Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية

الأنظمة الاقتصادية: ب- النظام الاشتراكي

🔊 The teacher reads for you
من يملك الطريق الذي تسير عليه إلى الثانوية ؟ لا أحد — أو قل: كلّنا. لا يُشترى ولا يُباع، ومع ذلك يُعبَّد ويُنار ويُصلَح. فلماذا لا يكون المصنع كذلك، والأرض، والمنجم ؟ لماذا يُترك ما يعيش منه الناس جميعا في يد من يملكه وحده ؟ ثمّ، إن صار كلّ شيء ملكا للجميع، فمن الذي يقرّر ماذا يُنتَج، وبكم، ولمن ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديد أساس النظام الاشتراكي: الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج وإزالة الطبقية
  • بيان معنى أن يتكيّف الإنتاج وفق الحاجات الاجتماعية لا الفردية
  • تعليل ضرورة التخطيط المركزي في هذا النظام
  • المقارنة بين الرأسمالية والاشتراكية في نظرتهما إلى الفرد والمجتمع وإلى القيم
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • أساس النظام الرأسمالي ونقده، وخاصّة تناقض فائض القيمة
  • الفرق بين الملكية الخاصّة والملكية الجماعية لوسائل الإنتاج
  • معنى القدرة الشرائية والفرق بين الحاجة والطلب
كيف تُهدَم التناقضات القائمة في المذهب الرأسمالي ؟ وهل يكفي استبدال الملكية الفردية بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج ؟ وإذا كان الإنتاج يتكيّف وفق الحاجات الاجتماعية، فمن يحدّد هذه الحاجات وبأيّ وسيلة ؟ ثمّ هل يفارق هذا النظام غريمَه في أساسه، أم يشاركه فيه ويخالفه في التطبيق ؟

مقدمة : طرح المشكلة

لا يُفهم المذهب الاشتراكي إلاّ من حيث نشأ: من نقد نظام قائم لا من تأمّل مجرّد. فقد انتهى بنا تحليل الرأسمالية إلى تناقض داخلي — عاملٌ يخلق القيمة التبادلية كلّها ويتنازل عن جزء منها، وإنتاجٌ اجتماعي بتوزيع فردي، وحرّية مجرّدة من كلّ قيد خلقي — ثمّ إلى نتيجة عملية: أنّ الإنتاج لا تحدّده الحاجة بل قدرة الراغب على الدفع. ومن هنا نشأت الدعوة إلى نظام آخر يزعم أنّه يزيل السبب لا العَرَض. والسؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه: هل بلغ هذا النظام الجديد ما وعد به ؟ أم أنّه — وهو ينقلب على غريمه — بقي معه في الأرض نفسها ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وضعية تاريخية : «مجتمع إنساني بلا إنسانية»

لقد رفضت الحرّية الرأسمالية كلّ التحديدات الخلقية والروحية: في مجرى الحياة الاقتصادية أوّلا، وفي المحتوى الروحي للمجتمع ثانيا، وفي علاقات المجتمع الرأسمالي بغيره من المجتمعات ثالثا ؛ وهكذا ساد الصراع في سبيل البقاء بدلا من روح التعاون والتكافل، ونتج عن هذا النظام الاقتصادي في مرحلة ما مجتمعٌ إنسانيّ بلا إنسانية. والمقصود بهذه المرحلة مرحلةُ الرأسمالية المتوحّشة التي شهدتها تطبيقات الثورة الصناعية الكبرى في أوروبا خلال القرن التاسع عشر على وجه الخصوص. فمن هذه الواقعة بالذات — لا من كتاب — وُلدت الدعوة إلى نظام اجتماعي جديد.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. العبارة تصف تناقضا لا مجرّد سوء حال : «مجتمع إنساني بلا إنسانية» — أي أنّ الخلل ليس في نقص الإنتاج ولا في قلّة الثروة، بل في أنّ المجتمع بلغ غاياته المادّية وفقد ما لأجله أُقيم.
  2. والسبب معيَّن في النصّ لا مبهم : رفضُ التحديدات الخلقية والروحية ؛ ⟸ ومن ثمّ فأيّ إصلاح لا يعيد التحديد إلى مكانه سيُعيد إنتاج النتيجة نفسها.
  3. وأمام هذا التشخيص طريقان : طريقٌ يردّ الخلل إلى الملكية فيغيّرها، وطريقٌ يردّه إلى القيم فيعيدها ؛ والأوّل هو ما سلكه الاشتراكيون، والثاني ما سيأتي في الدرس الموالي.

II – ثم كيف يتأتّى للعمل أن يرفع من شأن تلك المكتسبات والقيم في ضوء تحدّي العولمة ؟

أولا : من العمل إلى الاقتصاد (المبادئ والنظم)

ب ـ الاقتصاد الاشتراكي وتحقيق الحاجيات الاجتماعية

تزعّم الاشتراكيون الدعوة إلى نظام اجتماعي جديد وقيادة الإنسانية إلى تحقيقه ؛ حيث رأوا أنّ تهديم التناقضات القائمة في المذهب الاقتصادي الرأسمالي لا يتمّ إلاّ من خلال إزالة الطبقية، واستبدال الملكية الفردية بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. وقد ترتّب على الازدياد المستمرّ للطبيعة الاجتماعية لعملية الإنتاج أن أصبح من الصعب — إن لم يكن من المستحيل — إسنادُ ناتج معيّن إلى شخص معيّن بالذات ؛ ⚠️ وهذه هي الحجّة المركزية: إذا كان الإنتاج قد صار عملا جماعيا بحكم تقسيم العمل، فمن غير المعقول أن يبقى تملّك وسائله فرديا.

  1. الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج : وتعني سيطرة المجتمع على وسائل الإنتاج، على نحو يمكّن من استخدام الموارد الإنتاجية استخداما يحقّق مصلحة غالبية المجتمع.
  2. ونمطٌ للتوزيع يتبع ذلك : فهذه الطبيعة الجماعية لملكية وسائل الإنتاج تعطينا نمطا لتوزيع الناتج الاجتماعي بين من ساهموا في إنتاجه ؛ فالتوزيع هنا مرتبط بالمساهمة لا بالملكية.
  3. وإنتاجٌ يتكيّف وفق الحاجات الاجتماعية : فيصبح الأصل في الإنتاج الاشتراكي أنّه إنتاج يتكيّف وفقا للحاجات الاجتماعية، وليست الحاجات الفردية المرتبطة بقدرة صاحبها الشرائية كما هو الحال في الرأسمالية. ⟸ وهذا هو الردّ المباشر على العيب الذي شخّصناه: أن يُنتَج لمن يحتاج لا لمن يدفع.

لكنّ إشباع الحاجات الاجتماعية في فترة زمنية معيّنة يتطلّب تحديدا لها، وهذا لا يتمّ إلاّ بتخطيط مركزي، يتمثّل في اتّخاذ مجموعة من الوسائل تهدف إلى توزيع الموارد الإنتاجية بين الاستعمالات المختلفة، على نحو يمكّن الاقتصاد من تحقيق أهداف معيّنة تختلف وفقا لمرحلة التطوّر التي يمرّ بها، وبما يضمن التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. ⚠️ وانتبه إلى اللزوم المنطقي هنا: التخطيط المركزي ليس اختيارا سياسيا زائدا على المذهب، بل نتيجة لازمة عن مبدئه ؛ فمن قال إنّ الإنتاج يتبع الحاجة الاجتماعية، لزمه أن يعيّن جهةً تحدّد هذه الحاجة، ما دامت السوق لم تعد هي التي تعيّنها.

تعقيب : ما يفرّق النظامين وما يجمعهما

  1. الأوّل مذهب فردي، والثاني مذهب جماعي : فالنظرة الأولية تبيّن الاختلاف بينهما من خلال نظرتهما إلى الفرد والمجتمع ؛ فالرأسمالية مذهب فردي يقدّس الدوافع الذاتية، أمّا الاشتراكية فمذهب جماعي يُفني الفرد في المجتمع.
  2. والاشتراكية تقتل روح المبادرة : فهي بخلاف الرأسمالية تقتل في الفرد روح المبادرة الفردية وتعيق تفتّح المواهب ؛ وهذا هو الثمن الذي تدفعه مقابل ما تكسبه من عدالة في التوزيع.
  3. وكلاهما يعتمد على دوافع ذاتية وأنانية : والواقع أنّهما معا يرتكزان على نظرة مادّية، مع إهمال للقيم الأخلاقية، بحجّة أنّ التطوّر الاقتصادي محكوم بقوانين ضرورية لا حاجة فيها لمثل هذه القيم.
  4. ومن هنا يبدأ البحث عن ثالث : فالابتعاد عن الأساس الأخلاقي في هذين النظامين هو الذي يقودنا إلى محاولة البحث عنه في المذهب الاقتصادي الإسلامي. ⟸ ولاحظ دقّة العبارة: البحث عن أساس أخلاقي، لا عن نظام ثالث في التنظيم فحسب.
مالك بن نبي — الإنسان أوّل قيمة اقتصادية

أكّد مالك بن نبي على أنّ الاقتصاد يرتبط بالقيم الحضارية ارتباطا لا يمكن معه أن نتصوّر نجاح خطّة اقتصادية تقنع بأرقام وإحصائيات وأدوات مادّية، إن لم يكن إنجازها آخذا في الاعتبار قيمة الإنسان ذاته كقيمة اقتصادية أولى. ⟸ وفي هذا القول مقياس تحكم به على النظامين معا: فليس السؤال أيّهما أكثر إنتاجا، بل أيّهما يعدّ الإنسان غايةً لا أداةً بين الأدوات. مالك بن نبي، المسلم في عالم الاقتصاد

إن كانت الاشتراكية قد صحّحت عيب الرأسمالية، فلماذا لم تُحسم المسألة ؟

لأنّها صحّحت النتيجة ولم تغيّر الأرضية. صحيح أنّها نقلت معيار الإنتاج من قدرة الدفع إلى الحاجة الاجتماعية، ومن الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية، فأزالت بذلك تناقض «إنتاج اجتماعي وتوزيع فردي». ولكنّها ظلّت — كغريمتها — تفسّر الحياة الاقتصادية بقوانين ضرورية مادّية، وتعدّ القيم الأخلاقية زائدة عن الحاجة ما دام التطوّر محكوما بتلك القوانين. فالخلاف بينهما خلافٌ في من يملك، لا في ما الإنسان. وثمن هذا التصحيح ظهر سريعا: مذهبٌ يُفني الفرد في المجتمع، فيقتل روح المبادرة ويعيق تفتّح المواهب — أي أنّه أنقذ العدالة وأضاع الحرّية، بعد أن كانت غريمته قد أنقذت الحرّية وأضاعت العدالة. ⚖️ ومن هنا يصير السؤال الفلسفي أوضح: هل المشكلة في نمط الملكية أصلا ؟ أم في غياب الأساس الأخلاقي الذي يجعل من الحرّية أداةَ خير ومن الملكية أمانةً ؟ وهذا هو المدخل الذي يفتحه الدرس الموالي.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في مقارنة بين النظامين أو في مقالة جدلية: «هل الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج تحقّق العدالة الاجتماعية ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① أساس النظام في جملة (إزالة الطبقية + ملكية جماعية لوسائل الإنتاج + إنتاج يتكيّف وفق الحاجات الاجتماعية + تخطيط مركزي) ؛ ② حجّته الداخلية: صار الإنتاج اجتماعيا بتقسيم العمل حتّى تعذّر إسناد ناتج معيّن إلى شخص بعينه، فوجب أن تكون الملكية جماعية ؛ ③ التعقيب المزدوج: يفارق الرأسمالية في نظرته إلى الفرد والمجتمع، ويشاركها في النظرة المادّية وإهمال القيم — مع أطروحة مالك بن نبي في الإنسان بوصفه أوّل قيمة اقتصادية. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : عرض الاشتراكية كأنّها مجرّد «عكس» الرأسمالية ؛ والمطلوب بيان أنّها تشاركها الأرضية المادّية، وهذا هو موضع التركيب في المقالة. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : نسيان التخطيط المركزي أو ذكره دون تعليل ؛ وهو لازم عن المبدأ لا إضافة سياسية عليه.
نتيجة — نشأ المذهب الاشتراكي من نقد عمليّ لا من تأمّل: من مجتمع إنسانيّ بلا إنسانية أفرزته الرأسمالية المتوحّشة في القرن التاسع عشر. وأساسه أنّ تهديم تناقضات الرأسمالية لا يتمّ إلاّ بإزالة الطبقية واستبدال الملكية الفردية بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج ؛ وحجّته أنّ الإنتاج صار بحكم تقسيم العمل عملا جماعيا يتعذّر إسناد ناتجه إلى شخص بعينه. وتعني الملكية الجماعية سيطرة المجتمع على وسائل الإنتاج بما يحقّق مصلحة غالبيته، ويتبعها نمطٌ للتوزيع بين من ساهموا في الإنتاج، وإنتاجٌ يتكيّف وفق الحاجات الاجتماعية لا وفق الحاجات الفردية المرتبطة بالقدرة الشرائية ؛ ولمّا كان تحديد هذه الحاجات لازما، لزم عنه التخطيط المركزي الذي يوزّع الموارد ويضمن التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. غير أنّ النظرة الفاحصة تبيّن أنّ الرأسمالية مذهب فردي يقدّس الدوافع الذاتية، والاشتراكية مذهب جماعي يُفني الفرد في المجتمع ويقتل روح المبادرة ويعيق تفتّح المواهب ؛ وأنّ كليهما يرتكز على نظرة مادّية مع إهمال للقيم الأخلاقية بحجّة أنّ التطوّر الاقتصادي محكوم بقوانين ضرورية. ⟸ وهذا الابتعاد عن الأساس الأخلاقي في النظامين هو الذي يقودنا إلى البحث عنه في المذهب الاقتصادي الإسلامي.

Page 1/4

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net