الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية
الأنظمة الاقتصادية: أ- النظام الرأسمالي
- تحديد أساس النظام الرأسمالي: الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج وحرّية التصرّف فيها
- بيان موقف الرأسمالية من الدولة وتعليله بمبدأ التنسيق التلقائي للسوق
- عرض حجج الرأسمالية في الحرّية والتنافس والكرامة
- نقد النظام بتناقضه الداخلي (فائض القيمة) وبنتائجه الخلقية والاجتماعية
- معنى وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج، والفرق بين الملكية الخاصّة والعامّة
- الفرق بين قيمة الاستعمال وقيمة المبادلة، ومعنى تقسيم العمل
- بناء نقد لأطروحة: تعيين المبدأ، ثمّ بيان ما يلزم عنه
مقدمة : طرح المشكلة
إنّ عمليات تملّك الثروة الإنتاجية ومبادلتها احتاجت إلى طريقة يُتّفق عليها، تكون محكومة بمجموعة من الأفكار والقيم ؛ وهذه هي التي شكّلت لاحقا — وفق نمط معيّن — مجملَ المذاهب والنظم الاقتصادية المعروفة في العصر الحديث. ومعنى ذلك أنّ النظام الاقتصادي ليس تقنية محايدة لتوزيع الموارد، بل هو مذهب يحمل تصوّرا للإنسان وللحرّية وللعدل قبل أن يحمل جدولا للأرقام. ومن هنا كان الحكم عليه حكما فلسفيا بالدرجة الأولى: نسأله عن مبدئه، ثمّ نتتبّع ما يلزم عن هذا المبدأ في حياة الناس.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
«… فلا يتحدّد الإنتاج بمقدار الحاجة إليه، بل بحاجة الراغبين الملحّة إلى المال ؛ وتبقى الحاجات الرئيسية في الحياة عطشى لا تُروى، بينما يتمتّع أصحاب الأموال بمُتع فائضة زائدة ؛ فلا تُحلّ إلاّ الحاجات التي يُدفع ثمنها، وتزيد في دخل المتموّلين — وفي ذلك من الظلم ما فيه.» ممدوح حقي، المذاهب الاقتصادية، مكتبة الفكر الجامعي، عويدات، بيروت، ص، 20
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- معيار الإنتاج ينتقل من الحاجة إلى الملاءة : فالسؤال في هذا النظام ليس «من يحتاج ؟» بل «من يدفع ؟» ؛ ولذلك يمكن أن يُنتَج الترف بوفرة وتبقى الحاجات الرئيسية عطشى لا تُروى، دون أن يكون في ذلك أيّ خلل في منطق النظام نفسه.
- والنتيجة تفاوت يتّسع من ذاته : فما دام الإنتاج يتّجه إلى من يدفع، فإنّه يزيد في دخل المتموّلين، وما زاد في دخلهم زاد في قدرتهم على توجيه الإنتاج مرّة أخرى ؛ فتدور الحلقة.
- والحكم المذكور حكمٌ خلقيّ لا فنّيّ : فالنصّ يختم بقوله «وفي ذلك من الظلم ما فيه» ؛ ⟸ وهذا هو موضع الفلسفة في المسألة: أن تسأل النظام الاقتصادي عن عدله لا عن مردوده فحسب.
II – ثم كيف يتأتّى للعمل أن يرفع من شأن تلك المكتسبات والقيم في ضوء تحدّي العولمة ؟
أولا : من العمل إلى الاقتصاد (المبادئ والنظم)
2 ـ النظم الاقتصادية وتوجّهاتها
إنّ المعالجة المتوازنة للأنظمة الاقتصادية لا بدّ أن تقوم على تحديد الخصائص الجوهرية لطريقة الإنتاج، من حيث نوعُ علاقات الإنتاج السائدة، وما يرتبط بها من هدف مباشر للنشاط الاقتصادي، وطريقةُ أداء الاقتصاد داخل الدولة. ⚠️ وهذه المعايير الثلاثة هي التي ينبغي أن تحكم دراستك لكلّ نظام، وبها وحدها تكون المقارنة بين النظم مقارنةً منهجية لا انطباعا.
أ ـ الاقتصاد الرأسمالي وتقديس الحرّية
- علاقة الإنتاج تقوم على الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج : باعتبارها القاعدة العامّة التي تمتدّ إلى كلّ مجالات الثروة المتنوّعة ؛ فهي ليست استثناء ولا حالة خاصّة، بل الأصل الذي يُقاس عليه.
- ولذلك يؤمن بحرّية التملّك : فيسمح للملكية الخاصّة بغزو جميع عناصر الإنتاج — الأرض، والآلات، والمباني، والمعادن، وغير ذلك من ألوان الثروة ؛ ويتكفّل القانون في المجتمع الرأسمالي بحماية الملكية الخاصّة وتمكين المالك من الاحتفاظ بها.
- وشكل الملكية يتغيّر مع تطوّر طريقة الإنتاج : إذ تمّ الانتقال من الملكية الفردية — ملكية فرد أو عائلة — نحو ملكية المجموعات، ومن المشروعات الفردية إلى أنواع مختلفة من الشركات المساهمة، وهي شركات أموال لا تقوم على الاعتبار الشخصي للشريك، إنّما يُعتمد فيها على ما يقدّمه كلّ شريك من مال دون مراعاة لشخصيته.
- وحرّية الاستغلال مطلقة : فتفسح الرأسمالية المجال لكلّ فرد لاستغلال ملكيته على الوجه الذي يروق له، وتسمح له بتنمية ثروته بمختلف الوسائل ؛ إذ ما من أحد أعرف منه بمنافعه الحقيقية، ولا أقدر منه على اكتسابها.
- والسوق آلية تنسيق ذاتية : فتصبح السوق وحركات الأثمان — كآلية تنسيق في الاقتصاد — ذات أداء تلقائي ؛ ⟸ ومن هنا تُطلب من الدولة ألاّ تتدخّل حتّى لا تعيق النشاط الاقتصادي، بل عليها فقط حماية الملكية الخاصّة وضمان الحرّية، باعتبار أنّ حرّية الإنسان في الحقل الاقتصادي هي الأساس الذي تنبثق منه كلّ الحقوق والقيم.
الرأسمالي يتّخذ القرارات المتعلّقة بما ينتجه، وبالكمّية التي ينتجها، وبعدد العمّال اللازم استخدامهم. ⟸ ولاحظ ما يترتّب على هذه الجملة القصيرة: القرار الاقتصادي كلّه — ماذا يُنتَج، وبكم، وبمن — بيد مالك وسائل الإنتاج ؛ فالعامل ليس طرفا في القرار، وإنّما هو أحد عناصره. حامد دويدار ومحمود شهاب، الاقتصاد السياسي، الدار الجامعية، بيروت، ص، 184
تعقيب : بمَ تحتجّ الرأسمالية لنفسها
- بالتوافق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع : فهي ترتبط بالتوافق بين مصالح الفرد التي يندفع إلى تحقيقها بدوافعه الذاتية، ومصالح المجتمع التي يتوقّف عليها كيانه العامّ ؛ والاعتقاد بهذه الفكرة يجعل من الضروري على المجتمع أن يطلق الحرّية للفرد ليفسح المجال لدوافعه الذاتية أن تقوده إلى تحقيق مصالحه الخاصّة، وهي بدورها تؤدّي بصورة آلية إلى توفير المصالح العامّة.
- وبأنّ الحرّية أفضل قوّة دافعة : فهي تمثّل أفضل قوّة دافعة للقوى المنتجة، وأكفأ وسيلة لتفجير كلّ الطاقات والإمكانات وتجنيدها للإنتاج العامّ.
- وبأنّ التنافس خير وسيلة : فمبدأ التنافس الذي طال وجوده وامتدّت حياته هو بلا شكّ خير وسيلة للحصول على مردود اجتماعي في أعلى طبقاته.
- وبأنّها حقّ إنساني أصيل : إذ تُعتبر الحرّية الاقتصادية بوجه عامّ حقّا إنسانيا أصيلا، وترجمة عملية للكرامة البشرية، أي تحقيقا لإنسانية الإنسان ووجوده الطبيعي الصحيح ؛ وبهذه الحقوق والقيم يتحقّق المجتمع الإنساني المزدهر.
نقد : جنايات الحرّية المطلقة
- تناقض فائض القيمة : فثمّة تناقض رئيسي يتمثّل في أنّ المالك يشتري من العامل قوّة عمله ولكنّه يتسلّم منه العمل نفسه ؛ فالعامل هو الذي يخلق القيمة التبادلية كلّها، ويُضطرّ إلى التنازل عن جزء من القيمة التي خلقها — وهذا ما يُعرف بفائض القيمة، أي مجهود مبذول من العامل دون أن يتقاضى مقابله أجرا. وعلى هذا الأساس يقوم الصراع بين الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة العاملة ؛ وهذا نقد ماركسي.
- إنتاجٌ اجتماعي وتوزيعٌ فردي : فالعملية الإنتاجية تتّصف بالطابع الاجتماعي من خلال تقسيم العمل، في مقابل ذلك نجد عملية التوزيع لها الطابع الفردي ؛ وهذا ينطوي على تناقض يقوم عليه استغلال الفرد للجماعة.
- حرّية مجرّدة من كلّ قيمة : فالحرّية التي نادت بها الرأسمالية مجرّدة من كلّ القيم الخلقية والروحية ؛ فهي لا تعترف بضرورة هذه القيم لضمان مصلحة المجتمع، بل يمكن الاستغناء عنها عن طريق توفير الحرّيات للأفراد، فلا ضرورة بعد ذلك إلى إرهاق صاحب المشروع بتربية خلقية معيّنة أو ترويضه على القيم الروحية.
- وحرّيةٌ هي سلاح الأقوياء : فالحرّية المطلقة في مجرى الحياة الاقتصادية ليست إلاّ سلاحا بيد الأقوياء يشقّ لهم الطريق، لأنّ التفاوت الطبيعي بين الناس يؤدّي بالضرورة إلى الاختلاف في درجة الاستفادة من الحرّية الاقتصادية ؛ فتصبح تعبيرا قانونيا عن حقّ القويّ في كلّ شيء، بينما لا تعني بالنسبة للضعيف شيئا، حتّى بات الإنسان نفسه سلعة خاضعة لقانون العرض والطلب.
إن كانت الحرّية قيمةً عظيمة، فكيف صارت هنا موضع اتّهام ؟إن كانت الحرّية قيمةً عظيمة، فكيف صارت هنا موضع اتّهام ؟
لأنّ الحرّية في هذا النظام لم تُتّخذ قيمةً بين قيم، بل جُعلت الأساس الذي تنبثق منه كلّ الحقوق والقيم ؛ وحين يصير مبدأ واحد أصلا لكلّ شيء، فإنّ كلّ ما يعارضه يسقط، ولو كان عدلا. وتتبّع اللزوم: إذا كانت حرّية التملّك هي الأصل، فلا سبيل إلى تقييدها بقيمة خلقية ؛ وإذا سقط القيد الخلقي، صار معيار الإنتاج قدرةَ الراغب على الدفع لا حاجةَ المحتاج ؛ وإذا صار ذلك، تفاوتت الاستفادة من الحرّية نفسها بتفاوت القوّة، فصارت «تعبيرا قانونيا عن حقّ القويّ في كلّ شيء» ولم تعنِ للضعيف شيئا. فالنتيجة لم تأتِ من خارج المبدأ، بل خرجت منه. ⚖️ ولاحظ أنّ النقد هنا لا ينكر ما للحرّية من فضل في تفجير الطاقات ولا ما للتنافس من مردود ؛ وإنّما ينكر إطلاقها. ولذلك لم يكن الجواب عنها إلغاءها، بل البحث عن نظام يحدّها — وهذا ما ستراه في النظامين المواليين: أحدهما يحدّها بالمجتمع، والآخر يحدّها بالقيم.
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net