الإشكالية الثالثة: في المذاهب الفلسفية › في المذهب العقلاني والمذهب التجريبي
المذهب العقلي (معيار الحقيقة هو العقل)
- تعريف العقلانية بوصفها نزعة تجعل العقل مصدرا للمعرفة وأداةً للاستدلال ومقياسا لتقدير القيم
- تحديد أعلام المذهب وسياقه التاريخي، والتمييز بينه وبين اللاعقلانية وبينه وبين التجريبية
- بيان أنّ العقل ملكة فطرية كامنة تظهر تدريجيا، والاستدلال على ذلك بحجّة الحيوان المزوَّد بالحواسّ
- صياغة معيار الحقيقة عند العقلانيين — الوضوح والبداهة — وتوظيف أطروحتين مسندتين لديكارت وسبينوزا
- معنى المذهب الفلسفي والنسق، ومعنى المسلَّمة والمبدأ
- الفرق بين القبْلي والبعْدي، وبين الضروري والممكن، وبين الكلّي والجزئي
- المبادئ العقلية الأساسية: مبدأ الهوية ومبدأ السبب الكافي
مقدمة : طرح المشكلة
إذا كان لكلّ من المذهبين — العقلاني والتجريبي، في مجال مصدر المعرفة — نسقُه المنطقي، وإذا كان لا يُعقل لهذا السبب رفضهما أو رفض أحدهما، فأيّهما نتبنّى وأيّهما نرفض ؟ وهل يجوز الأخذ بهما معا على الرغم من تنافرهما ؟ ولا يُفصل في هذا قبل أن نُنصت إلى كلّ نسق في لغته هو. ونبدأ بالمذهب العقلاني: فالنسق الفكري له يُلمَس في المبدأ الجوهري الذي يحرّكه، ويتجسّد ذلك في المسلَّمات التي يأخذ بها وفي طريقة اختبارها. وقبل الإطلال عليه، من المثير أن نطرح الوضعية المشكلة الآتية عرضا وتحليلا.
I – المذهب العقلاني
أولا : مدخل إلى المذهب العقلاني — عرض الوضعية المشكلة
ـ (م) : لقد وصلنا في لقاء سابق إلى أنّ الإنسان كائن عاقل ؛ ـ (ش) : ليس في ذلك شكّ ؛ ـ (م) : فهل يولد عاقلا أو ليكون عاقلا ؟ ـ (ش) : لو قلتُ لك إنّ لي مبلغا ماليا معتبرا، فهلاّ كنتَ تصدّقني ؟ لا بل كيف تصدّق وأنت لم تكشف عنه بعد ؟ ولكن لو هيّأتْ لي فرصةُ إظهار ذلك — كحضوري في السوق مثلا — لكنتُ سأستثمره وأتصرّف فيه، ولكنتَ ستتأكّد بنفسك من وجوده ؛ ـ (م) : هذا صحيح ؛ ولكنّني أعرف بأنّك شابّ معوِز، فمن أين لك هذه الثروة ؟ ـ (ش) : إنّها إرث ؛ ألا تعلم بأنّ المحظوظ من المولودين يكون غنيا بالقوّة قبل أن يرى الحياة، حتّى إذا نما وبلغ الرشد اغتنى فعلا ؟ ـ (م) : هذا المثال أقبله، حتّى وإن كان لا يُسحب على جميع الناس ؛ ولكنْ هل يُفهم من هذا بأنّنا نولد عقلاء بالقوّة، ثمّ مع النموّ والوعي نصبح عقلاء بالفعل ؟ ـ (ش) : هذا الوعي يسير بالتوازي مع فرص الحياة التي تتهيّأ لنا. ولهذا فالعقل استعداد فطري لدى جميع الناس، يحتوي على مبادئ عالمية ثابتة وتامّة تتماشى مع سائر أوضاع الحياة الواقعية المختلفة ؛ ـ (م) : ولكنْ ألا ترى معي بأنّ للحواسّ دورا في اقتناء المعرفة، وبأنّه كما قيل: مَن فَقَدَ حسّا فقد علما ؟ ـ (ش) : ولكنْ لماذا لا تنطبق هذه القاعدة على الحيوان ؟ ولماذا نثق بالحواسّ ؟ ـ (م) : معنى هذا أنّ وراء أيّ إحساس أو تجربة عقلا يخلع على الصور المدرَكة نظاما عقلانيا ؛ ـ (ش) : أجل ؛ ونظامه هذا عبارة عن مبادئ سابقة لكلّ تجربة، غايتها عقلنة الأشياء الحسّية ؛ ومن هذه المبادئ: مبدأ الهوية، ومبدأ السبب الكافي ؛ ولِمَ لا مبدأ وجود الله الخالق المهندس ؟ ـ (م) : يولد الإنسان في عالم الأشياء المتغيّرة، فهل العقل الثابت الذي تدافع عنه ما يزال ثابتا إلى اليوم ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- إجاباتٌ لا تصدر عن الهوى بل عن نسق : فقراءة أجوبة الشابّ مجموعةً توحي بأنّها تستجيب لنظام فكري محدّد وتوجّه نسقي معيّن، وهو أنّ منطلق أيّة معرفة نسعى إلى اكتسابها يجب أن يبدأ بالعقل، باعتباره مجموعة من المبادئ الكلّية والبديهية.
- بالقوّة ثمّ بالفعل : فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتميّز بالعقل ؛ وهذا العقل لا يظهر بالضرورة عند الولادة، لأنّ مكوّناته فطرية وكامنة وتامّة التكوين، ومع ذلك نراه يأخذ في الظهور تدريجيا مع نموّ الإنسان وبلوغ رشده — كالوارث الذي يملك ثروته قبل أن يتصرّف فيها.
- حجّة الحيوان : أمّا الحواسّ فلو كانت تشكّل في الحقيقة مصدرا للمعرفة، لكان الحيوان أحقَّ بها نظرا إلى تزوّده بالحواسّ، ولكان سيشاركنا في خاصية العقل — وهذا باطل. وحتّى إذا عقدنا لها بعض الدور، فليس لها دور معرفي ولا آثار موثوق بها.
- العقل وراء كلّ إحساس : فوراء أيّ إحساس أو تجربة عقلٌ يمنح الأشياء الإطار العقلاني الملائم، ولا يقوى على ذلك إلاّ لأنّه يملك بالفطرة الأدوات التي تساعده — ومنها مبدأ الهوية ومبدأ السبب الكافي وكذا فكرة وجود الله.
- سؤالٌ ترك معلّقا : ولم يخلص الحوار إلى نتيجة، ما دام المذيع قد ترك الباب مفتوحا على السؤال المُشكل: يولد الإنسان في عالم الأشياء المتغيّرة، فهل العقل الثابت الذي تدافع عنه ما يزال ثابتا إلى اليوم ؟
ثانيا : ما معنى العقلانية ؟
يُطلق هذا الاسم على كلّ نزعة فكرية تقدّس العقل، وتجعل منه المصدر الأوّل لنهل المعرفة، والأداة الأساسية التي تحرّك كلّ المراحل المنطقية التي يسير عليها الاستدلال، والمقياس الفصل في تقدير القيم كالخير والصواب. ولهذا تُطلق هذه النزعة على أنحاء شتّى ومجالات متنوّعة: في اللاهوت، وفي نظرية المعرفة، وفي الأخلاق. وهي نزعة تتعارض مع اللاعقلانية، لأنّ هذه الأخيرة توجّهٌ يأخذ بمصدر آخر غير مصدر العقل: كالأفكار الروحية والسحرية والخرافية — والتجربة الحسّية أيضا، كما هي لدى التجريبيين. والعقلانية تتعامل مع الآليات العقلية وأسسها: البداهة والبرهنة والاستدلال.
تتقدّم العقلانية تحت أشكال مختلفة في كلّ مراحل الفلسفة، لدى اليونانيين أو المسلمين وغيرهم ؛ وبالإمكان اعتبار آراء «أفلاطون» أو «أرسطو»، وكذا المذاهب الرواقية وفرقتَي المعتزلة وبعض الأشاعرة، عقلانيةً من حيث إنّ العقل هو ما يسمح بتنظيم الفكر في الخطاب. إلاّ أنّ الصورة الواضحة التي مثّلها في الحقيقة هي تلك التي حملها «ديكارت» ومن جاء بعده من الفلاسفة أمثال «سبينوزا» و«لايبنتز» و«مالبرانش». وقد اعتبر مؤرّخو الفلسفة في القرن التاسع عشر القرنين السابع عشر والثامن عشر عصر الجدال بين العقلانيين والتجريبيين ؛ والغرض من هذا الحصر النسقي توضيحُ الرؤية، لا تتبّعُ الفلاسفة واحدا واحدا — إذ يُخشى عندئذ السقوط في تسجيل شريط يكون فيه عددُ المذاهب بعدد أصحابها.
ثالثا : معيار الحقيقة هو العقل — مقياس الوضوح
إنّ مقاييس الحقيقة تابعة لطبيعة هذه الحقيقة ومجالاتها وفلسفة أصحابها: فإذا كان مقياس مطابقة العقل للتجربة يُعتبر المؤشّر الأهمّ في الميدان العلمي، فإنّ الوضوح أو البداهة هو الميزان المناسب لمعرفة الحقيقة الفلسفية عند العقلانيين. وقد ذهب بعض الفلاسفة أمثال «ديكارت» و«سبينوزا» إلى أنّ الحكم الصادق يحمل في طيّاته معيار صدقه، وهو الوضوح الذي يرتفع فوق كلّ شيء ؛ ويتجلّى هذا في البديهيات الرياضية التي تبدو ضرورية وواضحة بذاتها، كقولك: الكلّ أكبر من أحد أجزائه، أو إنّ الخطّ المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين. ولاحظ ما في هذا المعيار من اتّساق مع المذهب كلّه: فمن جعل العقل مصدر المعرفة لا يمكنه أن يحتكم في تصحيحها إلى غير العقل ؛ ولو احتكم إلى التجربة لنقض منطلقه.
كانت أوّل قاعدة في المنهج الذي سطّره ألاّ يقبل مطلقا شيئا على أنّه حقّ ما لم يتبيّن بالبداهة أنّه كذلك، وأن يُعنى بتجنّب التسرّع والتشبّث بآراء سابقة، وألاّ يأخذ من أحكامه إلاّ ما يتمثّله عقله بوضوح تامّ وتمييز كامل، بحيث لا يعود لديه مجال للشكّ فيه. وقد انتهى إلى قضيته المشهورة: «أنا أفكّر إذن أنا موجود». «لاحظتُ أنّه لا شيء في قولي: أنا أفكّر إذن أنا موجود، يضمن لي أنّي أقول الحقيقة، إلاّ كوني أرى بكثير من الوضوح أنّ الوجود واجب التفكير. فحكمتُ بأنّني أستطيع اتّخاذ قاعدة عامّة لنفسي، وهي أنّ الأشياء التي نتصوّرها تصوّرا بالغ الوضوح والتمييز هي صحيحة كلّها.» ديكارت، مقال في المنهج، القسم الرابع
يرى أنّه ليس هناك معيار للحقيقة خارجٌ عن الحقيقة ؛ فهل يمكن أن يكون هناك شيء أكثر وضوحا ويقينا من الفكرة الصادقة يصلح أن يكون معيارا للحقيقة ؟ «فكما أنّ النور يكشف عن نفسه وعن الظلمات، كذلك الصدق هو معيار نفسه ومعيار الكذب.» Spinoza, Ethique, p 118, (Œuvre 3)
وهكذا إذن، فالعقلانية مذهب فكري يقول بأوّلية العقل، وأنّ جميع المعارف تنشأ عن المبادئ العقلية القبْلية والضرورية الموجودة فيه، والتي ليست متولّدة من الحسّ أو التجربة. وهذا التحديد هو الذي يفتح الباب على السؤال التالي: ما هي هذه المبادئ بالضبط، وعلى أيّ مسلَّمات يقوم النسق الذي يحملها ؟
إذا كان العقل يولد بمبادئه تامّةً، فلماذا لا تظهر عند الولادة ؟إذا كان العقل يولد بمبادئه تامّةً، فلماذا لا تظهر عند الولادة ؟
لأنّ العقلانية لا تقول إنّ الطفل يولد عالِما، بل تقول إنّه يولد مزوَّدا بما يجعل العلم ممكنا. والفرق بينهما هو الفرق بين المِلك والتصرّف: فالوارث يملك ثروته قبل أن يبلغ الرشد، ولا يظهر ملكه إلاّ يوم يتصرّف فيه في السوق ؛ ولم تصنع السوقُ ثروتَه، وإنّما أظهرتها. وهكذا يكون العقل استعدادا فطريا كامن التكوين، يأخذ في الظهور تدريجيا مع النموّ وبلوغ الرشد وبتوازٍ مع فرص الحياة التي تتهيّأ لنا. فالتجربة عند العقلاني مناسبة لظهور المبدأ لا مصدر له ؛ ولهذا لا يُعترض عليه بأنّ الطفل يتعلّم شيئا فشيئا: هذا ما يقوله هو نفسه. والاعتراض الحقيقي يجب أن يقع على المبادئ نفسها: أهي فينا قبل كلّ تجربة، أم استخلصناها من تجارب تكرّرت حتّى نسينا أصلها ؟ وهذا بالضبط ما سيقوله التجريبيون.
Page 1/4
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net