الإشكالية الرابعة: في الفن والتصوف بين النسبي والمطلق › في التجربة الفنية والتجربة الذوقية
نسبية الذوق ومطلقية الكشف
- ضبط معنى النسبي ومعنى المطلق، وبيان أين تقع التجربة الصوفية بينهما
- عرض مراتب الطريق عند القوم من المجاهدة إلى الكشف، وبيان أنّها منهج لا حال عارضة
- التمييز بين الحلول ووحدة الوجود في مسألة العرفان، وردّ كلّ قول إلى صاحبه
- الردّ على القول بأنّ نسبية الذوق تمنع من تصوّر مناهج للالتقاء بالمطلق
- معنى الحقيقة الذوقية ومصدرها وأداتها، وموقعها من أصناف الحقيقة
- الفرق بين الحدس والبرهان العقلي، وبين المعرفة المباشرة والمعرفة الاستدلالية
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى النظر في طبيعة التجربة الصوفية إلى أنّها معرفة مصدرها الله رأسا، وأداتها الحدس، وغايتها الاتّصال المباشر الذي تتحقّق به السعادة الكاملة. غير أنّ هذا التحديد يفتح اعتراضا قويّا: فالذوق حالٌ في نفس صاحبه، لا يشاركه فيه غيره ولا ينتقل بالعبارة ؛ ومعنى ذلك أنّه نسبيّ بالضرورة، لأنّه متعلّق بصاحبه من حيث هو هو. فكيف يُقال إنّ ما هو نسبيّ في مصدره الإنساني يبلغ ما هو مطلق في ذاته ؟ وهل يمكن لتجربة من هذا النوع أن يكون لها منهج مضبوط، أم أنّ الكلام عن «مناهج» فيها تناقض في العبارة ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
إنّ الحقيقة في المجال العلمي عبارة عن قوانين تعبّر عن العلاقات «الثابتة» بين الظواهر ؛ ونضع «الثابتة» بين مزدوجتين، لأنّها علاقات لا تكتسي صفة الثبات إلاّ في شروط معيّنة. يقول «كلود برنار»: «يجب أن نكون حقيقةً مقتنعين بأنّنا لا نمتلك العلاقات الضرورية الموجودة بين الأشياء إلاّ بوجه تقريبي كثيرا أو قليلا، وأنّ النظريات التي نمتلكها هي أبعد من أن تمثّل حقائق ثابتة.» والعلم الحديث — كما يقول «باشلار» — هو في الحقيقة «معرفة تقريبية» ؛ ولمّا كان من الممكن أن تتّسع دائرة المعرفة العلمية على الدوام، أمكن أن تصبح الحقائق التقريبية أكثر دقّة دون أن تدرك أبدا درجة الدقّة المطلقة. وفي المقابل، فإنّ الحقائق الذوقية هي الشعور الذي يستولي على المتصوّف عند بلوغه الحقيقة الربّانية المطلقة. فهنا صاحبُ منهج صارم يقرّ بأنّه لا يبلغ المطلق أبدا، وهناك صاحبُ حالٍ يقرّر أنّه بلغه.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- ضبط اللفظين أوّلا : فالنسبيّ لغةً هو المتعلّق بغيره من حيث هو غيره ؛ فإذا دلّ المطلق على الموجود على ذاته وبذاته، دلّ النسبيّ على ما يتوقّف وجوده على غيره. وعلى هذا فالعالِم نسبيّ ومطلوبه نسبيّ، والمتصوّف نسبيّ ومطلوبه مطلق — وهنا موضع الإشكال بعينه.
- المفارقة ليست في الغاية بل في الطريق : فليس عجيبا أن يُطلب المطلق، إذ كلّ الفلسفات طلبته ؛ العجيب أن يُدّعى بلوغه بأداة قائمة في كائن نسبيّ. ولهذا لم يكن السؤال: هل المطلق موجود ؟ بل: بأيّ طريق يُبلَغ ؟
- والجواب لا يُلتمَس في البرهان : لأنّ العالِم نفسه، وهو صاحب أدقّ برهان، يقرّ بأنّه لا يبلغ درجة الدقّة المطلقة أبدا ؛ فلو كان البرهان هو الطريق لانسدّ الباب من أوّله. ومن هنا يتّجه النظر إلى طريق آخر: طريقٍ يبدأ من العمل في النفس لا من النظر في القضايا.
II – كيف يمكن إثبات أنّ نسبية الذوق لا تمنعه من تصوّر مناهج الالتقاء بمطلقية الكشف ؟
أولا : من الزهد إلى الوجد
أوّل ما يميّز طريق القوم أنّه لا يتمّ إلاّ بمجاهدة النفس، وليس بعناء البحث في الحقيقة اللاهوتية وتوكيد تعاليمها بمنطق العقل كما يفعل فلاسفة الكلام واللاهوت. وهذا وحده يكفي للردّ على من يقول إنّ التجربة الذوقية بلا ضابط: فالمجاهدة عمل، والعمل يُقطَع مراتب، والمراتب تُوصف وتُعلَّم وتُنقَل — وإن كان ما يُثمِره في النهاية لا يُنقَل. فالطريق مضبوط وإن كانت الغاية غير موصوفة ؛ والنسبيّ هنا هو السائر، لا الوجهة.
استهدف «أبو يزيد البسطامي» الاتّحاد بالله عن طريق الفناء. وموضع الفناء من هذا الطريق أنّه منتهى المجاهدة لا بدايتها: فالمجاهدة تبدأ بالتخلّي عمّا يشغل، وتنتهي إلى ألاّ يبقى للسالك دعوى في نفسه ؛ وحينئذ يُرفع الحاجز من جهة العبد، لا من جهة الربّ. وهذا هو وجه الجواب عن الاعتراض: لم يُطلَب من النسبيّ أن يصير مطلقا، وإنّما طُلب منه أن يزول عن الطريق ما هو منه. أبو يزيد البسطامي (ت 261 هـ)، من الصوفية «المتفلسفة» الذين استهدفوا الاتّصال بالله انطلاقا من القرن الثالث للهجرة
ثانيا : الإشراق والكشف
وتنبجس الحقيقة الذوقية بنورٍ يشرق في النفس من مصدر يقوم وراء العقل والعلم عند أهله ؛ يجيء عن طريق الحدس — أو الذوق أو الكشف أو العيان — الذي يقابل البرهان العقلي عند الفلاسفة والمتكلّمين. والحقيقة اللدنّية تجيء بارتفاع حجاب الحسّ المرسَل بين القلب واللوح المحفوظ ؛ ومن هذا النبع تفيض المعرفة اليقينية. فالكشف إذن ليس اختراعا من النفس ولا استنتاجا فيها، بل هو انكشافٌ لها بعد رفع حجاب ؛ ولذلك سُمّي كشفا وعيانا، وهما لفظان يدلاّن على رفع ساتر وعلى رؤية، لا على إنشاء.
- المصدر مطلق، والقابل نسبيّ : فالنور يشرق من مصدر يقوم وراء العقل والعلم، والنفس إنّما تتلقّاه ؛ وليس في تلقّي النسبيِّ ما هو مطلقٌ تناقضٌ، وإلاّ لما صحّ أن ترى العين نورا هي لا تصنعه.
- الحجاب هو المانع، لا الطبيعة البشرية : وحين يُقال إنّ الحقيقة اللدنّية تجيء بارتفاع حجاب الحسّ المرسَل بين القلب واللوح المحفوظ، يُنقَل المانع من طبيعة الإنسان إلى شيء عارض قابل للرفع — وهذا بعينه ما يجعل للطريق معنى.
- الكشف يقابل البرهان ولا ينقضه : فهو مقابلٌ له في الطريق لا في الموضوع ؛ فليس نقيض البرهان بل بديله في مجال لا يعمل فيه البرهان.
- والثمرة فيضٌ لا كسبٌ : فمن هذا النبع تفيض المعرفة اليقينية ؛ والفيض يقتضي قابلا مستعدّا — وإعداد القابل هو كلّ ما يملكه السالك.
ثالثا : العرفان (الحلول ووحدة الوجود)
وذهب «الحلاّج» إلى أنّ الاتّصال يكون عن طريق حلول الله في مخلوقاته. فبينما جعل الفناءُ الحركةَ صاعدةً من جهة العبد حتّى يزول عن دعواه، يجعل الحلولُ الحركةَ نازلةً إلى المخلوق ؛ فالمسافة تُطوى من الجهة الأخرى. وأثر ذلك في مسألتنا ظاهر: إن صحّ الحلول، لم يعد السؤال «كيف يبلغ النسبيّ المطلق ؟» قائما على حاله، لأنّ المطلق هو الذي جاء. الحلاّج (ت 309 هـ)
وذهب «محيي الدين بن عربي» إلى أنّ الاتّصال يكون عن طريق التقاء وجود الخالق ووجود المخلوق، إثباتا لوحدة الوجود ؛ حيث يكون الله والمخلوقات — كما قال — حقيقةً واحدةً هي علّة نفسها ومعلولة لنفسها. وهذا القول يحلّ الإشكال بحلّ طرفيه: فلا هو ينقل النسبيَّ إلى المطلق كما في الفناء، ولا ينزل بالمطلق إلى النسبيّ كما في الحلول ؛ وإنّما ينفي أن تكون هناك مسافةٌ تُقطَع أصلا، إذ الوجود واحد وما التعدّد إلاّ في مراتب التجلّي. محيي الدين بن عربي (ت 638 هـ)
ويجمع المذاهب الثلاثة أنّها لم تُنكر نسبية الذوق ولم تُنكر مطلقية المكشوف ؛ وإنّما تصوّرت لكلٍّ منهما موضعا في طريق واحد: النسبيّ في السالك وأداته، والمطلق في المصدر والغاية. ولهذا كان الجواب عن الاعتراض قائما لا متكلَّفا: نسبية الذوق تمنع أن يكون الذوق ميزانا عامّا يُحاجّ به الغير، ولا تمنع أن يكون طريقا يسلكه صاحبه ؛ فالطريق يُنسَب إلى سالكه، والغاية لا تُنسَب إليه. ولا يتمّ ذلك في الطرق الثلاث إلاّ بمجاهدة النفس، والغاية في كلّ الحالات الاتّصال بالله اتّصالا مباشرا تتحقّق به السعادة الكاملة.
أليس القول بأنّ للتجربة الذوقية «منهجا» تناقضا في العبارة ؟أليس القول بأنّ للتجربة الذوقية «منهجا» تناقضا في العبارة ؟
لا، إذا فرّقنا بين ما يُعَدّ وما يُوهَب. فالمنهج في هذا الباب لا يَعِد بالنتيجة ولا ينتجها، وإنّما يُعِدّ القابل: يزيل الشاغل، ويرفع الحجاب، ويهيّئ النفس. ولهذا كانت المجاهدة عملا يُوصف ويُعلَّم، بينما بقي الكشف فيضا لا يُكتسَب. وهذا التمييز نفسه هو ما يفصل بين الذوق والبرهان: البرهان منهج يُنتج نتيجته بذاته ويُلزم بها كلّ عاقل ؛ والمجاهدة منهج يُعِدّ صاحبه ولا يُلزم أحدا. ومن طالب الأوّل بأثر الثاني أو الثاني بأثر الأوّل، فقد طلب من الميزان أن يزن ما لم يُصنَع لوزنه. وثمّ فرق ثالث يُغني عن كثير من الجدل: العالِم يقرّ صراحةً بأنّ معرفته تقريبية لا تبلغ الدقّة المطلقة أبدا ؛ فلو كان بلوغ المطلق شرطا في قبول أيّ معرفة، لسقطت المعرفة العلمية نفسها معها.
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net