الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية
في العلاقات الأسرية: ضبط مفهوم الأسرة
- ضبط مفهوم الأسرة لغةً واصطلاحا، وبيان بعدَيها الطبيعي والحضاري
- بيان موقع الأسرة في النسق الاجتماعي بوصفها الحاضنة الأولى للفرد
- بيان أنّ الزواج أساس قيام الأسرة، والتمييز بينه وبين التزاوج الغريزي
- توظيف تعريف وأطروحة مسندَين إلى صاحبهما وإلى مرجعهما
- معنى المؤسسة الاجتماعية والفرق بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي في السلوك
- الفرق بين الغريزة والقيمة، وبين العلاقة الطبيعية والعلاقة التعاقدية
- طريقة طرح مشكلة فلسفية وتحرير مقدّمة تنتهي بالسؤال
مقدمة : طرح المشكلة
من الحقائق المسلَّم بها أنّ الإنسان، منذ بواكير تاريخه، لا يعيش في تفاعل مع الطبيعة فقط بل يعيش في جماعة، في مجتمع ؛ فهو — كما يقول الفلاسفة وعلماء الاجتماع — كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع أن يحفظ وجوده في الواقع إلاّ من خلال الآخرين. ومن ثمّ نجد الإطار الاجتماعي بمثابة المبرّر المنطقي وراء ظهور المؤسّسات والتنظيمات الثلاثة الأساسية: الأسرة، والاقتصاد، والدولة. فأمّا الأسرة فتُعدّ — باعتبارها مصدر الأخلاق والدعامة الأساسية لكلّ تهذيب للسلوك — المؤسّسةَ الأولى التي يتلقّى فيها الأفراد أهمّ دروس الحياة الاجتماعية ؛ وفي النظام الاقتصادي يسعون بالعمل الإنتاجي إلى الحصول من الطبيعة على الموادّ اللازمة لإشباع حاجاتهم ؛ ولمّا كان اجتماع البشر يقوم على علاقات لا بدّ أن تنجم عنها نزاعات، احتاجوا إلى تنظيم سياسي يمنع تظالمهم ويقوم بتصريف شؤونهم. وهم ضمن هذه المؤسّسات الثلاث يرومون تحقيق سعادتهم، التي لم يحقّقوا منها في الواقع إلاّ النزر القليل بسبب المشكلات التي يفرزها تطوّرها عبر العصور، ممّا يستدعي إصلاحها وإعادة تقويمها باستمرار.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (ر) : هل لي أن أعرف ما سيكون عليه وضع أسرتك بعد زواجك ؟ ـ (ع) : سيكون مختلفا عن أسرتنا الحالية التي تضمّ ثلاثة أجيال ؛ ستكون أصغر بالطبع ؛ ـ (ر) : وماذا عن زوجتك المقبلة، هل تستطيع — وهي موظّفة — رعاية أبنائك وتنشئتهم ؟ ـ (ع) : لا نفكّر في الإنجاب إلاّ بعد مدّة كافية. ومهما يكن فإنّنا نتشارك في كلّ شيء، بما في ذلك الوظيفة ورعاية الأبناء بكلّ مسؤولية ؛ ـ (ر) : أخشى أنّك بهذا تحاول أن تتمرّد على تقاليدنا وتراثنا وقيمنا… ـ (ع) : على رِسلك يا أمّاه ! فإنّ لعصرنا مشكلاته التي لا تجدي فيها تقاليدنا وقيمنا، بل لا بدّ من مواجهتها والتأقلم معها… ـ (ر) : ربّما أنت على حقّ، فقد خُلقتم لزمان غير زماننا ؛ ولكنّ المشكلة أنّنا لا ندري هل بإمكاننا نحن، بما جُبلنا عليه من إرث أخلاقي، أن نتأقلم مع زمانكم هذا ؟!
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- من حيث البنية والتكوين : يوجد تعارض بين حالة موروثة تعتبر الأسرة كيانا واسعا يشمل ليس فقط الوالدين والأبناء، بل حتّى الأقربين من الجيل الأوّل كالجدّ والعمّ وربّما الأبعدين أيضا ؛ وبين واقع معاصر يفرض أن تكون الأسرة قاصرة على الزوجين والأبناء فحسب.
- ومن حيث طبيعة الوظيفة : يقف التصوّر التقليدي عند حدود المحافظة على النسل ورعايته بالتربية، فيما يدعو التصوّر المعاصر إلى تنظيم هذه الوظيفة المزدوجة وترشيدها، بما يسمح بمشاركة أوسع للأسرة في الحياة الاجتماعية والحركية الإنتاجية.
- ومن حيث نوعية المشكلات : فالأسرة التقليدية لا تعرف منها سوى التفكّك أو الطلاق، في حين أنّ تطوّر الحياة المعاصرة وتعقّد علاقاتها أدّى إلى بروز مشكلات من نوع آخر: كتمرّد الفرد، وضعف رعاية الدولة، والتمييز ضدّ المرأة. ⟸ ومدار الخلاف بين (ر) وابنها جزء من ذلك الخلاف الأزلي بين القديم والجديد، والموروث والمكتسب، والتقليد ومواكبة العصر.
I – كيف يمكن للأسرة أن ترتقي بمكتسبات وقيم التراث باتجاه معالجة مشكلاتها الجديدة ؟
أولا : الأسرة كيان اجتماعي متطور
إنّ الأسرة تساعد الفرد على الاندماج في المجتمع ليصير عضوا فيه وفي الوقت نفسه عضوا فيها ؛ وإذا كانت الأسرة تعمل من أجل أن يبقى أفرادها على وفاء دائم لها في جميع أحوالها، فإنّ المجتمع لا يريد منها إلاّ أن تكون الحاضنة الأولى للأفراد، تعدّهم ليكونوا أفرادا في المجتمع وولاؤهم له. وفي هذا التوتّر بين المطلبين يقع كلّ ما تعرفه الأسرة من تحوّل: فهي مطالَبة بأن تُنشئ من ينفصل عنها، وأن تربّي على الولاء من سيصرف ولاءه إلى غيرها.
«إنّ وحدة الأسرة وحدة محسوسة تقوم على الحبّ ؛ فالفرد يوجد داخل الأسرة بصفته عضوا من أعضائها، وليس فقط بصفته فردا ؛ وتكون نهاية الأسرة بالانحلال، وعلى إثره يوجد الأفراد بصفتهم أشخاصا مستقلّين، أي بصفتهم عناصر من المجتمع.» ولاحظ أنّ «الانحلال» هنا ليس فشلا ولا انهيارا، بل غايةٌ محقّقة: الأسرة تنجح حين يخرج منها أشخاص مستقلّون — وهو بالضبط ما كان يجري بين (ر) وابنها. جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، تونس، 1994، ص، 41
1 ـ ضبط المفهوم : الأسرة لغةً واصطلاحا
- في اللغة : الأسرة من الأَسْر والإسار، وهو شدّة الخَلْق والقوّة ؛ يقال: فلانٌ شديدُ أسْرِ الخَلْق إذا كان معصوبَ الخَلْق غيرَ مسترخٍ. وعلى هذا يدلّ الأسر على الخَلْق والقوّة، وهما صفتان حالّتان في الأسرة، لكونها محلّ قوّة الفرد ومحلّ خَلْق المجتمع.
- وفي الاصطلاح : تُطلق على كلّ جماعة من الناس يعيشون معا في إطار مؤسّسة الزواج والقرابة ؛ فالقيدان اثنان لا قيد واحد: مؤسّسة الزواج، وصلة القرابة.
- ولها بعدان في آن واحد : بعدٌ طبيعي وبعدٌ حضاري ؛ لأنّ الزواج ليس مؤسّسة فقط، بل هو قبل ذلك علاقة جسدية وروحية طبيعية، والقرابة تتّسع لتشمل الروابط الاجتماعية. ⟸ وهذا هو سبب اختلاف الأجوبة في السؤال الذي فتحنا به الدرس: من نظر إلى البعد الطبيعي عدّ القرابة، ومن نظر إلى البعد الحضاري عدّ من يشملهم العقد والسكن الواحد.
الأسرة من الأَسْر والإسار: وهو شِدّةُ الخَلْقِ والقوّة ؛ يقال: فلانٌ شديدُ أسْرِ الخَلْق، إذا كان معصوبَ الخَلْق غيرَ مسترخٍ. وفي هذا الاشتقاق درس فلسفي كامل: فالأسرة ليست مجرّد اجتماع، بل شدُّ بعضٍ إلى بعض ؛ وما يجمعها هو نفسه ما يمنحها قوّتها. الزُّبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، مادّة أسر
«كلّ جماعة من الناس يعيشون معا في إطار مؤسّسة الزواج والقرابة» ؛ ويكتسي هذا بعدا طبيعيا وبعدا حضاريا في نفس الوقت، لأنّ الزواج ليس مؤسّسة فقط بل قبل ذلك هو علاقة جسدية وروحية طبيعية، والقرابة تتّسع لتشمل الروابط الاجتماعية. جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، تونس، 1994، ص، 169
2 ـ الزواج أساس قيام الأسرة
لا تقوم الأسرة إلاّ على أساس الزواج ؛ فإذا كان المجتمع لا يتكوّن إلاّ من خلال أسر، فإنّ الأسرة لا تقوم إلاّ على أساس الزواج، وهو اقتران بين رجل وامرأة لتكوين أسرة جديدة. وتختلف شروط عقده وفسخه والحقوق والواجبات المترتّبة عليه باختلاف الجماعات ؛ ومعنى هذا أنّ الزواج يخضع إلى نظام اجتماعي تحكمه قيم، على عكس التزاوج بين الكائنات الحيّة الذي يحدث بطريقة آلية طبيعية تقتضيه الغريزة، أي الضرورة البيولوجية.
- الزواج نظام، والتزاوج ضرورة : فالأوّل تحكمه قيم ويرتّب حقوقا وواجبات، والثاني تقتضيه الغريزة وحدها ؛ ولهذا يُسأل عن الزواج «أصحيح هو أم فاسد ؟»، ولا يُسأل ذلك عن التزاوج.
- وشروطه ليست واحدة في كلّ مكان : إذ تختلف شروط عقده وفسخه والحقوق والواجبات المترتّبة عليه باختلاف الجماعات ؛ وهذا وحده يثبت أنّه مؤسّسة ثقافية لا واقعة طبيعية.
- وهو اقتران بين رجل وامرأة لتكوين أسرة جديدة : وقد تتعدّد صور هذه العلاقة بينهما فتطرح أشكالا وأنماطا أساسية تؤكّدها النظرة التحليلية لتاريخ الزواج. ⟸ وهذه الأنماط هي بالضبط ما سيتتبّعه الدرس الموالي في مراحل تطوّر الأسرة.
3 ـ الأسرة بين البعد الطبيعي والبعد الحضاري
ولا شكّ في أنّ المجتمع الإنساني لهذا العصر يدفع بالأسرة إلى إعادة تقويم وظيفتها الأخلاقية والتربوية، في مواجهة شيوع نزعة التفكّك الاجتماعي والتحلّل من قيود الموروث، وما أدّى إليه ذلك من تنامي روح المغامرة والتمرّد على مستوى الأفراد. ولكنّ هذه المواجهة لا تكون بإنكار أحد البعدين: فمن أنكر البعد الطبيعي جعل الأسرة عقدا يُنقض متى شاء طرفاه، ومن أنكر البعد الحضاري جعلها واقعة بيولوجية لا شأن للقيم بها. والأسرة في الحقيقة كيان اجتماعي متطوّر: ثابتٌ في أساسه — وهو الزواج والقرابة — متغيّرٌ في بنيته ووظائفه بتغيّر المجتمع الذي تعيش فيه.
إذا كانت الأسرة «طبيعية»، فلماذا تختلف من مجتمع إلى آخر ؟إذا كانت الأسرة «طبيعية»، فلماذا تختلف من مجتمع إلى آخر ؟
لأنّ الطبيعي فيها هو الحاجة، أمّا الصورة التي تُشبع بها هذه الحاجة فثقافية. فالحاجة إلى الاقتران، وإلى النسل، وإلى رعاية الصغير الذي يولد عاجزا — هذه لا تختلف. أمّا من يُعدّ من الأسرة، ومن يرأسها، وكيف يُعقد الزواج وكيف يُفسخ، وما الحقوق والواجبات المترتّبة عليه: فهذه كلّها تختلف باختلاف الجماعات، لأنّها من صنع النظام الاجتماعي وقيمه. ⚖️ ومن هنا نفهم لماذا كان حوار (ر) مع ابنها ممكنا أصلا: لو كانت الأسرة طبيعية محضة لما جاز فيها خلاف، كما لا يجوز الخلاف في عدد أضلاع المثلّث ؛ ولو كانت ثقافية محضة لما بقي منها شيء عند تغيّر الثقافة. والحقيقة أنّ الأمّ والابن كانا متّفقين على الأساس — أسرةٌ تقوم على زواج وقرابة — مختلفَين في الصورة: أثلاثة أجيال أم جيلان ؟ وهذا خلاف في الحضاري لا في الطبيعي.
Page 1/6
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net