسي الذي لا يدركه صاحبه ولا يعي أسبابه، وله أشكال: فيزيولوجي، وعائلي، وعاديّ، وجمعيّ، ومرضيّ ؛ وهو فرضٌ لا معطى مباشر. ⟸ وإذا ثبت أنّ فينا ما لا نشعر به، فهل يبقى الشعور وحده أساسا للحياة النفسية ؟

Page 1/5

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net