الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في الأخلاق بين الثوابت والمتغيرات
طبيعة القيمة الأخلاقية — أولاً: الأخلاق المطلقة (الدين، العقل)
- بيان كيف يؤسّس الدين للقيمة الخلقية بوصفه إلزاما متعاليا مقدّسا، والتمثيل لذلك بموقف مسند إلى صاحبه
- المقارنة بين موقف المعتزلة وموقف الأشاعرة في مسألة الحسن والقبح، وتحديد موضع الخلاف بينهما بدقّة
- عرض الأساس العقلي للقيمة الخلقية عند أفلاطون وكانط، وإبراز أنّ القيمة تكمن في مبدإ الفعل لا في نتائجه
- نقد الأساس المطلق للأخلاق نقدا يبيّن قوّته وحدّه معا، دون أن ينقلب إلى إنكار للثوابت
- ضبط مفهومَي الأخلاق والقيمة، والتمييز بين الحكم التقديري والحكم الوصفي
- الفرق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى ضبط المفاهيم إلى أنّ الفعل الخلقي لا يقوم بذاته، وإنّما يستند إلى قيمة تقدّره، وأنّ هذه القيمة ترتدّ بدورها إلى معيار. وقد كشفت الوضعية أربعة معايير: العقيدة، والعقل، والمجتمع، والمنفعة. ولنفحص أوّلا طبيعة وأهمّية وأبعاد معيارين من هذه المعايير الأربعة، وهما العقيدة والعقل، بوصفهما ممّا يُصنَّف على أنّه من أسس القيم الخلقية الثابتة لا المتغيّرة. فهل يمكن القول بأنّ الأخلاق واحدة لمجرّد قيامها على أساس من المبادئ والثوابت ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (ع) : أمّا أنا فلا أجد فيه أيّة منفعة ؛ بل ضرره أكثر من نفعه، لأنّ الكثير من مواقعه تمسّ بقيم الدين وثوابته ؛ ـ (س) : أجدني متحفّظا على بعض آرائك ؛ فالفرد العاقل له قدرة كبيرة على أن يميّز بين خير الأمور وشرّها في اقتناء برامج الأنترنت المفيدة له. فالطرف الثاني اعتمد في حكمه المدين للأنترنت على مبادئ العقيدة أوّلا ؛ والطرف الأوّل، بعد أن استند إلى المنفعة الفردية ثمّ الاجتماعية، وجد نفسه محتاجا إلى معيار آخر أهمّ وهو العقل في آخر الحوار.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- كلا المعيارين يدّعي الثبات، لا المنفعة : فحين احتكم (ع) إلى العقيدة لم يحتجّ بما ينفعه هو، بل بما يمسّ «قيم الدين وثوابته» ؛ وحين انتقل (س) في آخر الحوار من المنفعة إلى العقل، فإنّه انتقل من ميزان يتغيّر بتغيّر صاحبه إلى ميزان يزعم لنفسه أنّه واحد عند كلّ عاقل. فالمعياران معا يُصنّفان في خانة الثوابت.
- وهما مع ذلك ليسا معيارا واحدا : فأحدهما يردّ القيمة إلى إرادة متعالية فوق الإنسان، والآخر يردّها إلى قدرة قائمة في الإنسان نفسه. ومن هنا يتفرّع السؤال إلى سؤالين: أوّلهما عن وحدة الأخلاق في قدسيّتها، وثانيهما عن الأخلاق ومطلقية العقل ؛ ولا يُعرف أيّهما يؤسّس الأخلاق تأسيسا حقيقيّا قبل فحصهما واحدا واحدا.
I – هل يمكن القول بأنّ الأخلاق واحدة لمجرّد قيامها على أساس من المبادئ والثوابت ؟
أولا : وحدة الأخلاق في قدسيّتها
إنّ الدين إلزام متعالٍ، إلهيّ، ومقدّس ؛ وبناء على هذه الحقيقة نتساءل: ألا يجعلنا ذلك نقرّه كتشريع سماوي للمبادئ والمعاملات الأخلاقية ؟ فالدين بمفهومه العامّ هو الاعتقاد العاطفي بوجود مبدإ أعلى مفارق للطبيعة، ويدفع هذا الاعتقاد إلى أداء واجبات تجاه هذا المبدإ. وانطلاقا من إرثنا الحضاري، نجد الإسلام — كعقيدة وشريعة — دعوة إلى الأخلاق والخير ؛ فجاء في القرآن قوله تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ» [سورة آل عمران، الآية 104] ؛ وفي الحديث الشريف قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ» [رواه البيهقي]. وبهذا يتّضح أنّ الدين يشكّل بعدا أخلاقيّا نستند إليه في تقويم أفعالنا وفق قيم العمل بالخير والفضيلة والانتهاء عن الشرّ والرذيلة.
يُعرّف الدين عموما بأنّه «وضع إلهي يرشد إلى الحقّ في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك والمعاملات». وفي هذا التعريف طرفان لا ينفصلان: طرفٌ نظري يتعلّق بالاعتقاد، وطرفٌ عملي يتعلّق بالسلوك والمعاملات — وهو الطرف الذي يجعل الدين مؤسّسا للقيمة الخلقية لا مجرّد عقيدة في الغيب. محمد التومي، المجتمع الإنساني في القرآن الكريم، المؤسسة الوطنية للكتاب، ط 2، الجزائر، 1990، ص 24
لا يرى «ابن حزم» شيئا حسنا لذاته، ولا شيئا قبيحا لذاته ؛ ولكن ما سمّاه الله تعالى حسنا فهو حسن، وما سمّاه الله تعالى قبيحا فهو قبيح. فالشرع هو المكيّف للأعمال حسنا أو قبحا، والخير والحسن ما أمر الله به، والشرّ والقبح ما نهى الله تعالى عنه. ومعنى هذا أنّ معيار الخير والشرّ عنده يرتدّ إلى الإرادة الإلهية. وقد اتّخذ من شخصية الرسول صلّى الله عليه وسلّم مثلا أعلى ونبراسا هاديا، يقول في ذلك: «من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلّها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتدِ بمحمّد رسول الله عليه الصلاة والسلام». ابن حزم (384 – 456 هـ)، فقيه ومتكلّم وفيلسوف أندلسي من أئمّة المذهب الظاهري ؛ رسائل ابن حزم الأندلسي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980، ص 123
ينطلق «المعتزلة» من أنّ الشريعة الإسلامية مصدر القيمة الخلقية، إلاّ أنّهم يرون أنّ الدين جاء مخبرا عمّا في العقل ؛ أي أنّ العقل هو قوام الفعل الخلقي، فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقيقا للقيمة الخلقية يُعلم عقلا. فاعتبروا القيم الخلقية مرتبطة بطبيعة الإنسان العاقلة، لأنّ العقل الإنساني بإمكانه أن يفرّق بين الحسن والقبح والخير والشرّ، والإنسان حرّ في اختيار فعل أيّ منهما، وبحسب هذا الاختيار يكون مسؤولا أمام الله ومن ثمّة يُجازى عن أفعاله. فالفعل عندهم خير أو شرّ في ذاته، وما الشرع إلاّ مخبر عمّا يدركه هذا العقل. المعتزلة: فرقة كلامية إسلامية أسّسها واصل بن عطاء، ومن أعلامها المشهورين النظّام والعلاّف وغيرهما ؛ تؤمن بالأصول الخمسة، وتزاوج بين الإيمان مبدأً والعقل أداةً في فهم العقائد والغيبيات
يذهب «الأشاعرة» إلى نقيض ما يذهب إليه المعتزلة، ويعتقدون أنّ العقل لا يملك هذه القدرة على التمييز بين الخير والشرّ ؛ فالخير ما أمر الله به والشرّ ما نهى الله عنه. فالحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، والقبح ما ورد الشرع بذمّ فاعله، والحسن والقبح يوجبهما الشرع لا العقل. لذلك ينفون أن يكون الفعل خيرا أو شرّا في ذاته ؛ والشرع مثبت للقيمة الخلقية في الأمر والنهي لا مجرّد مخبر عنها. وما دور العقل إلاّ الخضوع لتعاليم الشرع، لأنّها صادرة عن إرادة الله المطلقة ؛ ولا يلزم عنها ظلم للنّاس كما يعتقد المعتزلة، لأنّها صادرة عن إله رحيم أدرى بالطبيعة البشرية وأرعى لمصالحها. الأشاعرة: فرقة كلامية إسلامية أسّسها أبو الحسن الأشعري المنشقّ عن المعتزلة ؛ وينظر: أحمد أمين، ضحى الإسلام، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط 1، ص 48
إنّ التأسيس للأخلاق على أساس دينيّ له ما يبرّره، باعتباره تشريعا مطلقا ومقدّسا ؛ لكنّه في ذات الوقت يحمل دعوة لإعمال الفكر والتدبّر في النصوص الشرعية، وهذا ما يتّضح بصورة جليّة في مراعاة الأصول وفي الاجتهاد في آن معا، ترشيدا لطبيعة الإنسان الغريزية، ومن أجل إدماج الفرد عضوا صالحا في الأسرة والمجتمع. فالخلاف بين المعتزلة والأشاعرة نفسه شاهد على ذلك: هو خلاف داخل التأسيس الديني لا خارجه، ومحلّه سؤال واحد — هل يسبق العقل الشرعَ في إدراك الحسن والقبح، أم يتلوه ؟
ثانيا : الأخلاق ومطلقية العقل
إذا كان العقل، فضلا عن الدين، هو أهمّ ما يميّز الإنسان ويرفعه فوق عالم الحيوان، فهل يصلح أن يكون مرجعا لجميع قيمنا الخلقية ؟ إنّ الاتّجاهات العقلانية تُرجع حقيقة القيم الخلقية إلى العقل ؛ أي إلى حركة العقل طبقا لحقيقة بديهية موجودة في ماهية كلّ كائن، وماهية الشيء هي التي تفسّر قيمته. وهذه الماهية ثابتة لا تتأثّر بالزمان لأنّها مطلقة، صادرة عن مبادئ عامّة ويقينية لخلوّها من كلّ مرمى أو منفعة ذاتية أو اجتماعية، وغايتها تُحمَل في ذاتها.
- القيمة في المبدإ لا في النتيجة : فالقول إنّ القتل والخيانة والكذب أفعال ذميمة مستهجَنة ينبني على أنّها تحمل في ذاتها معنى الرذيلة ؛ ونحوه القول إنّ الأمانة والصدق والإحسان أفعال حميدة مستحسَنة لأنّها تحمل في ذاتها معنى الفضيلة.
- الوجود تابع للقيمة : وعليه تُدرَك القيمة الخلقية عقلا، لا استقراءً لما يفعله النّاس ؛ فليس الفعل خيّرا لأنّه شائع، بل هو مطلوب لأنّه خيّر.
- المبادئ عامّة ويقينية : لأنّها خالية من كلّ منفعة ذاتية أو اجتماعية، وغايتها محمولة في ذاتها لا خارجها.
- الماهية ثابتة لا يبلغها الزمان : وهذا هو وجه إطلاقها ؛ فما كان ثابتا في الماهية لا يتبدّل بتبدّل العصور والبيئات.
يعتبر «أفلاطون» من الذين يعتقدون بوجود علم أو حكمة سامية غرضها الأقصى هو الخير المطلق، ومعرفة هذا العلم في كلّ ما نرغب فيه إنّما تكون عن طريق العقل ؛ وذلك أنّ الخير عنده هو القيمة العليا أو قيمة القيم التي نبحث عنها، لأنّنا نرى أن لا وجود ولا كمال ولا سعادة إلاّ بها. يقول: «إنّ الخير فوق الوجود شرفا وقوّة» ؛ وهذا لا يعني أنّ الخير لا وجود له، وإنّما يعني أنّ وجوده أسمى كحقيقة مثالية من الوجود الواقعي، لأنّه إدراك عقلي لقيمة الخير. وتُقسَّم أفعال النّاس عنده إلى القوّة العاقلة والقوّة الشهوانية والقوّة الغضبية، وأكمل صورها العقل لأنّه المدرك للعفّة والفضائل ؛ وقوى النفس الثلاث تدبّرها ثلاث فضائل: الحكمة فضيلة العقل، والعفّة فضيلة القوّة الشهوانية، والشجاعة فضيلة القوّة الغضبية. والحكمة رأس الفضائل كلّها لأنّها تحدّ من طغيان الشهوة والغضب معا ؛ وإذا انقادت الشهوانية للغضبية والغضبية للعقل تحقّق التناسق والتناسب في النفس، وهي الحالة التي يسمّيها أفلاطون العدالة. أفلاطون (Platon 428 – 347 ق.م)، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1968، ص 240
1 ـ كانط : الإرادة الحرّة والقواعد الثلاث
يذهب «كانط» إلى أنّ القواعد الأخلاقية مصدرها العقل لا التجربة، فالعقل هو الذي يمدّنا بمعنى الواجب ؛ ويقوم هذا الواجب على الإرادة الحرّة، وهي إحدى المسلَّمات التي لا بدّ منها للأفعال الأخلاقية، فضلا عن ثلاث قواعد أساسية. القاعدة الأولى : «افعلْ كما لو كان على مسلَّمة فعلك أن ترتفع إلى قانون طبيعي عامّ». ذلك أنّ الإنسان المخلص لغرض نفعيّ ما، وكان منطلقه مبدأ منفعته الشخصية، لا يستطيع أن يحوّل مبدأه إلى قانون خلقي قابل للتعميم، وإلاّ أصبح الإخلاص ضربا من ضروب العبث، لأنّ هذا التعميم يوقعنا في التناقض الذي لا يقبله العقل السليم ولا يتوافق مع مبدإ الواجب. القاعدة الثانية : «افعلِ الفعل بأن تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كلّ إنسان، بوصفها دائما وفي نفس الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرّد وسيلة». فالشخص الذي يعطي وعودا كاذبة إنّما يتّخذ الآخرين مجرّد وسائل لتحقيق منافع معيّنة، من غير أن يلتفت إلى أنّ لهم حقوقا بصفتهم كائنات عاقلة أو غايات في ذاتها. وهذا يعني أنّه ليست هناك قوانين أخلاقية خاصّة، بل هي واحدة لجميع البشر: واحدة في مصدرها لأنّها من تقرير العقل العملي، وواحدة في جوهرها لأنّ أيّ قانون لا يكون أخلاقيّا إلاّ إذا اتّصف بالكلّية والإرادة والغائية. كانط (E. Kant 1724 – 1804)، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، الهيئة المصرية للكتاب، ط 2، 1980، ص 2 و ص 73
القاعدة الثالثة : «اعملْ بحيث تكون إرادتك باعتبارك كائنا عاقلا هي بمثابة تشريع عامّ». ويقتضي ذلك ضرورة الخضوع للقانون باعتبارنا مشرّعيه ؛ فما دامت إرادتنا خاضعة بطبيعتها للقانون، فلا بدّ لهذه الإرادة — من حيث هي غاية في ذاتها — أن تكون مصدر هذا التشريع، فيكون خضوعها له ليس سوى خضوع لنفسها. وبذلك ترتفع قيمة الإنسان باعتباره غاية في حدّ ذاته. فالإلزام الأخلاقي لا يُفرض من خارج على الإرادة، لأنّه إلزام تمارسه الذات على نفسها قصد الخضوع لأوامر العقل ؛ أي الواجب من أجل الواجب الذي تسمو فيه إنسانية الإنسان وحرّيته، في مقابل قانون الطبيعة الذي يخضع للحتمية. وهناك مبدأ واحد يعتبره النّاس خيرا — في نظر كانط — دون تحفّظ، هو الإرادة الخيّرة ؛ أمّا لذّات الحياة ومنافعها فلا تُعتبر خيرات بذاتها، لأنّها وسائل يمكن أن تستخدمها الإرادة في الخير كما في الشرّ. ولهذا وجب إرجاع الإرادة الخيّرة إلى مبدإ قبليّ سابق عن التجربة، فتتحرّر من الدوافع والرغبات، وتكون الأخلاق منزّهة عن كلّ غرض ذاتي. فعندما نقول: «كنْ أمينا لتنال ثقة الآخرين»، فهذا فعل قد يطابق الواجب في ظاهره، لكنّه لا يصدر عن الواجب، بل هو مرتبط بغرض وغير منزّه عن المصلحة الذاتية ؛ أمّا في قولنا: «كنْ أمينا»، فهذا فعل أخلاقي لأنّه أمر مطلق غير مشروط، لا برغبة ولا برهبة ولا بتعاطف، إذ العاطفة لا تكون مصدرا للقانون الأخلاقي، اللهمّ إلاّ عاطفة احترام الواجب الخلقي. كانط، المرجع نفسه، ص 81 و ص 39
وبذلك تتّصف القوانين الأخلاقية بالصورية والعمومية والمطلقية فحسب، بصرف النظر عن حدود الزمان والمكان، وعن الظروف والدوافع والملابسات مهما كانت طبيعتها. وهذا الطرح لا يخلو من صواب، على اعتبار أنّ اختلاف القيم الأخلاقية من جهة الطبيعة يؤثّر سلبا على قيمتها من حيث هي أخلاقية، لأنّ من شأن ذلك أن يوقعنا في الرِّيبية إذا انقلب الخير والشرّ من مجتمع إلى آخر. ومع ذلك فإنّ الأخلاق بالمنظور العقلي متسامية وغاية في الصورنة والتجريد، إذ هي منفصلة عن التجربة الواقعية للإنسان وتُقصي العواطف والميول لديه ؛ مع أنّ الواقع يقرّر في كثير من الأحيان أنّ السلوك الذي ينبع من الوجدان قد يكون أنبل من ذلك الذي ينبعث من العقل بأحكامه المطلقة دون اعتبار للظروف الاستثنائية.
لماذا لا يكفي أن يكون الأساس ثابتا حتّى تكون الأخلاق واحدة ؟لماذا لا يكفي أن يكون الأساس ثابتا حتّى تكون الأخلاق واحدة ؟
لأنّ الثبات صفة للأساس، لا ضمانٌ لوحدة ما يُبنى عليه. والدليل قائم في الدرس نفسه: العقيدة أساس واحد ثابت، ومع ذلك انقسم عليها المعتزلة والأشاعرة في مسألة واحدة — هل الفعل خير في ذاته أم بالشرع ؟ ــ والعقل أساس واحد ثابت، ومع ذلك اختلف عنده أفلاطون الذي يجعل الخير ماهيةً فوق الوجود، وكانط الذي يجعل القيمة في صورة القانون لا في غايته. ثمّ إنّ التسليم بكون الأخلاق واحدة في جوهرها على نحو ما بيّنه أنصار الدين والعقل لا يحلّ المشكل ؛ لأنّ ذلك لا يفسّر تعدّدها وتنوّعها الذي يفرض نفسه في الواقع، مع العلم أنّ كلّ منظومة أخلاقية تزعم لنفسها الصواب وتعتبر نفسها أخلاقا إنسانية. فالوحدة المطلوبة تبقى وحدة في المبدإ، والتعدّد قائم في التطبيق — وهذا ما ينقل المشكلة إلى مستوى آخر بدل أن ينهيها.
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net