Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي في الشعور واللاشعور

أساس الحياة النفسية

🔊 The teacher reads for you
لماذا تحبّ لونا بعينه ؟ ولماذا يزعجك صوتٌ لا يزعج غيرك ؟ ولماذا تنفر من شخص لم يسئ إليك قطّ ؟ جرّب أن تجيب بصدق، وستفاجئك النتيجة: أنت تخترع السبب بعد أن وقع الميل، لا قبله. فإن كنتَ أدرى الناس بنفسك — وأنت كذلك، لا أحد يعيش أحوالك غيرك — فكيف تجهل أسباب ما تفعل ؟ وهل ما تشعر به هو كلّ ما فيك ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض الأطروحة الكلاسيكية التي تجعل الشعور وحده أساسا للحياة النفسية، وبيان حجّتها
  • عرض ملابسات اكتشاف اللاشعور من التجربة العيادية إلى فرضية التحليل النفسي
  • وصف بنية الجهاز النفسي (الهو، الأنا، الأنا الأعلى) وبيان موقع الصراع فيها
  • بيان دور غريزتَي الحياة والموت، وتوظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها ومرجعها
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • تعريف الشعور وخصائصه، وأشكال اللاشعور
  • مبدأ السببية: لا تحدث ظاهرة بغير سبب كافٍ يوجدها
  • الفرق بين الفرض العلمي والمبدأ الميتافيزيقي
فهل الشعور وحده أساس للحياة النفسية، وهل يحيطنا علما بكلّ حوادثها ؟ ثمّ ماذا عن اللاشعور بوصفه مجالا أعمق لا يدركه الوعي ولكنّه يؤثّر على السلوك ؟ وفيمَ يتجلّى ؟ وإلى أيّ مدى يمكنه أن يؤثّر في سلوك الفرد، السويّ منه والمرضي ؟

مقدمة : طرح المشكلة

لقد تبيّن لنا أنّ الشعور حقيقة لا يمكن إنكارها ؛ إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّه يصاحب جميع سلوكاتنا وتصرّفاتنا. فقد يحدث في كثير من الأحيان أن تنتابنا مشاعر القلق والحيرة دون أن نجد لذلك تبريرا عقليا مقنعا ؛ وعدم الإحاطة بالأسباب الحقيقية التي تختفي وراء الحوادث النفسية لا يعني أنّ الأسباب غير موجودة، ذلك لأنّ العقل لا يقبل أن تحدث حادثة أو واقعة أو ظاهرة بدون سبب كافٍ يحدثها. وهنا تنقسم الحياة النفسية بين موقفين: موقفٍ كلاسيكي يجعل الشعور والحياة النفسية مفهومين متطابقين فلا يبقى خارج الشعور إلاّ الحياة العضوية، وموقفٍ يرى أنّ ما نشعر به ليس إلاّ الجزء الظاهر من جبل جليد معظمه غائر بعيد عن الأنظار.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

جلسة حوار بين طالب جامعي يعاني حالة فوبيا (ط) وأخصائي نفسي (خ)

ـ (خ) : هلاّ حدّثتني أوّلا عن الأعراض التي تعانيها من جرّاء مرضك هذا… ـ (ط) : في طريقي إلى الكلّية أفضّل أن أقترب من المباني لدرجة تسمح لي بلمس الجدران والالتصاق بها من أجل متابعة سيري ! ـ (خ) : فإذا لم تكن ثمّة جدران بل أماكن مفتوحة، ماذا كنت تفعل ؟ ـ (ط) : عندما تختفي الجدران في الفواصل بين مبنى وآخر، أصاب بخوف وهلع مصحوب بعرق وتنفّس سريع وقصير، وسرعة في ضربات القلب ؛ فأضطرّ إلى أن أجري قاطعا المسافة بسرعة حتّى أصل إلى المبنى الثاني، حيث أمسك بالجدران وأستند إليها ! ـ (خ) : وفي داخل المباني هل تعاني الأعراض نفسها ؟ ـ (ط) : داخل الجامعة — والمباني عامّة — وجدت أيضا أنّه عليّ أن أبقى قريبا من الجدران، لأنّ التواجد وسط القاعة يسبّب لي تلك الأعراض حتما… ـ (خ) : هل أفهم من ذلك أنّ مقعدك خلال المحاضرة يوجد بمحاذاة الجدار دائما ؟ ـ (ط) : كلاّ ! إنّ الطلبة يجلسون في قاعة المحاضرات تبعا لترتيب أسمائهم الأبجدي، وترتيبي يضعني في وسط الحجرة بعيدا عن الجدران… ـ (خ) : وماذا كنت تصنع إذن ؟ ـ (ط) : كنت ببساطة أتخلّف عن حضور عدد من المحاضرات ! والفوبيا هنا خوف شاذّ من الأماكن المفتوحة، مثل وسط الحجرة أو الشارع أو ما بين المباني

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. العَرَض ظاهر والسبب غائب عن صاحبه : فهذه الأعراض تهدّد فعلا مستقبل (ط) الدراسي، وهو يصفها وصفا دقيقا، ولكنّه لا يملك عنها تفسيرا ؛ فالشعور هنا يبلغ الأثر ولا يبلغ سببه.
  2. والسبب وُجد في حادثة منسيّة : فقد اكتشف الأخصائي بعد عدّة جلسات أنّ (ط) في سنّ الخامسة والنصف ذهب مع أمّه لتوديع والده إلى المطار ؛ وقبل مغادرة المنزل حدثت مجادلة بين أبويه، فانهال على والده عضّا وضربا وركلا فنال عقابا شديدا، وتمنّى في قرارة نفسه لو أنّ طائرة أبيه تتحطّم في الجوّ. ثمّ طُلب منه أن يجلس في مكان ما بالمطار، فوجد نفسه يتجوّل في وسط ممرّ الطائرات الواسع، وفي تلك اللحظة هبطت طائرة ضخمة وأخذت تقترب منه بسرعة رهيبة حتّى أنزلت فيه الخوف والفزع، فأخذ يجري بدون وعي حتّى أمسك به والده.
  3. والخبرة كُبتت ثمّ أُحييت : فقد تجمّعت هذه الخبرات — الخوف من الطائرة الزاحفة، وعدوانية الأب، ورغبته في موته، وشعوره بقصور العقل — في شكل حالة انفعالية لا تُحتمل، وبمرور الوقت نسي (ط) هذه القصّة وكبتها ؛ وفي السنوات الأخيرة نشب خلاف كبير بينه وبين أبيه إزاء خططه في الزواج، فأدّى ذلك إلى إحياء الخبرة القديمة، ولكن دون تذكّرها تذكّرا حقيقيا مباشرا. ⟸ فتوجد إذن أمور تحدث فينا وتتحكّم فينا وتوجّهنا دون أن نشعر بها.

I – ماذا عن الشعور كإحاطة بمجالات الحياة النفسية وكمعرفة بأسبابها الباطنة والظاهرة ؟

ثالثا : الشعور كمبدأ وحيد للحياة النفسية

ديكارت — أنا شيء يفكّر، متميّز عن جسمي تميّزا تامّا

«لمّا كنتُ أعرف أنّ جميع الأشياء التي أتذهّنها بوضوح وتمييز يمكن لله أن يوجدها على نحو ما أتذهّنها، فيكفي أن أتذهّن شيئا بدون شيء آخر حتّى أتأكّد أنّ الشيئين متميّزان أو متغايران […] وإذا انطلقتُ من تأكيد معرفتي أنّي موجود، وأنّ شيئا آخر لا يخصّ طبيعتي […] محصور في أنّي شيء يفكّر، أو أنّي جوهر كلّ ماهيته أو طبيعته أن يفكّر ليس إلاّ […]، فلديّ فكرة واضحة متميّزة عن نفسي باعتبار أنّي لست إلاّ شيئا مفكّرا لا شيئا ممتدّا، ولديّ أيضا فكرة متميّزة عن الجسم باعتبار أنّه ليس إلاّ شيئا ممتدّا لا شيئا مفكّرا. لذا ثبت عندي أنّ هذه الأنا، أعني نفسي التي بها أكون أنا ما أنا، تتميّز عن جسمي تميّزا تامّا حقيقيا ؛ هي قادرة على أن تكون أو أن توجد بدونه.» وهذا هو منطوق النظرية الكلاسيكية في الشعور كحقيقة وحيدة تؤسّس الحياة النفسية. ديكارت ⁦(1596 – 1650)⁩، تأمّلات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، ترجمة كمال الحاج، منشورات عويدات، ص، 227، 228

  1. النفس تعي جميع أحوالها : فالتسليم بثنائية الجسم والنفس يقود إلى أنّ الشعور والحياة النفسية مفهومان متطابقان، وأنّه لا يوجد خارج الحياة النفسية إلاّ الحياة العضوية الفيزيولوجية.
  2. والنفس لا تنقطع عن التفكير : إلاّ إذا تلاشى وجودها ؛ فالتفكير عندها ماهية لا حالا يعرض ويزول.
  3. والشعور معرفة مطلقة صادقة لا تخطئ : على عكس الإدراك الذي هو نسبيّ من حيث إنّه يقوم على الإحساس ؛ أمّا الشعور فلا واسطة بينه وبين الحوادث النفسية، فإذا شعرتُ بحالة ما كان شعوري بها مطلقا: أشعر بها كما هي، لا كما تصوّرها لي حواسّي.
  4. ومن التناقض أن نقول إنّ النفس تشعر بما لا تشعر به : فهي تشعر لأنّ الحادثة التي تشعر بها موجودة ؛ أمّا إذا كانت الحالة النفسية غير موجودة فيستحيل الشعور بها. ⟸ وبهذا يتّسع الشعور لكلّ الحياة النفسية، ولا يبقى معه شيء.

تعقيب : لكنّ التجربة النفسية تكشف بوضوح أنّنا نعيش الكثير من الحالات دون أن نعرف لها سببا ؛ والمنطق السليم يقول إنّ عدم وعي السبب لا يعني عدم وجوده. فالحجّة الكلاسيكية تقوم كلّها على مصادرة واحدة: أن يكون ما لا نشعر به غير موجود ؛ وهي مصادرة يكذّبها مبدأ السببية نفسه الذي بنى عليه العقليون مذهبهم، إذ لا تحدث ظاهرة إلاّ بسبب كافٍ يوجدها. وحالة (ط) شاهد على ذلك: العَرَض واقعٌ لا شكّ فيه، وسببه لم يكن في ساحة الشعور قطّ.

II – ثم ماذا عن اللاشعور بوصفه مجالا أعمق لا يدركه الوعي ولكنه يؤثر على السلوك ؟

أولا : ملابسات اكتشاف اللاشعور

أجرى جوزيف بروير ⁦(1842 – 1925)⁩، وهو طبيب وعالم نفس نمساوي، في نهاية القرن التاسع عشر بفيينّا، تجربة على فتاة مصابة بالهستيريا ؛ فانتبه إلى أنّها كانت تُتَمتِم في حالات الغيبوبة بكلمات بدا أنّها تتعلّق بهموم شخصية حميمة، فوضعها في حالة تنويم مغناطيسي وأعاد عليها هذه الكلمات فكرّرتها المريضة وكوّنت تخيّلات تتّسم بالكآبة ؛ وبعد سرد عدد منها تحسّنت وعادت إلى حالتها الطبيعية، ثمّ اختفى التحسّن في اليوم التالي وعاد بعد جلسة جديدة، وواصل علاجه على هذا النحو حتّى شُفيت. وقد خلص من العلاج إلى نتيجة حاسمة: لم تكن المريضة تستطيع أن تتبيّن الصلة بين أعراضها وبين أيّة خبرة في حياتها، ولكنّها كانت في حالة التنويم تكشف فورا عن الصلة المفقودة ؛ أي أنّ أعراضها كانت ذات معنى، وكانت بمثابة بقايا أو ذكريات من مواقف وجدانية ماضية، وعندما كانت تستعيد في مخيّلتها موقفا من هذا القبيل وتنجز في الخيال فعلا نفسيا مكبوتا، كان العَرَض يزول. ومن هنا تحوّل الاهتمام إلى حثّ المرضى على أن يتذكّروا أحداث ماضيهم دون تنويم، فاصطدم المعالج بمقاومة المريض، فنشأت قاعدة التداعي الحرّ التي تفرض عليه أن يفصح عن كلّ شيء مهما بدت له الفكرة مستهجنة أو سخيفة أو تافهة ؛ ثمّ جاء اكتشاف التحويل، حيث يسلك المريض إزاء المحلّل كما يسلك إزاء والديه. وقد أطلق فرويد على هذه الطريقة تسمية التحليل النفسي.

فرويد — العَرَض العصبيّ حجّة على نشاط لا شعوري

«… إنّ مجرّد إعطاء معنى للأعراض العصبية بفضل تفسير تحليلي يشكّل حجّة دامغة على وجود نشاطات نفسية، أو على قبول وجود مثل هذه النشاطات إذا أحببتَ تعبيرا أفضل […] وهناك اكتشاف قام به برويير — دون أيّة مساعدة من أحد — وهو اكتشاف أعتبره أنا أكثر أهمّية من الأوّل، وهو يقدّم لنا معلومات أكثر عن العلاقة بين اللاشعور والأعراض العصبية […] علاقة تتمثّل في قيام أحدهما مقام الآخر. إنّي أؤكّد مع برويير هذا الأمر: كلّما وجدنا أنفسنا أمام أحد الأعراض وجب علينا أن نستنتج لدى المريض وجود نشاطات نفسية لا شعورية ؛ ذلك أنّ النشاطات الشعورية لا تولّد أعراضا عصبية، والنشاطات النفسية اللاشعورية بمجرّد أن تصبح شعورية فإنّ أعراضها تزول.» S. Freud, Introduction à la psychanalyse, p 260, 261

  1. والنشاطات اللاشعورية ليست قاصرة على المرضى : بل تتعدّاهم إلى مجمل سلوكات الإنسان العادية ؛ ذلك أنّ كبت هذه النشاطات لا يعني انعدامها أو موتها، بل تظلّ حيّة فعّالة مؤثّرة تعمل جاهدة على الظهور، وتحاول أن تعبّر عن نفسها في شكل رمزيّ مقنَّع.
  2. والرقيب هو الذي يمنع ظهورها عارية : فحالما ضعفت سلطته — كما في حالة الإعياء والإرهاق والتخدير أو السكر أو التنويم المغناطيسي — ظهرت هذه النشاطات.
  3. ومظاهرها في الحياة اليومية معروفة : الأحلام، وهي مجال حيويّ خصب لتفريغ النشاطات اللاشعورية ؛ وفلتات اللسان، فقد ينطق الفرد بعكس ما يريد أن ينطق به ؛ وزلاّت القلم، حين يكتب كلمات لا يرغب في كتابتها أو لها عكس المدلول الذي يريده.
  4. ومنها أيضا : نسيان تنفيذ المواعيد والأعمال، والنكتة والسخرية من أشخاص أو مواقف، والرسوم والأشكال التي يرسمها الفرد لا شعوريا.

ثانيا : دلالة توصيف الجهاز النفسي

يولد الطفل مزوّدا بطائفة من الدوافع الجنسية والعدوانية والأنانية ؛ وبتقدّمه ونموّه يكتشف أنّ المجتمع الذي يعيش فيه لا يرضى عن الإشباع المباشر الصريح لمثل هذه الدوافع، بل إنّ الوالدين والمجتمع بأسره يسعيان إلى تهذيبها وتوجيهها. ولذلك يأخذ في ضبطها أو في إخفائها وكبتها ؛ ومع نموّه ينمو ضميره الأخلاقي بديلا عن السلطة الأبوية، ويصبح بمثابة الرقيب الداخلي والسلطة الرادعة التي يسعى إلى تجنّب تأنيبها، فتراه يطرد الميول والرغبات التي تخدش كبرياءه أو تُظهره بمظهر غير لائق أمام ضميره، فتُدفن في أعماق النفس بعيدا عن حظيرة الذات الشاعرة الواعية. ومن هنا كان لا بدّ من وصف الجهاز النفسي في مستوياته: فمكوّناته الرئيسية لا تخرج عن أربع — الغرائز الفطرية، والشعور، والضمير والقيم الخلقية المكتسبة، والجانب العميق اللاواعي من النفس.

  1. الـ«هو» : إنّه مستودع الطاقات الغريزية ذات المصادر البيولوجية، يتميّز بافتقاره إلى التنظيم، ويسير وفق مبدأ اللذّة، وتحكمه العمليات الأوّلية التي يعوزها المنطق وبخاصّة مبدأ عدم التناقض ؛ إذ نجد فيه النزعات المتناقضة بعضها إلى جانب بعض، ولا يعرف النفي ولا الخير والشرّ، وهو مجرّد من مقولتَي الزمان والمكان.
  2. الـ«أنا الأعلى» : يتكوّن منذ بداية الطفولة بفعل التربية الخلقية التي منشؤها الأوّل الوالدان، وينشأ في الأصل كقوّة مضادّة ومقاومة للرغبات الغريزية ؛ وهو ليس مجرّد بديل داخلي يحلّ محلّ الوالدين، إذ كثيرا ما تتناقض صرامته مع ما يتّسم به الوالدان من ليونة وتسامح ؛ فهو حاضن للقيم والمثل الاجتماعية والدينية التي رُبّي الطفل عليها.
  3. الـ«أنا» : وهو الساحة التي يحتدم فيها الصراع بين رغبات الهو الغريزية المؤسّسة على مبدأ اللذّة، ومتطلّبات الأنا الأعلى المعبّرة عن السلطة الأبوية والقيم ؛ وهو يستمدّ طاقاته من الهو ويعمل على خدمته، لكنّه يراعي العالم الخارجي ويستند إليه، فيسير وفق مبدأ الواقع. ولأنّه يحقّق قدرا من الاستقلال، فبإمكانه إرجاء إشباع مطالب الهو وكبتها واستبعادها من ساحة الشعور بمختلف أساليب الدفاع ؛ ولذلك يظلّ جزء كبير من الأنا لا شعوريا، وهو الذي يقوم بالكبت والدفاع والرقابة في الأحلام.
  4. الـ«لاشعور» : إنّه الجانب المظلم والعميق من النفس ؛ فيه تُسجن الرغبات المحرّمة، ومنه تنطلق النشاطات الخفية لتؤثّر على الحياة النفسية والسلوك على نحو سويّ أو مرضي.
فرويد — الأنا يخدم ثلاثة سادة

«يستمدّ الأنا طاقاته من الهو، وقيوده من الأنا الأعلى، وعقباته من العالم الخارجي» ؛ وهو بذلك «… يخدم ثلاثة سادة طغاة». وفي هذه الجملة الواحدة تلخيص لبنية الجهاز كلّه: فالأنا ليس طرفا رابعا يضاف إلى الثلاثة، بل هو موضع التقائها ؛ يتفاعل مع الهو لأنّه منشَؤه، ومع الأنا الأعلى لأنّه مُنشِئه، ومع الواقع لأنّه يستند إليه. ⁦S. Freud, Nouvelles conférences sur la psychanalyse (1933), 31e conférence⁩

ثالثا : من الليبيدو إلى الغريزة العدوانية

  1. غريزة الحياة، أو الليبيدو : وتتجلّى في كلّ ما يقوم به الإنسان من أعمال إيجابية بنّاءة قصد المحافظة على كيانه واستمرار وجوده ؛ وقد وُسّع مفهومها فلم تُقصر على التناسل أو التكاثر، وهي توجد في الطفل منذ ولادته لا في سنّ البلوغ فحسب، وجُعلت مصدر كلّ محبّة وحنان.
  2. وما تشمله في المعنى الواسع : الميول التي تستهدف الإنسال والتكاثر ؛ ومظاهر الحبّ والودّ بين الآباء والأبناء، وحبّ الذات، وحبّ الأصدقاء، وحبّ الحياة، وحبّ الإنسانية جمعاء ؛ ومظاهر اللذّة الوجدانية، كاللذّة التي يشعر بها الطفل في عملية الامتصاص والإخراج ونحوهما من النشاط الحركي.
  3. غريزة الموت، أو العدوان والتدمير : وتظهر في السلوك التخريبي والهدم والعدوان على الغير كما في الحرب، والعدوان على النفس كما في الانتحار ؛ وقد كان العدوان يُفسَّر أوّلا بأنّه ناشئ عن كبت الميول، ثمّ تطوّرت الفكرة فصار يُنظر إليه على أنّه استعداد غريزي مستقلّ في تكوين الإنسان النفسي. ولا يبدو في اعتداء الإنسان على أخيه وحسب، بل في الرغبة في تدمير الجمادات وتحطيمها ؛ فالطفل قد يحطّم لعبته وأثاث غرفته.
  4. والحياة النفسية صراع بين الغريزتين : فبهما يُفسَّر السلوك عند الطفل والراشد، وعند السويّ والشاذّ، وسلوك الفرد وسلوك الجماعة، وإبداع الفنّانين والعلماء ؛ إحداهما تنزع إلى البناء والأخرى إلى التدمير، وللمجتمع وظيفة هامّة في تغليب وظيفة البناء على وظيفة التخريب.
كيف يمكن أن نثبت وجود شيء لا يمكن أن نشعر به بطبيعته ؟

بالأثر، لا بالمشاهدة. وهذه ليست حيلة، بل طريقة معروفة في العلم كلّه: لا أحد رأى الجاذبية، وإنّما رأى الأجسام تسقط ؛ ولا أحد يشعر بها، ومع ذلك نحن نخضع لها. والبرهان في اللاشعور يسير على ثلاث خطوات: ① يقع أثرٌ لا شكّ فيه — رهاب يمنع طالبا من دخول قاعة، أو عَرَض هستيري ؛ ② لا يوجد له سبب في ساحة الشعور، وصاحبه أدرى الناس بشعوره وقد شهد بأنّه لا يعرف ؛ ③ ومبدأ السببية يمنع أن يكون أثر بلا سبب. فيلزم أن يكون السبب موجودا خارج الشعور. ⚠️ ولاحظ حدّ هذا البرهان: هو يثبت أنّ ثمّة سببا غير شعوري، ولا يثبت أنّه بالضرورة ما يصفه التحليل النفسي من هوٍ وليبيدو وعقدٍ ؛ فبين إثبات وجود مجالٍ خارج الشعور وبين وصف بنيته وصفا كاملا مسافةٌ — وهي بالضبط موضع السؤال الذي يفتتح المشكلة الموالية: أهذا التبرير نظرية علمية قائمة بذاتها، أم افتراض فلسفي ؟

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية من أشهر مقالات الشعبة: «هل الشعور وحده أساس الحياة النفسية ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① أطروحة الشعور وحجّتها الديكارتية (النفس جوهر كلّ ماهيته أن يفكّر · الشعور معرفة مطلقة لا تخطئ · من التناقض أن تشعر النفس بما لا تشعر به) مع مرجعها ؛ ② نقضها بمبدأ السببية: عدم وعي السبب لا يعني عدم وجوده، مع الشاهد العيادي (حالة الفوبيا · مريضة بروير) ؛ ③ بنية الجهاز النفسي في ثلاثة مستويات ومبدأين (الهو ومبدأ اللذّة · الأنا ومبدأ الواقع · الأنا الأعلى والقيم) مع قول فرويد في الأنا الذي يخدم ثلاثة سادة. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : عرض الأطروحتين كأنّهما رأيان متساويان، دون بيان أنّ الثانية وُلدت من عجز الأولى عن تفسير وقائع بعينها ؛ فالمقالة الجدلية تُبنى على النقد لا على السرد. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : الخلط بين الأنا والأنا الأعلى ؛ الأنا ساحة الصراع ويسير وفق مبدأ الواقع، والأنا الأعلى رقيبٌ وريثُ السلطة الأبوية.
نتيجة — تقوم الأطروحة الكلاسيكية على تطابق الشعور والحياة النفسية: فالنفس جوهر كلّ ماهيته أن يفكّر، وهي تعي جميع أحوالها، وشعورها بها مطلق لا يخطئ، ومن التناقض أن تشعر بما لا تشعر به ؛ فلا يبقى خارج الشعور إلاّ الحياة العضوية. غير أنّ هذه الأطروحة تصادر على المطلوب: فعدم وعي السبب لا يعني عدم وجوده، ومبدأ السببية نفسه يمنع أن يقع أثر بلا سبب. وقد جاءت التجربة العيادية بالشاهد — مريضة بروير التي تزول أعراضها كلّما استعادت في التنويم موقفا مكبوتا، وطالبُ الفوبيا الذي ردّ رهابه إلى حادثة مطارٍ نسيها — فتقرّر وجود نشاطات نفسية لا شعورية تختفي وراء الأعراض، وتظهر عند الأصحّاء في الأحلام وفلتات اللسان وزلاّت القلم والنكتة ونسيان المواعيد. ومن ثمّ وُصف الجهاز النفسي في ثلاثة مستويات: هوٌ لا يعرف إلاّ اللذّة، وأنا أعلى وريثٌ للسلطة الأبوية، وأنا يسير وفق مبدأ الواقع ويخدم ثلاثة سادة ؛ وردّت الدوافع كلّها إلى غريزتين متصارعتين: حياةٍ تبني وموتٍ يهدم. ⟸ فهل هذا كلّه نظرية علمية قائمة بذاتها، أم يظلّ مجرّد افتراض فلسفي ؟

Page 1/6

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net