الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم › في علوم الإنسان والعلوم المعيارية
طبيعة الموضوع والعوائق الابستمولوجية في: علم النفس
- التمييز بين علوم الإنسان — التي تدرس ما هو كائن — والعلوم المعيارية التي تبحث فيما ينبغي أن يكون
- تحديد طبيعة موضوع علم النفس، وعرض عوائقه الابستمولوجية الأربعة
- التمييز بين العائق المنهجي والعائق الأخلاقي في التجريب على الإنسان
- بيان كيف تجاوز علماء النفس هذه العوائق، وتقويم نتائجهم بين السلوك والاستبطان
- شروط المنهج التجريبي: الملاحظة والفرضية والتجربة والقانون
- الفرق بين الشعور واللاشعور، وبين الحالة النفسية والسلوك الظاهر
- الفرق بين الحكم الواقعي والحكم التقديري (حكم القيمة)
مقدمة : طرح المشكلة
كثر التساؤل عن مكانة علوم الإنسان ودورها في فهم الواقع البشري ؛ وأصل هذا التساؤل: هل نستطيع أن نتنبّأ بما يصدر عن الإنسان من سلوكات إذا ما استطعنا الوصول إلى دراسته وعرفنا قواعد النظام الذي يحكمه ؟ غير أنّ وضع هذه العلوم بجوار العلوم المعيارية يزيد السؤال حدّة: فهذه الأخيرة لا تصف ما يقع، وإنّما تضع القواعد التي ينبغي أن يقع الشيء بمقتضاها. ويأخذ السؤال في علم النفس صورته الأدقّ: فهو يدرس ما يجري في النفس من إحساس وميل وانفعال، أي ما هو كائن ؛ ومع ذلك فقد نشأ في حضن الفلسفة التي طالما خلطت وصفَ النفس بتقويم أحوالها. ثمّ إنّ موضوعه لا يقع تحت الحسّ ولا يثبت لحظتين، والباحث فيه يشترك مع موضوعه في الطبيعة نفسها. فهل يبقى بعد ذلك مجالٌ للحديث عن علم للنفس ؟ وللرّدّ على هذا التساؤل نمهّد لفهم المشكلة بالمدخل التالي.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (أ) : فبشيء من الاجتهاد تهتدي إلى أنّ الوثيقة ظاهرة خاصّة ؛ فهي ليست جسما فيزيائيا ولا بيولوجيا ؛ إنّها ظاهرة تحمل سمات كائن بشري ؛ ـ (ب) : هذا صحيح ؛ إنّها لحظة تاريخية، ونفحة نفسية، ومرآة عاكسة لمؤثّرات اجتماعية ؟ ـ (أ) : إنّ صاحبها إنسان، والإنسان ليس جسما مثل الأجسام الأخرى: إنّه يبكي ويضحك، يتذكّر ويتخيّل، يدرك ويحلم … ؛ ـ (ب) : ( يقاطعه الحديث ) … إنّه إذن كائن الحياة النفسية ؛ ـ (أ) : وكائن من هذا القبيل يحتاج إلى عناية منهجية خاصّة ؛ لأنّ الباحث العلمي في هذا المجال يتساءل مثلا وبكلّ شرعية: … وهل الموثِّق من حيث نفسيّته صادق فيما دوّنه من معلومات ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- كائنٌ لا يُقاس بأدوات الأجسام : فالإنسان ليس جسما مثل الأجسام الأخرى ؛ إنّه يبكي ويضحك، ويتذكّر ويتخيّل، ويدرك ويحلم. وهذه الأفعال لا يقع منها تحت الملاحظة الخارجية إلاّ أثرُها، أمّا هي فتجري في الداخل.
- سؤالٌ عن صدق الموثِّق لا عن صحّة الورقة : وهو سؤال نفسي محض يفرض نفسه حتّى داخل بحث تاريخي ؛ فالبحث في الإنسان لا يستغني عن معرفة ما يحمله صاحب الأثر من نيّات ودوافع.
- عناية منهجية خاصّة : فما دام الموضوع من غير طبيعة الأجسام، فلا يُدرَس بمنهج صُنع لها ؛ والسؤال المعلّق هو: أيّ منهج إذن، وبأيّ شروط ؟
I – ضبط مفهوم علوم الإنسان وموقع علم النفس
تتّخذ علوم الإنسان من أحوال الناس وسلوكاتهم موضوعَ بحث بطريقة منهجية منظّمة ؛ وموضوعها كلّ ما يصدر عن الإنسان من أنواع السلوك: فهو يحيا ويتكلّم ويدرك ويتصوّر ويتألّم، له ميول وعواطف، ويعيش في جماعة، ويترك وراءه أحداثا. ويفضّل بعضهم هذه التسمية على «العلوم الإنسانية» تجاوزا لنسبة «الإنسانية» ولِما تثيره من تأويلات تتعلّق بالقيم والأخلاق — ما دام العلم يُعرَّف بموضوعه. ويأخذ علم النفس من هذا الموضوع جانبه الأوّل: الحياة الباطنية بما فيها من إحساس وإدراك وانفعال وتذكّر وإرادة.
الفرق بينها وبين العلوم المعيارية
إذا كانت علوم الإنسان تهتمّ بما هو كائن — أي بما هو ماثل أمامنا — فإنّ العلوم التي تُدعى معيارية تهتمّ بما ينبغي أن يكون، أي بما تحمله الأماني: فالمنطق ومعياره الحقّ يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه التفكير السليم ؛ وعلم الأخلاق ومعياره الخير يضع القوانين التي ينبغي أن يسير بمقتضاها السلوك الإنساني ؛ وعلم الجمال ومعياره الجمال يبحث في القواعد التي يجب الالتزام بها عند تقويم عمل فنّي. ونقول إنسانية نسبةً إلى الموضوع، وتجريبية نسبةً إلى المنهج، ومعيارية نسبةً إلى المعيار الذي يُقدَّر على مثاله السلوك. وموقع علم النفس من هذا التقسيم واضح: هو من علوم ما هو كائن ؛ فهو يصف الغضب ويفسّره ويبحث عن شروطه، ولا يقول لك إن كان ينبغي أن تغضب. غير أنّ هذا الوضوح النظري سيصطدم — كما سنرى — بحدٍّ عملي يأتيه من جهة المعيار لا من جهة الموضوع.
II – طبيعة موضوع علم النفس وعوائقه
موضوع علم النفس هو الحادثة النفسية ؛ وهي شعورٌ قبل أن تكون سلوكا، لأنّ وراء الإنسان إرثا نفسيا وثقلا ثقافيا لا يرتدّ إلى علاقة آلية بين منبّه واستجابة. والظاهرة الإنسانية عموما ذاتية قصدية، توجّهها القيم والقواعد، ولا تثبت على حال لأنّها مصدر ابتداع وحرّية، ولا يمكن التنبّؤ بها. ومن هذه الطبيعة تنشأ عوائق أربعة.
- موضوعٌ لا يعرف السكون ولا يشغل مكانا محدّدا : فلا مكان للشعور، ولا محلّ للانتباه، ولا حجم للتذكّر أو الحلم ؛ إنّها سيلٌ لا ينقطع عن الحركة والديمومة، لا تبقى على حالها في زمنين متواليين. ولو طبّقنا عليها المنهج التجريبي لقضينا على ديمومتها، ولدرسناها كماضٍ لا كحاضر.
- شديدة التداخل والاختلاط : يشتبك فيها الإدراك مع الإحساس، والذكاء مع الخيال، والانتباه مع الإرادة ؛ فلا تُعزَل عناصرها كما تُعزَل المتغيّرات في المخبر.
- فريدة لا تقبل التكرار : ونتائج دراستها ذات صبغة ذاتية يعوزها التعميم، ولا تتجاوز حدود الوصف والكيف ؛ واللغة نفسها تعجز أحيانا عن وصف ما يجري في النفس.
- داخلية وشخصية : لا يدركها مباشرةً سوى صاحبها ؛ فالحادثة التي تسري في نفسي لا يمكن أن تجري بعينها في نفس غيري، لأنّ لي ذكريات وتجارب واهتمامات تميّزني.
عائقٌ من نوع آخر : حدود التجريب على الإنسان
وهناك عائق خامس لا يُذكر مع الأربعة لأنّه ليس من جنسها: فالعوائق السابقة تأتي من طبيعة الموضوع، وهذا يأتي من قيمتنا نحن. فكثيرا ما يكون إجراء التجارب ميسورا، ولكن تقف في وجهه اعتبارات إنسانية صرفة ؛ ففي الحالات التي يترتّب على التجربة إضرارٌ بالإنسان يستعيض الباحث عن الإنسان بالحيوان. ومن أراد أن يعرف تأثير بعض الوظائف الفيزيولوجية في العمليات النفسية، راقب المرضى مثلا ومعطوبي الحروب ؛ وفي مثل هذه الحالات يقتنع الباحث باستخدام الملاحظة العلمية ولا يطمح في إجراء تجارب على موضوعات بحثه، لأنّ ملاحظة العالِم في هذه المجالات تُعدّ في الوقت نفسه ملاحظةً وتجربة. وهنا يظهر لقاءٌ بين علمٍ لما هو كائن وعلمٍ معياري: فالذي منع التجربة الممكنة تقنيا هو حكمٌ أخلاقي — أي حكمٌ في ما ينبغي أن يكون. والعلم لا يستنبط هذا الحكم من نتائجه، ولكنّه يخضع له.
III – تجاوز العوائق
لم يتقدّم علماء النفس في مجال الدراسات السيكولوجية إلاّ يوم أدركوا أنّ الموضوعية ليست حكرا على العلوم المعروفة بالتجريبية، وأنّ حدودها ليست منكمشة إلى درجة أنّها لا تستوعب مواقف علمية جديدة ؛ ولم تتّضح مناهج أعمالهم إلاّ متى وقع الانفتاح على طرائق العمل التي كانت سببا في ازدهار هذه العلوم، وعلى رأسها الفيزيولوجيا. وأوّل من خاض المبادرة السلوكيون ؛ وهي مبادرة استوحاها «واطسن» رائد السلوكية من تجربة «بافلوف» الفيزيولوجي الروسي على الكلب: إذ لاحظ أنّ سيلان اللعاب يمكن أن يُستثار بقرع الجرس وحده — أي بمنبّه مصطنع يقوم مقام المؤثّر الطبيعي — فسمّى ذلك المنعكس الشرطي. وقد ساعد هذا المفهوم على فهم كلّ عمليات التعلّم من عادة وتذكّر وإدراك، فاتّخذت المدرسة السلوكية من الفعل المنعكس الشرطي دعامةً منهجية لدراسة السلوك باعتباره المرآة العاكسة للحادثة النفسية.
«إنّ علم النفس كما يرى السلوكي فرعٌ موضوعي وتجريبي من فروع العلوم الطبيعية، هدفه النظري التنبّؤ عن السلوك وضبطه … ويبدو أنّ الوقت قد حان ليتخلّص علم النفس من كلّ إشارة إلى الشعور.» وبهذا لم يعد الفكر أمرا يخصّ العالم الباطني للفرد: فما الفكر في لغة السلوكيين سوى اللغة التي نتكلّم بها، وما الذكاء سوى السلوك الذي نذلّل به العقبات ؛ فأعرض علم النفس عن الأفكار الفلسفية إلى دراسة السلوك، وهو موضوع قابل للملاحظة وما يتبعها من وضع الفروض والتحقّق منها وتدوين القوانين.
غير أنّ علماء النفس ليسوا راضين كلّ الرضا عن نتائجهم: فقوانينهم مجرّد تعميمات وليست دساتير ثابتة يرتفع فيها الاستثناء والشذوذ ؛ وأصل ذلك أنّ الحادثة النفسية ليست بمجرّد سلوك يرتدّ إلى العلاقة الآلية بين المنبّه والاستجابة. ولذلك عاد الاهتمام إلى الاستبطان — وهو تحليل الشعور لذاته قصد الاطّلاع على ما يجري فيه: فكيف يدرك الباحث الانفعال الحادّ إن لم يعش حادثةً من حوادثه كالخوف ولم يحلّلها ؟ ومع ذلك لا تبرّئ هذه الضرورةُ الاستبطانَ من العيوب: فتحليل الحوادث النفسية وهي لا تنقطع عن الديمومة أمرٌ مستحيل، ولذلك ارتأى بعضهم ممارسته في شكله الاسترجاعي — وحتّى في هذا الأسلوب غير المباشر تبقى الصعوبة قائمة.
«إنّ الطريقة الباطنية هي الطريقة الأساسية في علم النفس، وبدونها لا يمكن البدء بأيّة ملاحظة.»
IV – ماذا بلغ علم النفس ؟
- المدرسة الشكلية — مع «ورتيمر» و«كوفكا» و«كوهلر» : استفادت من تجربة السلوكيين ومن أخطائهم، وأبرزت تأثير العوامل الخارجية في تشكيل الحادثة النفسية من حيث هي إدراك.
- مدرسة التحليل النفسي — مع «فرويد» : صرّحت بأنّ الحياة النفسية ليست كلّها شعورية، ووجّهت عنايتها إلى اللاشعور وانعكاساته على حياة الإنسان.
- المدرسة التلفيقية — مع «كورت لوين» صاحب النظرية المجالية و«هسرل» : بادرت بالنظرة الشمولية، واعتبرت الحادثة النفسية كلاّ متكاملا غير قابل للتمييز بين مؤثّراته الباطنية والعوامل الخارجية.
وقد قدّم علماء النفس فوائد مهمّة في شتّى المجالات: فقد استطاعوا أن يحرّروا نسبيا الدراسات النفسية من الاعتبارات الفلسفية والخرافية، وأن يثبتوا وجود علم النفس كعلم له موضوعه ومنهجيته واستنتاجاته ؛ واستطاعوا — بعد تهذيب التأمّل الذاتي — أن يفتحوا نافذة يطلّ منها الإنسان على نفسه وما يجري في دواخلها من إحساسات وميول ومقاصد، فيتمكّن من مراقبتها والتحكّم فيها، وأن يعرف الغيرَ على ضوء اختباره لنفسه. وأخيرا فإنّ السيكولوجيا علمٌ تجريبي قائم على الملاحظة والتحليل، يستهدف استخراج العلاقات الضرورية بين الظواهر النفسية قصد خدمة الإنسان ؛ ولقد دخل علم النفس بالفعل البيوت والمدارس والمصانع وميادين القضاء والتجارة والدفاع.
هل يستطيع علم النفس أن يقول لنا ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان ؟هل يستطيع علم النفس أن يقول لنا ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان ؟
لا، وهذا هو موقعه بالضبط: فهو من علوم ما هو كائن، يصف الحادثة النفسية ويفسّرها ويبحث عن شروطها ؛ أمّا تقدير ما ينبغي أن يكون عليه السلوك فمن شأن علم معياري هو الأخلاق، ومعياره الخير لا التكرار ولا القياس. ومن طلب من علم النفس أن يفصل في قيمة سلوك، طلب من الميزان أن يزن ما لم يُصنع لوزنه. ومع ذلك فالعلاقة بينهما ليست انفصالا تامّا، بل هي في اتّجاه واحد: المعيار يحدّ العلم، والعلم لا ينتج المعيار. وقد رأينا ذلك في أوضح صوره حين وقفت اعتبارات إنسانية صرفة في وجه تجربة كانت ميسورة تقنيا، فاستعاض الباحث عن الإنسان بالحيوان واكتفى بالملاحظة. فالأخلاق هنا لم تصحّح نتيجةً علمية — وليس ذلك من شأنها — وإنّما منعت طريقا إلى النتيجة ؛ والعلم الذي يقبل هذا الحدّ لا ينقص علميةً، بل يعلن أنّ موضوعه إنسانٌ لا شيء.
Page 1/6
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net