الإشكالية الرابعة: في الفن والتصوف بين النسبي والمطلق › في التجربة الفنية والتجربة الذوقية
أسس بلوغ السعادة: الذوق والكشف
- بيان كيف تكون السعادة الكاملة غايةً للتجربة الصوفية في مذاهبها الثلاثة
- تحديد معنى السعادة عند الفلاسفة، والتمييز بينها وبين سعادة الصوفية بدقّة
- توظيف مذهب أفلاطون في المطلق لبيان أنّ الطريق العقلي هو أيضا سعيٌ طويل لا هبة
- صياغة حلّ للمشكلة يبيّن ما يشترك فيه الذوق والكشف مهما اختلف النسق الذي يؤطّرهما
- معنى الحقيقة الذوقية ومصدرها وأداتها، ومذاهب الصوفية الثلاثة في الاتّصال
- الفرق بين النسبي والمطلق، وبين الحدس والبرهان العقلي
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى النظر في مناهج الالتقاء بالمطلق إلى أنّ طريق القوم مراتب تُقطَع بمجاهدة النفس: من الزهد إلى الوجد، ثمّ إلى الإشراق والكشف، ثمّ إلى العرفان في صورتيه. غير أنّ هذه المناهج كلّها لم تُطلَب لذاتها ؛ فما كان أحدٌ ليجاهد نفسه عمرا كاملا من أجل المنهج. والغاية في كلّ الحالات هي الاتّصال بالله اتّصالا مباشرا تتحقّق به السعادة الكاملة. وهنا يظهر أنّ ما بدا خلافا في المذاهب قد يكون اتّفاقا في المقصد ؛ بل إنّ الفلاسفة أنفسهم، وهم أصحاب البرهان لا أصحاب الذوق، جعلوا غايتهم القصوى اتّصالا بالمطلق. فأليس بلوغ السعادة هو ديدن الذوق والكشف مهما كان النسق الذي يؤطّرهما ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ عند الصوفية : الغاية في كلّ الحالات الاتّصال بالله اتّصالا مباشرا، تتحقّق به السعادة الكاملة ؛ ولا يتمّ ذلك إلاّ بمجاهدة النفس، لا بعناء البحث في الحقيقة اللاهوتية وتوكيد تعاليمها بمنطق العقل. ـ وعند الفلاسفة : السعادة تتحقّق بمجرّد اتّصال الحكيم بالله دون اندماجه في الذات الإلهية. فالغاية مسمّاة بالاسم نفسه عند الفريقين — سعادةٌ باتّصال — والطريقان مختلفان، والحدّ الذي يقف عنده كلٌّ منهما مختلف كذلك: هذا يطلب اتّصالا يزول فيه الحدّ، وذاك يطلب اتّصالا يبقى فيه الحدّ قائما.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- اتّفاق في الغاية : فالسعادة عند الفريقين ليست لذّةً ولا منفعة، وإنّما هي أثرُ اتّصال بما هو مطلق ؛ ومعنى ذلك أنّ السعادة عندهما تُعرَّف بموضوعها لا بشعور صاحبها.
- اختلاف في الأداة : فأداة الأوّل مجاهدة النفس والذوق، وأداة الثاني العقل والحدس مع التجرّد من الواقع الحسّي ؛ وهذا اختلاف في المنهج لا في المقصد.
- واختلاف في الحدّ الأخير : وهو أدقّ ما في المسألة ؛ فالفيلسوف يقف عند الاتّصال دون اندماج في الذات الإلهية، بينما تمضي مذاهب الصوفية إلى ما وراء ذلك — فناءً أو حلولا أو وحدةَ وجود. فهل يبقى مع هذا الاختلاف قول بوحدة الغاية ؟
III – ثمّ أليس بلوغ السعادة هو ديدن الذوق والكشف مهما كان النسق الذي يؤطّرهما ؟
أولا : سعادة الزهد والعرفان
لقد أخذ الصوفية «المتفلسفة» يستهدفون، انطلاقا من القرن الثالث للهجرة، الاتّصال بالله ؛ ولا يتمّ ذلك إلاّ بمجاهدة النفس. والغاية في كلّ الحالات — أيّا كان المذهب — الاتّصال بالله اتّصالا مباشرا تتحقّق به السعادة الكاملة. فالسعادة هنا ليست حالا نفسية تُطلَب لذاتها، بل هي ثمرة لِما بلغه السالك ؛ ولذلك وُصفت بالكمال، لأنّ المتّصَل به كامل، لا لأنّ الشعور بها شديد. ومن هنا يُفهَم لماذا كان الزهد أوّل الطريق: فمن طلب سعادةً سببها لا ينقضي، لزمه أن يتخلّى عن سعاداتٍ أسبابها تنقضي.
- سعادة الفناء : وهي عند من استهدف الاتّحاد بالله عن طريق الفناء — كما هو عند «أبي يزيد البسطامي» (ت 261 هـ) — سعادةٌ تتحقّق بزوال دعوى العبد عن نفسه، فلا يبقى في الشهود ما يحجب.
- سعادة الحلول : وهي عند من قال بحلول الله في مخلوقاته — كما ذهب «الحلاّج» (ت 309 هـ) — سعادةٌ لا يبلغها العبد بصعوده وحده، لأنّ الحركة فيها نازلة إليه.
- سعادة وحدة الوجود : وهي عند من قال بالتقاء وجود الخالق ووجود المخلوق إثباتا لوحدة الوجود — كما يقول «محيي الدين بن عربي» (ت 638 هـ) حيث يكون الله والمخلوقات حقيقةً واحدةً هي علّة نفسها ومعلولة لنفسها — سعادةُ من يكتشف أنّ ما كان يطلبه لم يكن غائبا.
- وما يجمع الثلاثة : أنّ السعادة فيها كلّها لا تُصنَع، وإنّما تُهيَّأ لها النفس ؛ فمن هذا النبع تفيض المعرفة اليقينية، والفيض يقتضي قابلا مستعدّا.
ثانيا : سعادة العقل والوجدان
أمّا عند الفلاسفة فالسعادة تتحقّق بمجرّد اتّصال الحكيم بالله دون اندماجه في الذات الإلهية. وفي هذا التحديد قيدان لا بدّ من ضبطهما: أوّلهما أنّ السعادة اتّصالٌ لا انفصال، وهذا وجه اشتراكها مع سعادة الصوفية ؛ وثانيهما أنّها اتّصال مع بقاء الحدّ، فالحكيم يبقى حكيما ولا يذوب فيما اتّصل به — وهذا وجه افتراقها. ومعنى ذلك أنّ العقل لا يطلب إلغاء المسافة، وإنّما يطلب أن يبلغ أقصى ما تسمح به دون أن يلغيها.
مذهب «أفلاطون» هو أنّ المطلق لا علاقة له بالعالم الحسّي ولا يمكن بلوغه بوسائل حسّية ؛ فلا يكفي أن نبحث في الواقع الحسّي حتّى نضمن لنا إمكانية الوصول إلى ما هو مطلق، لأنّ المطلق يوجد في عالم فوق العالم الحسّي أو وراءه. والفيلسوف هو وحده يستطيع بعقله وحدسه بلوغ ذلك، بتجرّده من الواقع الحسّي المتغيّر، وبسعي طويل وجهد جهيد. وعليه فالمطلق لا يتجلّى في الواقع الحسّي ؛ إنّ المطلق — أي مثال الخير — يشبه نور الشمس، ولا تدركه عيون الجسم، وإنّما تدركه عيون الروح والعقل. أفلاطون
وموضع الشاهد من هذا المذهب أنّه يهدم المقابلة السهلة التي يُقال فيها: الصوفيّ يجاهد والفيلسوف ينظر. فالطريق العقلي عند أفلاطون نفسه ليس نظرا مجرّدا يُنال بالمطالعة، بل هو تجرّدٌ من الواقع الحسّي المتغيّر، وسعيٌ طويل وجهدٌ جهيد ؛ وهو يستعمل — مع العقل — الحدس، وهو الأداة نفسها التي يُسمّيها القوم ذوقا وكشفا وعيانا. بل إنّ صورته الأخيرة صورةُ رؤية لا صورةُ استدلال: عيون الروح والعقل تدرك نورا كنور الشمس. فالفريقان إذن يشتركان في ثلاثة: أنّ المطلوب وراء الحسّ، وأنّ الطريق إليه عملٌ شاقّ لا هبة عابرة، وأنّ منتهاه رؤيةٌ أو وصالٌ لا قضيةٌ تُبرهَن ؛ ويفترقان في الحدّ الذي يقف عنده كلّ واحد منهما.
إذا اتّحدت الغاية، فلماذا كلّ هذا الخلاف بين المذاهب ؟إذا اتّحدت الغاية، فلماذا كلّ هذا الخلاف بين المذاهب ؟
لأنّ الخلاف لم يكن في ما يُطلَب، بل في ما يبقى من الطالب بعد أن يبلغ. فالسؤال الذي فرّق الأنساق هو: هل يبقى العبد عبدا بعد الاتّصال ؟ الفلاسفة قالوا: نعم، اتّصالٌ دون اندماج في الذات الإلهية ؛ وأصحاب الفناء قالوا: تزول دعوى العبد ؛ وأصحاب الحلول قالوا: ينزل الحقّ إلى الخلق ؛ وأصحاب وحدة الوجود قالوا: لم يكن ثمّة اثنان أصلا. وهذا يفسّر لماذا تظلّ السعادة هي الاسم المشترك بينهم جميعا رغم تباعد أنساقهم: فكلّهم عرّفوا السعادة بأنّها أثر اتّصال بما هو مطلق، لا بأنّها شعور يُطلب لذاته ؛ فاختلفوا في هندسة الاتّصال واتّفقوا في أنّ السعادة ثمرته. وهنا تظهر فائدة الدرس كلّه: أنّ اختلاف المناهج في هذا الباب ليس دليلا على بطلانها جميعا، كما أنّ اتّفاقها في الغاية ليس دليلا على صحّتها جميعا ؛ وإنّما هو دليل على أنّ المسألة واحدة والطرق إليها متعدّدة — وهذا بعينه ما يبطل القول بأنّه لا مجال لتوفير سبل التقاء النسبيّ بالمطلق.
خاتمة : حل المشكلة
يتّضح ممّا سبق أنّ القول بأنّه لا مجال لتوفير سبل التقاء النسبيّ بالمطلق قولٌ لا يقوم على سند ؛ فقد رُسمت لهذا الالتقاء مناهج مضبوطة، أوّلها مجاهدة النفس التي هي عمل يُقطَع مراتب، وآخرها كشفٌ تنبجس به الحقيقة الذوقية بنور يشرق في النفس من مصدر يقوم وراء العقل والعلم. وأنّ القول بأنّ التصوّف لا دخل له في رسم مناهج بلوغ السعادة المطلقة قولٌ يردّه أنّ الغاية في مذاهبه كلّها — فناءً وحلولا ووحدةَ وجود — هي الاتّصال بالله اتّصالا مباشرا تتحقّق به السعادة الكاملة. ثمّ إنّ الفلسفة نفسها لم تسلك غير هذا المسلك في مقصده: فالسعادة عند الفلاسفة تتحقّق بمجرّد اتّصال الحكيم بالله دون اندماجه في الذات الإلهية، والمطلق عند أفلاطون لا تدركه عيون الجسم وإنّما تدركه عيون الروح والعقل، ولا يُبلَغ إلاّ بالتجرّد من الواقع الحسّي المتغيّر وبسعي طويل وجهد جهيد. فالذوق والكشف والعقل، على تباين أنساقها، تلتقي عند مطلبٍ واحد: سعادةٌ سببها لا ينقضي، لأنّ المتّصَل به لا ينقضي.
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net