Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية في الأخلاق بين الثوابت والمتغيرات

طبيعة القيمة الأخلاقية — ثانياً: الأخلاق النسبية (المجتمع، اللذة والمنفعة)

🔊 The teacher reads for you
تسأل جدّتك عن حالها كلّ مساء، وتحمل عنها ما ثقُل، ولا تقول لها «أفّ» ؛ وأنت تعدّ ذلك برّا لا يُناقَش. ثمّ تقرأ أنّ عند بعض سكّان القطب الشمالي ابنا يمنح أباه — إذا تقدّمت به السنّ — قربانا للدببة كي تفترسه، معتقدا أنّه بذلك يعجّل وصوله إلى الجنّة. الفعلان متقابلان تقابل النقيضين، وكلّ واحد منهما يُسمّى في بيئته وفاءً للوالد. فأيّ التصرّفين خير وأيّهما شرّ ؟ وبأيّ حقٍّ نحكم على بيئة بميزان بيئة أخرى ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض التفسير السوسيولوجي للقيمة الخلقية، وبيان كيف يجعل الواجبَ إلزاما وضعه المجتمع
  • التمييز بين الأخلاق المغلقة والأخلاق المفتوحة، وردّ كلّ منهما إلى مصدره
  • عرض التفسير النفعي في مرحلتيه: اللذة الفردية ثمّ المنفعة الجماعية، وبيان سبب الانتقال من الأولى إلى الثانية
  • نقد المعيارين النسبيّين نقدا يبيّن ما يصحّ فيهما وما لا يصحّ، دون أن ينقلب إلى إنكار لأثر المجتمع
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • ضبط مفهومَي الأخلاق والقيمة، والتمييز بين المعايير الثابتة والمعايير المتغيّرة
  • الأساس المطلق للقيمة الخلقية عند أنصار الدين والعقل، وحدود هذا الأساس
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
ألا يمكن الاعتقاد بأنّ الأخلاق متعدّدة بتعدّد مشاربها، متغيّرة بتغيّر بيئاتها وعصورها ؟ وهل يعود التصرّفان المتقابلان إلى ظروف المجتمع أم إلى طبيعة الفرد ؟ ثمّ هل يمكن أن يكون مبدأ اللذّة معيارا تقوم عليه القيمة الخلقية ؟ وهل يمكن أن تقوم الأخلاق على أساس تجربة المنفعة ؟ وهل كلّ ما هو نفعيّ أخلاقيّ ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهى فحص المعيارين الثابتين — العقيدة والعقل — إلى أنّ التسليم بكون الأخلاق واحدة في جوهرها لا يحلّ المشكل ؛ لأنّ ذلك لا يفسّر تعدّدها وتنوّعها الذي يفرض نفسه في الواقع، مع العلم أنّ كلّ منظومة أخلاقية تزعم لنفسها الصواب وتعتبر نفسها أخلاقا إنسانية. فإذا كان الواقع يعرض علينا أخلاقا لا أخلاقا واحدة، فلعلّ الأولى أن نبحث عن أساس القيمة حيث تتغيّر: في المجتمع الذي يصوغ الأفراد، وفي المنفعة التي تحرّكهم. ألا يمكن إذن الاعتقاد بأنّها متعدّدة بتعدّد مشاربها، متغيّرة بتغيّر بيئاتها وعصورها ؟

مدخل إلى المشكلة : ملاحظة الوضعية المشكلة

برّ الوالدين عند المسلم، وتصرّف بعض سكّان القطب الشمالي

إذا كان برّ الوالدين كقيمة أخلاقية لدى المسلم يتطلّب رعاية الابن لوالديه، فلا يقول لهما أفّ، ولا ينهرهما، بل يتفانى في خدمتهما إلى آخر رمق وخاصّة في الكِبَر ؛ فإنّ مثل هذا السلوك ليس له ما يبرّره مثلا عند بعض سكّان القطب الشمالي في تصرّفهم مع آبائهم، حيث يمنح الابن والده — إذا تقدّمت به السنّ — قربانا للدببة كي تفترسه، معتقدا أنّه بذلك يعجّل وصوله إلى الجنّة. فأيّ التصرّفين خير وأيّهما شرّ ؟ وهل يعود كلاهما إلى ظروف المجتمع أم إلى طبيعة الفرد ؟ وإذا قُبل التصرّفان على أنّهما خير بالنسبة إلى فاعله، وعلى أنّهما شرّ في نظر الآخر، فهل يفيد ذلك أنّ الأخلاق متعدّدة بطبيعتها ؟ ويعلّق محمد علي الكبيسي على هذه الوضعية بقوله: «لا نستطيع أن نفاضل بين هاتين الأخلاقيّتين دون السقوط في خندق الإيديولوجيا» — محمد علي كبيسي، قراءات في الفكر الفلسفي المعاصر، المؤسسة العربية للناشرين المتّحدين، ص 211-212

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الاختلاف واقعة، لا رأيا : ليس أمامنا رأيان في فعل واحد، بل فعلان متقابلان يعدّ كلٌّ منهما في بيئته خيرا مقدّسا. ولا يمكن ردّ أحدهما إلى جهل صاحبه، لأنّ كليهما مسنود عند أهله بمعتقد وبنظام تربوي كامل.
  2. المفاضلة نفسها تصير مشكلة : فالحكم على أحد التصرّفين يقتضي ميزانا أعلى من التصرّفين معا ؛ وإذا لم نجده، لم يبقَ للمفاضلة سند إلاّ انتماء الحاكم نفسه — وهو بعينه ما نبّه إليه الكبيسي حين تحدّث عن السقوط في خندق الإيديولوجيا.
  3. السؤال ينشقّ إلى تفسيرين : فإن كان مردّ الاختلاف إلى المجتمع، فالقيم من إنتاجه وتتغيّر بتغيّره ؛ وإن كان مردّه إلى الفرد وما يجد فيه من لذّة ومنفعة، فالقيم تتبع الشعور الذاتي. وهذا ما يضعنا مباشرة في مواجهة التفسيرين السوسيولوجي والنفعي للسلوك البشري، بما في ذلك القيم المرجعية لهذين التفسيرين.

II – ألا يمكن الاعتقاد بأنّها متعدّدة بتعدّد مشاربها، متغيّرة بتغيّر بيئاتها وعصورها ؟

أولا : نسبية القيم من تنوّع المجتمعات

إنّ الإنسان لا يعيش لذاته، ولا في عزلة عن غيره، بل إنّ أفعاله تؤثّر في الآخرين كما يتأثّر بأفعالهم إن كانت خيّرة أو شرّيرة. وانطلاقا من هذه المسلَّمة، يؤكّد الاجتماعيون أنّ الأخلاق ظاهرة اجتماعية تتميّز بشروطها الموضوعية، ويجب دراستها دراسة وضعية قائمة على ربط الظاهرة بعواملها. فالواجب الاجتماعي إلزام وضعه المجتمع، وعلى الفرد أن يمتثل لهذا الواجب باعتباره عضوا في جماعة، ويتمّ ذلك عندما يتخلّى الفرد عن أنانيته ويتحلّى بالغيرية. فالأمر لا يتعلّق بتأسيس الأخلاق كما يزعم العقليون، بل بالخضوع لالتزامات مفروضة ومحدّدة مسبقا من المجتمع ؛ ولهذا فالقيم الخلقية نسبية ومتغيّرة في الزمان والمكان.

دوركايم — الواقعة الأخلاقية واقعة اجتماعية

يعتقد «دوركايم» أنّ الوقائع الاجتماعية مظاهر خارجة عن ذات الفرد، تمتاز بخاصّيتين: الأولى كونها خارجية، والثانية كونها متسامية عن ضمائر الأفراد. والواقعة الأخلاقية — كأيّ واقعة اجتماعية — خارجة عن ضمير الفرد لأنّها من إنتاج المجتمع ؛ وبعض العادات الاجتماعية يشارك فيها كلّ النّاس مع أنّ البعض منهم يستنكرها، ومع ذلك يُكرَه الفرد على الخضوع لها. والفرد مدنيّ يعيش في وسط يتعهّده بالتربية والتثقيف، فينمّي استعداداته الفطرية ودوافعه النفسية وملكاته العقلية ؛ لذلك ينشأ الفرد مَدينا للجماعة بكلّ شيء، وما عليه إلاّ أن يمتثل لنظمها وعاداتها. ومثلما أنّ الفرد لا يستطيع أن يكوّن أخلاقا تكون ثمرة لهواه الفردي، فإنّ القيمة الأخلاقية ترتبط بأسباب غير شخصية لأنّها تُستمدّ من المجتمع. والواقعة الأخلاقية تتحدّد بطابعها الإلزامي وبالجزاء الذي يصحبها، ويتّضح ذلك في معاقبة الجماعة للفرد في حال مخالفته لأوامرها. دوركايم ⁦(E. Durkheim 1858 – 1917)⁩، ⁦L′éducation morale, p.u.f, Paris, 1963, p 76⁩ ؛ وينظر: الربيع ميمون، نظرية القيم في الفكر المعاصر بين النسبية والمطلقية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1980، ص 215

غورفيتش — لا أخلاق واحدة، بل أخلاق لكلّ شعب

يُنقل عن «دوركايم» قوله: «ليس هناك سوى قوّة أخلاقية واحدة تستطيع أن تضع القوانين للنّاس: هي المجتمع». ويلزم من هذا أنّه لا توجد أخلاق واحدة وعامّة، بل «لكلّ شعب وفي مرحلة معيّنة من تاريخه نجد أخلاقا، وبهذه الأخلاق المهيمنة تمارس المحاكم عقوباتها، ويمارس الرأي العامّ حكمه ؛ فلكلّ مجموعة معيّنة أخلاق خاصّة». والأخلاق على هذا مرادفة للعادات الاجتماعية: «وإذا كانت كلّ العادات الاجتماعية ليست أخلاقا، فإنّ جميع الممارسات الأخلاقية هي عادات اجتماعية ؛ ومنه فإنّ أيّ شخص يتمرّد على العادات قد يكون متمرّدا على الأخلاق أيضا». Georges Gurvitch, La vocation actuelle de la sociologie, Presses Universitaires de France, Paris, 1969, t. 2, p 182-183 ؛ والعبارة الوسطى عن: محمد علي كبيسي، المرجع السابق، ص 212

ليفي برول — لا توجد أخلاق، بل عادات خلقية

يذهب «ليفي برول» إلى استبعاد المفهوم المعياري للأخلاق، معتبرا الأخلاق ظاهرة اجتماعية لها قوانينها ؛ فعلم الأخلاق يدرس الأفعال الإنسانية كما تُلاحَظ في الواقع، وليست القيم سوى مظهر تابع للجماعة ولمعتقداتها وعلومها وفنونها وعلاقاتها بالجماعات الأخرى، ولهذا اختلفت الأخلاق من مجتمع إلى آخر. فلا توجد أخلاق، بل توجد عادات خلقية ؛ وهكذا يُنظر إلى الأخلاق على أنّها وصفية تُدرس وتهتمّ بما هو كائن لا بما ينبغي أن يكون، وهي ليست مبادئ ثابتة ومجرّدة بل سلوكات متغيّرة يمكن ملاحظتها. ليفي برول ⁦(L. Levy-Bruhl 1857 – 1939)⁩، عالم اجتماع فرنسي، من مؤلّفاته: العقلية البدائية

ونستنتج من ذلك أنّ القيم الأخلاقية تُمنَح للفرد من المجتمع بواسطة التربية، وما الضمير الأخلاقي الفردي إلاّ صدى لأحكام الوعي الجمعي وإرادته ؛ والخير والشرّ من حيث هما قيمتان أخلاقيتان تتحدّدان بمدى اندماج الفرد في الجماعة أو عدم اندماجه، فالاندماج هو مقياس الخير، وعدم الاندماج هو مقياس الشرّ. ويتّفق أصحاب النزعة الاجتماعية على أنّ فضل العباقرة والفنّانين والمصلحين الاجتماعيين ينحصر في أنّهم أقدر من غيرهم على فهم اتّجاه العقل الجمعي وتوجيه الأفراد إلى هذا الاتّجاه ؛ فهم لا يخترعون جديدا، وإنّما الذي يجدّد ويغيّر ويخترع هو المجتمع أو العقل الجمعي.

برغسون — الأخلاق المغلقة والأخلاق المفتوحة

إنّ هذه الأخلاق التي نادى بها الاجتماعيون أخلاق مغلقة على حدّ تعبير «برغسون»، لأنّها لا تخرج عن إطار المجتمع الواحد. وفي نفس الوقت نجد الأخلاق المفتوحة، وهي ليست وليدة الإكراه الاجتماعي، ويجسّدها المصلحون الاجتماعيون والعلماء ورجال الدين الذين يصنعون الضمير على أساس الوعي الأخلاقي لا على أساس التقليد والاتّباع ؛ وهي تتعدّى حدود المجتمعات لتصير أخلاقا إنسانية وعالمية. برغسون ⁦(H. Bergson 1859 – 1941)⁩، من أشهر فلاسفة فرنسا

وقد لا نختلف في أنّ هذا التفسير من وجهة النظر العلمية يُعدّ مقبولا، باعتبار أنّ العلم لا يتجاوز حدود وصف الظواهر ؛ لكنّ الأخلاق ليست مجرّد ظواهر — وإن كانت ترتبط في الممارسة بجملة من العادات الاجتماعية — بل هي قيم ؛ والفيلسوف، على خلاف العالِم الذي يكتفي بالوصف، مدعوٌّ دائما للنقد والحكم. ومن جهة أخرى، فإنّ هذا التفسير الاجتماعي ينظر إلى جميع الأخلاق على أنّها وسائل لا غايات، وهو الأمر الذي يتعارض مع جوهر الأخلاق التي وُجدت أساسا لترتفع بالإنسان كي يحقّق كماله البشري. ومن جهة ثالثة، فإنّ أيّ دراسة تجريبية للأخلاق هي إساءة للأخلاق: «وليس هناك إساءة يمكن أن تأتي من الإنسان في حقّ الأخلاقية أشدّ من رغبته في جعلها مستمدّة من أمثلة ؛ ذلك لأنّ كلّ مثل يُعرض في هذا الشأن يجب أن يصدر عليه الحكم قبل ذلك طبقا للمبادئ الأخلاقية» [كانط، أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة محمد فتحي الشنيطي، دار النهضة العربية، بيروت، 1970، ص ⁦39]⁩.

ثانيا : السعادة في اللذّة والخير في تعدّد المنافع

إذا لم يكن المجتمع وحده أساسا كافيا، فلعلّ الأساس في الفرد نفسه وفيما يجده من لذّة أو ألم. فهل يمكن أن يكون مبدأ اللذّة معيارا تقوم عليه القيمة الخلقية ؟ وهل يمكن أن تقوم الأخلاق على أساس تجربة المنفعة ؟ وهل كلّ ما هو نفعيّ أخلاقيّ ؟

1 ـ السعادة في اللذّة

إنّ الاتّجاهات النفعية تؤسّس للفعل الخلقي على أنّه منسجم مع ما هو مُشتهى، وأنّه إرضاء للطبيعة البشرية ؛ من منطلق أنّ اللذّة والألم هما الكيفيّتان اللتان تتحدّد وفقهما القيمة الأخلاقية، فكلّ ما هو خير فيه لذّة، وكلّ ما هو شرّ فيه ألم. واللذّة هي إدراك الملائم من حيث هو ملائم للذات، وأمّا الألم فهو إدراك المنافي من حيث هو مناف للذات ؛ وتُعتبر اللذّة كيفية نفسية أوّلية لا تُعرف إلاّ بنسبتها إلى شروطها وأسبابها، وهي إمّا جسمانية أو نفسانية. والإنسان بطبيعته يرغب في اللذّة ويتجنّب الألم ؛ ومعنى هذا أنّ الفعل الأخلاقي هو ذلك الفعل الذي يُفضي بالضرورة إلى نتائج سارّة، لا أنّ اللذّة هي الخير الأوحد، بل هي الغاية القصوى للحياة.

أرستيب والسفسطائيون وأبيقور — الأصل اليوناني لأخلاق اللذّة

كان الفكر اليوناني في بدايته أوّل من بحث في تحديد طبيعة القيمة الخلقية من منطلق اللذّة. فقد ذهب «أرستيب القوريناثي» تلميذ سقراط، الشهير بنظريته الخلقية في مذهب اللذّة، إلى أنّ الغرائز هي المحرّك الأساسي للأفعال الإنسانية، ولذلك فاللذّة عنده مادّية حسّية تقتصر على اللذّات الجسمية. ووضع «السفسطائيون» مبدأ عامّا للحقيقة هو الفرد ؛ وبناء على هذا المبدإ اعتبروا الخير ما يحقّق منفعة ولذّة للفرد، والشرّ ما يحول دون ذلك ؛ وليست الفضيلة في نظرهم سوى وهم اختُرع لتضليل النّاس، فالخير هو لذّة الانتصار أمام الرغبات والأهواء وإشباعها قدر الإمكان، وتتوقّف سعادة الأفراد على قدر ما يحقّقون من لذّات. أمّا «أبيقور»، وهو المؤسّس التقليدي لأخلاق اللذّة في الفلسفة القديمة، فقد اتّفق مع أرستيب من حيث المبدأ على أنّ النّاس يقبلون على اللذّة ويهربون من الألم تحت داعي الغريزة. أرستيب (Aristippe 435 – 355 ق.م) · السفسطائيون ⁦(Sophistes)⁩ · أبيقور (Epicure 341 – 270 ق.م) ؛ وينظر: د. بارودي، المشكلة الأخلاقية والفكر المعاصر، ترجمة محمد غلاب، ط 2، مكتبة الأنجلو مصرية، ص 104 · سيد جويك، المجمل في تاريخ علم الأخلاق، ج 1، دار الثقافة بالإسكندرية، 1949، ص 23

لكنّ اللذّة المعدَّلة — عند منظّري الأخلاق اليونانيين من أتباع أبيقور — هي التي تمثّل طبيعة القيمة الأخلاقية ؛ وحجّتهم أنّ الإنسان إذا عجز عن تحقيق اللذّة تألّم، وإذا تألّم كان شقيّا. فعلى الرغم من كون اللذّة هي الغاية القصوى التي ينشدها الإنسان، إلاّ أنّ فكرة اللذّة لا تكون دائما خيرا، ذلك أنّ هناك لذّات تجرّ وراءها آلاما، فمن الواجب تجنّبها لأنّها سبل سيّئة للسعادة. وميزان التعديل عندهم: خذ اللذّة التي لا يعقبها ألم، واجتنب الألم الذي لا يتبعه شيء من اللذّات، وتجنّب اللذّة التي تحرمك لذّة أعظم منها أو يترتّب عنها ألم، وتقبّل الألم الذي يخلّصك من ألم أعظم منه. وبذلك رأوا وجوب اتّباع اللذّة من حيث شدّتها واستمرارها مدى الحياة، وفضّلوا اللذّة البعيدة على اللذّة الآنية، فأعلوا من شأن اللذّات المعنوية، وأحالوا مذهب اللذّة إلى مذهب في المنفعة ؛ وصارت الصداقة والحكمة والفضيلة تهذيبا للذّة، لأنّها تتضمّن التحكّم في الغرائز الدنيا.

2 ـ الخير في تعدّد المنافع

يتّضح إذن أنّ اللذّة تؤدّي مباشرة إلى تصوّر أنانيّ للغاية الأخلاقية، وتنطلق من الشعور الذاتي الخاصّ نحو تأسيس القيم. ونظرا لضيق هذه النظرة، ينبغي الاستعاضة عنها بمبدإ شبيه هو المنفعة، بوصفه مبدأً يحقّق المصلحة الجماعية ولا يقتصر على النوازع الفردية، وبوصفه يقيم مفهوما للخير على أسس تجريبية علمية — وهذا تحت تأثير التطوّر العلمي والاجتماعي والاقتصادي الذي ميّز العصور الحديثة. والخير الذي يتحدّث عنه اتّجاه المنفعة شيء محسوس قابل للحساب والتقدير الكمّي، لذلك يحاول بناء الأخلاق على ما أسماه حساب اللذّات ؛ فالمهمّ كمّ اللذّة ومقدارها لا كيفها ونوعها، بحيث يصبح ميزان اللذّات والآلام قائما لصالح اللذّة. ومقاييس هذه الموازنة: الشدّة، والمدّة، والقرابة الزمنية والمكانية، والامتداد ؛ وأهمّ عامل مؤثّر هو الامتداد، لأنّ الشيء النافع هو ما تشمل لذّته أكبر عدد ممكن من النّاس، وهنا يرتبط خير الفرد بخير الجماعة. وهذا معنى فكرة الامتداد عند الفيلسوفَين الإنجليزيَّين المحدثَين: جيريمي بنتام ⁦(J. Bentham 1748 – 1832)⁩ وجون ستيوارت مل ⁦(J-S. Mill 1806 – 1873)⁩، كمحاولة منهما لتأسيس مذهب المنفعة ⁦(utilitarianisme)⁩ ليشمل حياة الأفراد الاجتماعية بدلا من النزوع إلى الفردية الأنانية.

جون ستيوارت مل — من كمّ اللذّة إلى كيفها

يُستحسن ألاّ يقتنع المرء بالمفاضلة بين اللذّات الكمّية الخالصة، وإنّما عليه أن يتجاوزها إلى التفرقة بين بعضها والبعض الآخر تفرقةً في الكيف ؛ ومن ذلك ضرورة التفريق بين لذّات الحسّ ولذّات العقل، لأنّ اعتبار اللذّة غايةً للحياة تقديرٌ لا يشرّف كرامة الإنسان. ولهذا لا بدّ من الارتفاع بلذّات العقل والوجدان فوق لذّات الحسّ العاجلة، والإنسان يتّجه بطبيعته إلى اللذّات التي تسدّ مطالب ملكاته العليا ويؤثرها على اللذّات التي تشاركه فيها جميع الحيوانات. «ومن النّاس من يُؤثر الاستماع إلى الموسيقى والاستمتاع بالأدب والفنون على لذّات الحسّ الآنية ؛ بل ربّما كان من الأفضل للفرد أن يكون إنسانا شقيّا من أن يكون كخنزير متلذّذ … إذ ليست المنفعة سوى المبدإ الأخلاقي الذي يفضي إلى تحقيق أكبر سعادة ممكنة ؛ فالخير ما هو نافع لنا، وما هو نافع لنا إنّما هو الذي يكون في الوقت نفسه نافعا لغيرنا.» سيد جويك، المجمل في تاريخ علم الأخلاق، ج 1، دار الثقافة بالإسكندرية، 1949، ص 27 ؛ والعبارتان منسوبتان إلى جون ستيوارت مل

لكن، وعلى النقيض ممّا سبق، فإنّ تصارع اللذّات قد يؤدّي إلى ألم وشرّ، وهي تحمل في طيّاتها ما هو دنيء ووضيع فلا ترقى إلى شرف المُثُل والمناقب الأخلاقية وسموّها في شيء. وقد بيّنت التجربة أنّ اتّباع السلوك الأخلاقي باستهداف منفعة — مهما كانت مفيدة وعامّة — لا يؤدّي إلى تحقيق الخيرية إلاّ قليلا، كما أنّ ما يحقّق منفعة معيّنة قد يمسّ بقيم المجتمع الأخلاقية. وعليه فإنّ هذا الاتّجاه، قديمه وحديثه، حينما جعل من اللذّة والمنفعة — وهما من الانفعالات المتغيّرة والدوافع المتقلّبة — غايةً للأفعال الإنسانية ومقياسا لخيريّتها، إنّما جعل الأخلاق متغيّرة ونسبية، شأنه في ذلك شأن اتّجاه الأخلاق الاجتماعية ؛ فيما الأخلاق تحتفظ — كما يدلّ تاريخها — بقدر من التوافق العامّ والتصوّر المشترك. ومن هنا فاللذّة والمنفعة معا، كمعيارين ذاتيَّين متغيّرين، لا يمكنهما أن يكونا أساسا للأخلاق.

لماذا لا يُستنتَج من اختلاف الأخلاق أنّها نسبية بالضرورة ؟

لأنّ الاختلاف واقعة، والنسبية حكمٌ على الواقعة ؛ والانتقال من الأولى إلى الثاني ليس بديهيّا. فأن تختلف المجتمعات في تطبيق قيمة لا يعني أنّها اختلفت في القيمة نفسها: فالمجتمعان اللذان تقابل فيهما تصرّف الابن مع أبيه يشتركان في أنّ للوالد حقّا على ولده، ويختلفان في الوسيلة التي يُؤدّى بها هذا الحقّ. ثمّ إنّ التفسير الاجتماعي يقيس الأخلاق بأداة العلم، وأداة العلم تصف ولا تقوّم ؛ فهي تُحصي ما يفعله النّاس ولا تقول لنا ما ينبغي أن يفعلوه — ولهذا انتهى ليفي برول إلى إلغاء المفهوم المعياري للأخلاق نفسه، وهو ثمنٌ باهظ: من يقل «لا توجد أخلاق بل عادات خلقية» فقد ألغى المشكلة بدل أن يحلّها، وحرم المصلح من حقّ نقد مجتمعه — وهو بعينه ما فتحه برغسون بأخلاقه المفتوحة.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية («هل القيم الأخلاقية نسبية أم مطلقة ؟») أو استقصاء بالرفع أو بالوضع لأطروحة «الأخلاق من صنع المجتمع»، أو تحليل نصّ لدوركايم. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① أطروحتان في التفسير الاجتماعي مع مرجعهما (دوركايم: الواقعة الأخلاقية خارجية ومتسامية · ليفي برول: لا أخلاق بل عادات خلقية) ؛ ② أطروحة في التفسير النفعي مع مرجعها (ستيوارت مل: التفرقة الكيفية بين اللذّات · مقاييس حساب اللذّات: الشدّة، المدّة، القرابة، الامتداد) ؛ ③ حجّتان نقديّتان دقيقتان: الأخلاق قيم لا ظواهر، والفيلسوف يحكم ولا يكتفي بالوصف · اللذّة والمنفعة انفعالان متغيّران لا يصلحان مقياسا. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين أخلاق اللذّة (أرستيب، أبيقور) وأخلاق المنفعة (بنتام، مل) ؛ الأولى فردية حسّية، والثانية اجتماعية قابلة للحساب، والانتقال بينهما هو ضيق النظرة الأنانية. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : الاستدلال بالاختلاف بين المجتمعات على النسبية دون تمييز الاختلاف في المبدإ عن الاختلاف في التطبيق.
نتيجة — يقوم الأساس النسبي للقيمة الخلقية على معيارين متغيّرين. أوّلهما المجتمع: فالواجب إلزام وضعته الجماعة، والواقعة الأخلاقية عند دوركايم خارجية عن ضمير الفرد ومتسامية عليه، تتحدّد بالإلزام وبالجزاء، فلكلّ شعب في مرحلة من تاريخه أخلاقه ؛ حتّى انتهى ليفي برول إلى أنّه «لا توجد أخلاق بل عادات خلقية». وثانيهما اللذّة والمنفعة: فاللذّة عند أرستيب والسفسطائيين وأبيقور غاية الحياة القصوى، ثمّ عُدّلت بميزان يوازن اللذّة بالألم، فأحالها ذلك إلى مذهب في المنفعة يقوم على حساب اللذّات ومقاييسه الأربعة، ويرتفع عند ستيوارت مل من الكمّ إلى الكيف. غير أنّ التفسير الأوّل يجعل الأخلاق ظواهر تُوصف لا قيما تُقوَّم، ويجعلها وسائل لا غايات ؛ والثاني يجعل مقياسها انفعالا متغيّرا ودافعا متقلّبا. فلا هذان المعياران يصلحان أساسا للأخلاق، ولا سابقاهما وحدهما كانا كافيَين — والأخلاق مع ذلك تحتفظ، كما يدلّ تاريخها، بقدر من التوافق العامّ والتصوّر المشترك. ⟸ لكن أليس من الموضوعية اعتبارها ثابتة في مبادئها، متطوّرة في تطبيقاتها في آن معا ؟

Page 1/5

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net