الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية
مراحل تطور الأسرة
- ترتيب الأنماط التي مرّ بها تنظيم الأسرة من المشاعية إلى الأحادية
- تعليل انتشار الزواج الأحادي بالأسباب التي تذكرها المصادر لا بالرأي الشخصي
- المقارنة بين الأسرة الممتدّة والأسرة النواة في البنية والسلطة والمسؤولية
- تعليل الانتقال من الممتدّة إلى النواة بالتحوّلات السياسية والاقتصادية والثقافية
- مفهوم الأسرة لغةً واصطلاحا، وأنّ الزواج أساس قيامها
- الفرق بين ما هو ثابت في الأسرة (الحاجة) وما هو متغيّر فيها (الصورة)
- قراءة نصّ تاريخي واستخراج ما يصفه من بنية اجتماعية
مقدمة : طرح المشكلة
قلنا إنّ الأسرة كيان اجتماعي متطوّر: ثابتٌ في أساسه — وهو الزواج والقرابة — متغيّرٌ في بنيته بتغيّر المجتمع. غير أنّ هذا القول يبقى دعوى ما لم يُختبر بالتاريخ: فإمّا أن تكون الأسرة قد عرفت صورا متعاقبة يمكن ترتيبها وتعليلها، فتثبت الدعوى ؛ وإمّا أن تكون صورتها واحدة في كلّ زمان، فيكون التغيّر الذي نلاحظه اليوم انحرافا عن الأصل لا مرحلة من مراحله. ومن هنا وجب أن ننظر في تاريخ الزواج أوّلا، ثمّ في تاريخ البناء الأسري ثانيا ؛ فالمسألة ليست مسألة حنين إلى صورة ماضية، بل مسألة فهم لقانون التحوّل الذي يحكم هذه المؤسّسة.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
«… كان أحمد يسكن مع أمّه الأرملة، التي كانت ترأس عددا من الفتيات من أقاربها ؛ فالعادة الجزائرية تقضي بأن يسكن أناس ينتمون إلى أجيال ثلاثة في بيت واحد، وفي هذه الحالة يضمّ الحريم جميع أعضاء الأسرة من الإناث ؛ وكان بطبيعة الحال ممنوعا عليّ — كأوروبي وكرجل — منعا باتّا الدخول إلى قداسة الحريم.» هاينريش فون مالتسان، ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا، ترجمة أبو العيد دودو، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ص 98
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- ثلاثة أجيال في بيت واحد : وهذا هو الوصف الدقيق للنمط الذي يُدعى الأسرة الممتدّة ؛ فالشاهد لا يصف حالة فردية، بل «عادة» — أي قاعدة اجتماعية سائدة.
- والرئاسة قائمة وإن غاب الأب : فالأمّ الأرملة «كانت ترأس عددا من الفتيات من أقاربها» ؛ ومعنى ذلك أنّ البناء يقوم على وظيفة الرئاسة لا على شخص بعينه، وأنّ القرابة تمتدّ إلى ما هو أبعد من الوالدين والأبناء.
- والوصف من الخارج له حدوده : فالشاهد يقرّ أنّه مُنع من الدخول ؛ ⟸ وهذا تنبيه منهجيّ يفيدك في كلّ نصّ تاريخي: ما يصفه الرحّالة هو ما رآه من موقعه، فتؤخذ منه البنية الظاهرة، ولا تؤخذ منه أحكام على ما لم يره.
I – كيف يمكن للأسرة أن ترتقي بمكتسبات وقيم التراث باتجاه معالجة مشكلاتها الجديدة ؟
أولا : الأسرة كيان اجتماعي متطور
1 ـ أنماط الزواج في تاريخ الأسرة
لمّا كان الزواج اقترانا بين رجل وامرأة لتكوين أسرة جديدة، فإنّ هذه العلاقة قد تتعدّد بينهما فتطرح أشكالا وأنماطا أساسية تؤكّدها النظرة التحليلية لتاريخ الزواج ؛ وهي أنماط متعاقبة لا مجرّد اختلافات متجاورة.
- التنظيم المشاعي البدائي : وهو الحالة التي بدأ منها تطوّر الأسرة، حيث لم تكن العلاقة قد استقرّت بعدُ في صورة نظام محدّد.
- النظام الأميسي : حيث السيطرة للأمّ ؛ وهو الطور الذي تنتسب فيه الجماعة إليها وتدور حولها.
- النظام الأبيسي : حيث السيطرة للأب ؛ وهو الذي طبع البناء الأسري في كثير من المجتمعات ووصل أثره إلى صورة الأسرة الممتدّة.
- الصورة الحديثة القائمة على الأحادية : وهي منتهى هذا التطوّر ؛ وتتجلّى من خلال زواج رجل واحد من امرأة واحدة.
والأسرة الأحادية من الأشكال المفضّلة في كثير من المجتمعات، وبالتالي فهي منتشرة على أوسع نطاق عالميا ؛ وسبب ذلك أنّ الوضع الخلقي والاجتماعي والنفسي للمرأة — كالكرامة والمكانة الاجتماعية وشعورها بدورها الفاعل داخل الأسرة والمجتمع، وشدّة الرابطة العاطفية التي تجمعها بزوجها — هذه القيم كلّها سمحت بتشكيل نظام الزواج الأحادي. ⚠️ ولاحظ أنّ التعليل هنا قيميّ لا كمّيّ: لم يُقل إنّ الأحادية انتشرت لأنّها الأكثر عددا، بل إنّها الأكثر عددا لأنّ هذه القيم دعمتها.
- تعدّد الزوجات : ويكون من خلال زواج رجل واحد من عدّة نساء ؛ وهذا الشكل أقلّ ظهورا وانتشارا في مجتمعنا، رغم أنّ الشرع قد أباحه بشروط.
- تعدّد الأزواج : وهو زواج امرأة بعدّة رجال ؛ ولا يظهر في مجتمعاتنا، وإنّما يظهر في مجتمعات إفريقية أو هندية.
- الزواج الجماعي : وهو زواج عدّة رجال من عدّة نساء ؛ وهو كسابقه لا يظهر في مجتمعاتنا. ⟸ وذكر هذه الأشكال ليس تسويةً بينها، بل بيانٌ لأنّ صورة الاقتران — لا أصله — هي موضع الاختلاف بين الجماعات.
2 ـ من الأسرة الممتدّة إلى الأسرة النواة
إنّ النوع من العائلات الذي وصفه الرحّالة، وكان مسيطرا في كثير من مناطق العالم، يُدعى الأسرة الممتدّة، وقد كانت النسق السائد في مجتمعاتنا. وهي تتكوّن من الزوج والزوجة والأولاد الذكور والإناث — غير المتزوّجين والمتزوّجين — وأولادهم، وغيرهم من الأقارب كالعمّ والعمّة وأبناء الأرملة ؛ وهؤلاء جميعا يقيمون في المسكن نفسه ويشتركون في حياة اقتصادية واجتماعية واحدة تحت رئاسة الأب. فهي تتركّب من أكثر من جيلين: جيل الأجداد، وجيل الآباء، وجيل الأحفاد، وقد تزيد على ذلك.
- ثلاثة أجيال فأكثر تحت سقف واحد : بنيةٌ واسعة تتجاوز الوالدين والأبناء إلى الأقربين وربّما الأبعدين.
- رئاسة واحدة ذات مهابة : فمن الناحية المثالية يصبح الرجل في مركز الرئيس أو الزعيم، يفيض بالحكمة ويتمتّع بالسلطة والمهابة، ويستمدّ نفوذه من أبنائه المتزوّجين.
- وتبعية اجتماعية واقتصادية : إذ يكون كلّ فرد داخل نمط الأسرة الممتدّة تابعا اجتماعيا واقتصاديا ؛ فالحياة الاقتصادية واحدة، والقرار واحد.
- ومن ثمّ ضعف المشاركة : فأعضاء الأسرة الممتدّة يفتقدون للحرّية وللمشاركة في اتّخاذ القرارات، وبالتالي تكون مسؤولية كلّ فرد تجاه المجتمع أضعف ممّا هي عليه في النمط الآخر.
ولكنّ التطوّرات السياسية والاقتصادية والثقافية لمجتمعاتنا الحالية أدّت إلى انتشار الأسرة النواة، التي تتكوّن من الزوجين وأبنائهما فقط ؛ ومعنى هذا أنّها تشمل جيلين: آباء وأبناء، تربطهم علاقات اجتماعية واقتصادية وعاطفية وأخلاقية متبادلة. ⚠️ ولا يعني هذا أنّها تتميّز باستقلالية تامّة، إذ تبقى علاقة القرابة بين الأبوّة والأخوّة والعمومة والخؤولة مستمرّة ؛ على عكس الأسرة النواة في المجتمع الغربي، فهي منعزلة عن الجماعات القرابية الواسعة.
- جيلان لا ثلاثة : فالبنية تضيق، ويخرج الأقارب من دائرة السكن والاقتصاد المشترك دون أن تنقطع القرابة.
- وجود الركن القانوني : كأساس للمعاشرة بين الزوجين ؛ فالعقد هو الذي يؤسّس العلاقة، لا الانتساب إلى جماعة أوسع.
- المشاركة في اتّخاذ القرارات : بحيث يكون كلّ عضو في الأسرة النواة قادرا على تحمّل المسؤولية، ليس فقط تجاه أسرته بل أيضا تجاه مجتمعه.
- والميل إلى التسامح والحرّية : وهو ما تعكسه هذه البنية، على العكس من الأسرة الممتدّة. ⟸ فالانتقال إذن ليس تصغيرا للعدد فحسب، بل نقلٌ للسلطة من الرئاسة الواحدة إلى المشاركة، وللمسؤولية من الجماعة إلى الفرد.
هل الانتقال من الأسرة الممتدّة إلى النواة تقدّم أم تراجع ؟هل الانتقال من الأسرة الممتدّة إلى النواة تقدّم أم تراجع ؟
السؤال بهذه الصيغة يوقعك في فخّ، لأنّه يطلب حكما واحدا على تحوّل ذي وجهين. فمن جهة الفرد: النواة تكسبه المشاركة في القرار، والقدرة على تحمّل المسؤولية تجاه أسرته وتجاه مجتمعه، وميلا إلى التسامح والحرّية ؛ وهذه مكاسب لا تُنكر، لأنّ الممتدّة كانت تجعله تابعا اجتماعيا واقتصاديا. ومن جهة الجماعة: الممتدّة كانت تؤمّن ما لا تؤمّنه النواة — سندا في الشدّة، وحكمةً تنتقل من جيل إلى جيل، وحماية للأرملة واليتيم داخل البيت نفسه كما في نصّ الرحّالة. ⚖️ والجواب الفلسفي ليس في المفاضلة، بل في تعيين السبب: التطوّرات السياسية والاقتصادية والثقافية هي التي أدّت إلى هذا الانتشار، لا اختيار حرّ من الأفراد. فالمطلوب ليس أن نحكم على التحوّل، بل أن نسأل: ما الوظائف التي كانت الأسرة الممتدّة تؤدّيها، ومن يؤدّيها اليوم بعد أن ضاقت البنية ؟ وهذا هو بالضبط سؤال الدرس الموالي.
Page 1/4
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net