Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم في علوم الإنسان والعلوم المعيارية

طبيعة الموضوع والعوائق الابستمولوجية في: علم الاجتماع

🔊 The teacher reads for you
يقول لك رجل الأخلاق: «الخير خيرٌ في كلّ زمان ومكان، ومقياسه ثابت لا يتغيّر بتغيّر الظروف». ثمّ يأتي الباحث الاجتماعي بعد أن جال في المجتمعات ووصف عاداتها، فيريك أنّ أساليب العيش تتنوّع، وأنّ ما يعدّه قومٌ لازما لا يعدّه غيرهم كذلك. والاثنان يتحدّثان عن الشيء نفسه: القيم. غير أنّ الأوّل يقول ما ينبغي أن يكون، والثاني يصف ما هو كائن. فهل يُلغي وصفُ الواقع الحديثَ عن المعيار ؟ وهل يمكن أن تُدرَس العادات والقيم «على أنّها أشياء» ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • التمييز بين علوم الإنسان — التي تدرس ما هو كائن — والعلوم المعيارية التي تبحث فيما ينبغي أن يكون
  • تحديد طبيعة الظاهرة الاجتماعية وعوائقها الابستمولوجية الخمسة
  • عرض خصائص الظاهرة الاجتماعية كما حدّدها «دوركايم»، وفهم قاعدته المنهجية على وجهها الصحيح
  • بيان ما أضافته الدراسات الاجتماعية إلى فهم القيم، والتمييز بين نسبية التظاهرات ووحدة المبادئ
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • شروط المنهج التجريبي: الملاحظة والفرضية والتجربة والقانون
  • الفرق بين الفرد والجماعة، وبين ما يصدر عن الشخص وما يفرضه عليه المجتمع
  • الفرق بين الحكم الواقعي والحكم التقديري (حكم القيمة)
هل نتحدّث عن العلوم الإنسانية أم علوم الإنسان ؟ وهل العلوم المعيارية علومٌ إذا كانت لا تهتمّ بما هو كائن ؟ وما موقع علم الاجتماع بينهما، وهو يدرس العادات والأعراف والشرائع — أي المعايير نفسها — بوصفها وقائع ؟ ثمّ إذا لم تبلغ نتائجه الدقّة، فهل يحول ذلك دون استثمارها في فهم الواقع البشري والتحكّم فيه وتحويله حسب تطلّعاته ؟

مقدمة : طرح المشكلة

كثر التساؤل عن مكانة علوم الإنسان ودورها في فهم الواقع البشري ؛ ويزداد التساؤل حدّة حين توضع هذه العلوم بجوار العلوم المعيارية، التي لا تصف ما يقع وإنّما تضع القواعد التي ينبغي أن يقع الشيء بمقتضاها. ويقع علم الاجتماع من هذا التقابل موقعا فريدا: فموضوعه ليس أجساما ولا شعورا فرديا، وإنّما عادات وأعراف وقوانين وعقائد — أي معايير يعيش بها الناس. فهو إذن يدرس المعيار نفسه بوصفه واقعة. فكيف يُدرَس ما هو من صنعنا ويحكمنا في آنٍ واحد ؟ وهل يبقى بعد ذلك فرقٌ بين أن نقول «هذا ما يفعله الناس» وأن نقول «هذا ما ينبغي أن يفعلوه» ؟ وللرّدّ على هذا التساؤل نمهّد لفهم المشكلة بالمدخل التالي.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

من حوار بين صديقين (أ) و(ب) حول ورقة مخطوطة

ـ (أ) : فبشيء من الاجتهاد تهتدي إلى أنّ الوثيقة ظاهرة خاصّة ؛ فهي ليست جسما فيزيائيا ولا بيولوجيا ؛ إنّها ظاهرة تحمل سمات كائن بشري ؛ ـ (ب) : هذا صحيح ؛ إنّها لحظة تاريخية، ونفحة نفسية، ومرآة عاكسة لمؤثّرات اجتماعية ؟ ـ (أ) : أجل ؛ فالإنسان يعيش مع الناس، وينسج معهم علاقات اجتماعية وما يترتّب عنها من حقوق وواجبات … ؛ ـ (ب) : ( يقاطعه الحديث ) … إنّه إذن كائن الحياة الاجتماعية ؛ ـ (أ) : وكائن من هذا القبيل يحتاج إلى عناية منهجية خاصّة.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. حقوقٌ وواجبات، لا علاقاتٌ فحسب : فالحوار لا يقول إنّ الإنسان يعيش مع الناس فقط، بل إنّه ينسج معهم علاقات وما يترتّب عنها من حقوق وواجبات. والحقّ والواجب معياران قبل أن يكونا واقعتين ؛ ومع ذلك فهما موجودان في المجتمع وجود الأشياء التي تُلاحَظ.
  2. مرآةٌ عاكسة : فالأثر الفردي — وثيقةٌ خطّها شخص واحد — يعكس مؤثّرات اجتماعية سابقة عليه ؛ فما يصدر عن الفرد يحمل بصمة الجماعة التي تكوّن فيها، وهذا هو الباب الذي يدخل منه عالم الاجتماع.
  3. عناية منهجية خاصّة : فالظاهرة الإنسانية معقّدة لأنّ عوامل إنتاجها متداخلة، ومترامية الأطراف لأنّ المؤثّرات النفسية والاجتماعية تتفاعل فيها ضمن حدود الزمان ؛ والسؤال المعلّق: أين تنتهي الظاهرة الاجتماعية وأين يبدأ ما هو نفسي أو تاريخي ؟

I – ضبط مفهوم علوم الإنسان وموقع علم الاجتماع

تتّخذ علوم الإنسان من أحوال الناس وسلوكاتهم موضوعَ بحث بطريقة منهجية منظّمة ؛ وموضوعها كلّ ما يصدر عن الإنسان من أنواع السلوك. ويفضّل بعضهم هذه التسمية على «العلوم الإنسانية» تجاوزا لما تثيره نسبة «الإنسانية» من تأويلات تتعلّق بالقيم والأخلاق، ما دام العلم يُعرَّف بموضوعه. ويأخذ علم الاجتماع من هذا الموضوع الجانبَ الذي يتجاوز الفرد: الإنسان من حيث إنّه يعيش في جماعة ويخضع لتأثيراتها ويدخل في علاقات مختلفة مع أعضائها.

الفرق بينها وبين العلوم المعيارية

إذا كانت علوم الإنسان تهتمّ بما هو كائن، فإنّ العلوم التي تُدعى معيارية تهتمّ بما ينبغي أن يكون: فالمنطق ومعياره الحقّ يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه التفكير السليم ؛ وعلم الأخلاق ومعياره الخير يضع القوانين التي ينبغي أن يسير بمقتضاها السلوك الإنساني ؛ وعلم الجمال ومعياره الجمال يبحث في القواعد التي يجب الالتزام بها عند تقويم عمل فنّي. ونقول إنسانية نسبةً إلى الموضوع، وتجريبية نسبةً إلى المنهج، ومعيارية نسبةً إلى المعيار الذي يُقدَّر على مثاله السلوك. وموقع علم الاجتماع هنا دقيق: فهو من علوم ما هو كائن، ولكنّ الكائن الذي يدرسه هو المعيار في وجوده الاجتماعي — العادة والعُرف والشريعة كما تُمارَس فعلا. فهو لا يقول: هذه العادة حسنة أو قبيحة ؛ وإنّما يقول: هذه العادة موجودة، ولها هذه الخصائص، وتؤدّي هذه الوظيفة. والخلط بين القولين هو أصل أكثر الأخطاء في هذا الباب.

II – طبيعة الظاهرة الاجتماعية وعوائقها

أوّل ما يلفت النظر في هذا الموضوع أنّه ليس بسيطا ولا خالصا: فهو يشترك مع البيولوجيا في أنّه يتعلّق بكائنات حيّة، ومع علم النفس في أنّه يمرّ بشعور الأفراد، ومع التاريخ في أنّه لا يكاد يقع حتّى يصير ماضيا. ومن هذا الاشتراك، ومن كون الفاعل فيه إنسانا حرّا، تنشأ عوائقه.

  1. ليست اجتماعية خالصة : فهي تنطوي على خصائص بعضها بيولوجي وبعضها نفسي وبعضها تاريخي ؛ ولهذا اختلف الباحثون في إلحاقها: منهم من ألحقها بالدراسات البيولوجية، ومنهم من ألحقها بالنفسية، ومنهم من عدّها حدثا تاريخيا لأنّها لا تكاد تتطوّر حتّى تدخل في الماضي.
  2. بشرية لا تشبه الأشياء : لأنّ الإنسان يملك حرّية الإرادة في التصرّف، ولا تتحكّم فيه تلك الحتمية التي تحكم الظواهر المادية ؛ فالزوج مثلا في مستطاعه ألاّ يطلّق زوجته بالرغم من حضور الأسباب المهيّئة للطلاق، لأنّه يملك حرّية الاختيار.
  3. خاصّة وليست عامّة : أي أنّها تتعلّق بالفرد ؛ وما هو خاصّ يكون غير قابل للدراسة من الخارج بفضل التحليل والتجريد ؛ فكيف يكون عالِم الاجتماع موضوعيا في دراسته لموضوع ينطوي على جوانب ذاتية ؟
  4. معقّدة يعوزها التقدير الكمّي : فما هو ذاتي تدخل في تأليفه عناصر متشعّبة بعيدة عن البساطة المعروفة في الظواهر المادية ؛ والمعقّد في معظمه قابل للوصف الكيفي لا للتقدير الكمّي.
  5. تستعصي على التجربة : وهي أصلٌ لكثير من القوانين الطبيعية التي تساعد على التنبّؤ ؛ ويترتّب على ذلك أنّه يستحيل على الباحث الاجتماعي تدوين قوانين تصوّر لنا ما سيكون.

III – تجاوز العوائق : تحديد الظاهرة الاجتماعية

لقد بدأ اقتحام العقبات مع تحديد «دوركايم» للظاهرة الاجتماعية ؛ فالعائق الأوّل كان أنّ الباحث لا يعرف بالضبط ما الذي يدرسه، فإذا ضُبط الموضوع أمكن وضع المنهج. وأهمّ خصائصها خمس: أنّها توجد خارج شعور الأفراد، إذ يجدون العادات والأعراف والقوانين مهيّأة لهم قبل أن يولدوا ؛ وأنّها ذات قوّة آمرة قاهرة تتّسم بالإكراه والإلزام فتفرض نفسها على الفرد أراد أم كره ؛ وأنّها جماعية تتمثّل في الضمير الجمْعي، فلا تنتسب إلى أيّ فرد بعينه وإن كان الفضل في نشوئها يعود إلى الأفراد ؛ وأنّها مترابطة يؤثّر بعضها في بعض ويفسّر بعضها البعض الآخر، فالأسرة مرآة المجتمع وبينهما تأثير متبادل ؛ وأنّها حادثة تاريخية تعبّر عن لحظة من لحظات تاريخ الاجتماع البشري، فالعادات والمعتقدات والشرائع التي يتناقلها النشء عن الأجداد هي معا وقائع اجتماعية وأساس التراث التاريخي.

دوركايم — الإكراه الاجتماعي

«لستُ مجبرا على استخدام اللغة الفرنسية كأداة للتخاطب مع أبناء وطني، ولستُ مضطرا إلى استخدام النقود الرسمية ؛ ولكنّي لا أستطيع إلاّ أن أتكلّم هذه اللغة وإلاّ أن أستخدم هذه النقود. ولو حاولتُ التخلّص من هذه الضرورة لباءت محاولتي بالفشل المُمِضّ.» دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمود قاسم، ص 69

دوركايم — قاعدة المنهج

«يجب أن نعالج الظواهر على أنّها أشياء» — أي نعالجها بنفس المناهج التي يدرس بها العالِم الفيزيائي الحادثةَ الطبيعية. وقد وسّع نطاق الموضوع إلى أقصاه فقال: «ما من حادثة إنسانية إلاّ ويمكن أن يُطلق عليها اسم الظاهرة الاجتماعية». دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمود قاسم، ص 50

وهكذا ساعد تحديد الظاهرة على تصحيح بعض التعاريف الفاسدة، وسمح للدراسات الاجتماعية بالانتقال تدريجيا من مجال الفلسفة والتصوّرات إلى مجال العلم والموضوعية ؛ فصارت الظاهرة قابلة للدراسة انطلاقا من منهج الملاحظة ووضع الفروض والانتهاء إلى الميدان التجريبي لتدوين القانون. ووسائل ذلك الاستطلاعات والاستجوابات وسبر الآراء، مع تجارب محلية محدودة تنحصر في «عيّنات» كقرية أو حيّ، ثمّ تُعمَّم إن نجحت، بالاستعانة بالإحصاء. ومن قوانينهم قانون «وارد» القائل بأنّ الأفراد يبحثون عن أكبر كسب بأقلّ مجهود، وقانون «دوركايم» حول الانتحار: أنّ الميل الشخصي إليه يزداد مع قلّة الروابط التي تربط الفرد بالمجتمع.

IV – نقد النتائج

جول مونرو

من المؤاخذات التي تُوجَّه لمدرسة «دوركايم» أنّه لا بدّ من التمييز الواضح بين الظواهر الفيزيائية والظواهر الاجتماعية، بين الأشياء الخالية من الشعور و«الأشياء» التي تنطوي على حالات من الشعور — أو كما قال «جول مونرو»: حالاتٌ معيشة. ولا بدّ كذلك من الاعتراف بأنّ هناك بعض التداخل بين حقل الدراسات الاجتماعية وحقل الدراسات التاريخية: فالبحث في الظاهرة الاجتماعية لا يكاد ينتهي إلى مبتغاه حتّى تدخل هذه الظاهرة في عالم الماضي ؛ ولهذا قيل إنّها «تتألّف من الأموات أكثر ممّا تتألّف من الأحياء». J. Monnerot, Les faits sociaux ne sont pas des choses, p 68

V – علم الاجتماع والقيم : حين يصير المعيار موضوعا

ومع ذلك فقد اتّسع فهمنا، وتنظّم علم الاجتماع في فروع تخصّصية أربعة: علم الاجتماع العامّ، وعلم أصول المدنيات وتطوّرها، والمورفولوجيا والديمغرافيا، والفيزيولوجيا الاجتماعية أو علم وظائف الاجتماع. وكان من فوائده أنّ الاطّلاع على الدراسات الاجتماعية — فضلا عن ممارستها — يهذّب الناس ويرقّي تكوينهم ؛ فمن خلاله يدركون أكثر أنّنا خُلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف وينفتح بعضنا على بعض، ويصحّحون الأحكام التعسّفية القائلة بأنّ الناس فئات: متحضّرون لهم الحقّ في امتلاك الدنيا، وبدائيون يمنعهم توحّشهم من الرقيّ — وبأنّ الفئة المغلوبة يجب أن تقلّد النموذج الغربي تقليدا أعمى. وهنا يبلغ لقاءُ هذا العلم بالعلوم المعيارية ذروته: فقد كان للدراسات الاجتماعية الميدانية الفضل في توسيع مفهوم النسبية الذي كان منحصرا في مجالات الفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم الطبيعية ؛ وأقرّت بأنّ القيم الإنسانية، مهما تغنّى بمطلقيتها الفلاسفةُ ورجال الأخلاق، تنصاع للحدود الزمانية والمكانية وتستجيب للثقافات المتعدّدة — لأنّ الثقافة واحدة بالنظر إلى مبادئها الفلسفية، ولكنّها ثقافات متنوّعة بالنظر إلى تظاهراتها الميدانية وممارساتها اليومية. ومع ذلك تفيدنا فلسفة الاجتماع بأنّه مهما تعدّدت أساليب العيش واختلفت لدينا، فإنّها إرثٌ لنا جميعا، واحترامه يتّسع بقدر اعتزاز كلّ واحد منّا بخصوصياته الثقافية.

إذا كانت القيم تنصاع للزمان والمكان، أفلا يسقط كلّ حديث عن الخير في ذاته ؟

لا يسقط، ولكنّه يتغيّر موضعه ؛ والدقّة هنا هي كلّ شيء. فالذي أثبتته الدراسات الميدانية هو تنوّع التظاهرات والممارسات اليومية، لا انعدام المبدأ: فالثقافة واحدة بالنظر إلى مبادئها الفلسفية، ثقافاتٌ بالنظر إلى تجلّياتها. فمن رأى الاختلاف في الصور وحده ثمّ حكم بأنّه لا خير ولا شرّ، فقد انتقل من ملاحظةٍ صحيحة إلى نتيجةٍ لا تلزم عنها. ثمّ إنّ عمل عالِم الاجتماع نفسه يفترض معيارا لا يستخرجه من ملاحظاته: فحين يصحّح الأحكام التعسّفية التي تصنّف الناس إلى متحضّرين وبدائيين، فهو لا يكتفي بوصف ما يعتقده الناس، بل يقرّر أنّ هذا التصنيف باطل ؛ وحين يوصي باحترام أساليب العيش بوصفها إرثا للجميع، فهو يوصي، والوصية حكم قيمة. فعلم الاجتماع إذن يبقى علما لما هو كائن، غير أنّ نتائجه تُغذّي التفكير في ما ينبغي أن يكون: فهو لا يضع المعيار، ولكنّه يمنع أن يُبنى المعيار على جهل بالوقائع.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة مقارنة أو استقصائية: «قارن بين علوم الإنسان والعلوم المعيارية» أو «هل يمكن دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① الفرق الجامع (كائن / ينبغي أن يكون) مع معيار كلّ علم معياري ؛ ② خصائص «دوركايم» الثلاث الأولى بألفاظها (توجد خارج شعور الأفراد · قوّة آمرة قاهرة · الضمير الجمْعي) مع مثال اللغة والنقود، وقاعدته: نعالج الظواهر على أنّها أشياء ؛ ③ ما أضافه الميدان إلى مبحث القيم: توسيع مفهوم النسبية — القيم تنصاع للحدود الزمانية والمكانية في تظاهراتها، والثقافة واحدة في مبادئها ثقافاتٌ في ممارساتها. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الانتقال من «العادات تختلف» إلى «لا وجود لقيم أصلا» ؛ وهو انتقال لا يلزم، والمصحّح يقيس انتباهك إليه. ⚠️ وخطأ ثانٍ : فهم قاعدة «عالجوا الظواهر على أنّها أشياء» على أنّها إنكار لشعور الإنسان ؛ وهي قاعدة في المنهج تطلب من الباحث التحرّر من أحكامه المسبقة.
نتيجة — علوم الإنسان تدرس ما هو كائن، وتفارق العلوم المعيارية — المنطق والأخلاق والجمال — التي تبحث فيما ينبغي أن يكون. وعلم الاجتماع منها، غير أنّ الكائن الذي يدرسه هو المعيار نفسه في وجوده الاجتماعي: العادة والعُرف والشريعة كما تُمارَس. وموضوعه عسيرٌ: ليس اجتماعيا خالصا، وهو بشريٌّ لا يشبه الأشياء لأنّ صاحبه حرّ، وخاصٌّ يصعب تناوله من الخارج، ومعقّدٌ يعوزه التقدير الكمّي، ويستعصي على التجربة فيتعذّر التنبّؤ. وقد بدأ التجاوز بتحديد الظاهرة الاجتماعية: توجد خارج شعور الأفراد، ذات قوّة آمرة قاهرة، جماعية تتمثّل في الضمير الجمْعي، مترابطة، وتاريخية ؛ وعلى هذا التحديد قامت قاعدة المنهج، فدخل الميدانُ بالاستطلاع والعيّنة والإحصاء، ودُوّنت قوانين. وبقيت النتائج محلّ نقد، لأنّ ما يُعالَج كالأشياء يبقى حالاتٍ معيشة. أمّا أبلغ ما قدّمه فهو توسيع مفهوم النسبية إلى مبحث القيم: فهي في تظاهراتها الميدانية تنصاع للزمان والمكان والثقافات، وإن بقيت الثقافة واحدة بالنظر إلى مبادئها — إرثًا لنا جميعا يتّسع احترامه بقدر اعتزاز كلّ واحد بخصوصياته.

Page 1/6

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net