Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثالثة: في المذاهب الفلسفية في المذهب العقلاني والمذهب التجريبي

العقلانية مسلماتها

🔊 The teacher reads for you
خُذ اثنين لا يتّفقان على شيء: لا في اللغة، ولا في العادة، ولا في الرأي. ثمّ اسألهما: هل يمكن أن يكون الشيء موجودا وغير موجود في الوقت نفسه ؟ سيجيبان بجواب واحد، دون أن يتشاورا ودون أن يجرّبا، ولن يقول لك أحدهما «هذا صحيح عندنا نحن». ثمّ اسألهما: أيّهما أكبر، الكلّ أم جزؤه ؟ فيتّفقان مرّة أخرى. فما الذي يجعل بعض الأحكام تُجمع عليها العقول كلّها بينما تختلف في كلّ ما سواها ؟ وهل يكفي هذا الإجماع دليلا على أنّ في العقل مبادئ سابقة على كلّ تجربة ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • صياغة المصادرة الجوهرية للعقلانية، والمسلَّمات الأربع المتفرّعة عنها
  • عرض حجج المسلَّمة الأولى: عالمية المبادئ، خداع الحواسّ، ما يصمد أمام الشكّ، ويقين الاستنتاج
  • تعريف الحدس وتمييز أصناف الأفكار الثلاثة عند العقلانيين
  • بيان أنّ المسلَّمات لا تقف عند المعرفة، بل تمتدّ إلى الأخلاق، وتسمية أنصار مذهب البديهة
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • معنى العقلانية وأعلامها، وأنّ معيار الحقيقة عندها هو الوضوح والبداهة
  • الفرق بين القبْلي والبعْدي، وبين الضروري والممكن، وبين الكلّي والجزئي
  • معنى الحدس والاستنتاج، ومعنى المصادرة والمسلَّمة
إذا كان العقلاني يجعل العقل مصدر المعرفة، فما هي المنطلقات التي يسلّم بها ولا يبرهن عليها ؟ وكيف تُختبر مسلَّمة يُقال عنها إنّها بديهية لا تحتاج إلى برهان — أليس القول بأنّها غنيّة عن البرهان إعفاءً لها من الاختبار ؟ ثمّ هل تقف هذه المبادئ عند حدود المعرفة، أم تتجاوزها إلى ما ينبغي أن يكون عليه سلوكنا ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهينا إلى أنّ العقلانية مذهب يقول بأوّلية العقل، وأنّ معيار الحقيقة عنده هو الوضوح والبداهة. غير أنّ المذهب لا يُقوَّم بشعاره وإنّما بنسقه ؛ والنسق يُلمَس في المسلَّمات التي يأخذ بها وفي طريقة اختبارها. فما الذي يسلّم به العقلاني قبل أن يستدلّ ؟ وهل يقدّم على ذلك حججا، أم يكتفي بأن يعلن مبادئه واضحةً بذاتها ؟ والسؤال دقيق: فمن يقول إنّ مبدأه بديهي يبدو كمن يعفي نفسه من الدليل. ولذلك لا يُنصَف هذا المذهب إلاّ إذا عرضنا مسلَّماته أوّلا، ثمّ تتبّعنا الحجج التي يسوقها لكلّ واحدة منها.

أولا : مسلَّمات العقلانية

إنّ قراءة إنتاج بعض من ينتمي إلى العقلانية من المفكّرين والفلاسفة توحي بأنّ هذه النزعة تقوم على أساس مصادرة جوهرية واحدة: هي أنّ الأصل الأوّل للعلم الإنساني ومصدره الأسبق هو العقل وليس التجربة. ومعنى ذلك أنّ المعارف التي يملكها الإنسان، مهما تسلسلت حلقاتها، ترتدّ في نهاية الأمر إلى منبع أوّل وواحد هو العقل ؛ أمّا التجربة في معناها الحسّي والعلمي فتُعتبر حلقةً ضمن السلسلة، لا منبعا لها. ولهذه المصادرة مسلَّمات جزئية أربع.

  1. المعرفة الحقيقية ترتدّ إلى ما يميّز الإنسان ؛ وما يميّزه هو العقل لا الحواسّ ؛ وهذا العقل قوّة فطرية لدى جميع الناس ينهلون منها المعارف ويطمئنّون إليها. أمّا الحواسّ فموضوعها عالَم الأشياء، ومعطياتها لا تثبت على حال.
  2. والعقل يحتضن الحقائق المحدوسة التي توفّر المنطلق الصلب والأوّل للمعرفة، مثل المبدأ الذي لا مبدأ وراءه، أو المبدأ الذي لا يمكن رفضه.
  3. ومن مميّزات هذه الحقائق أنّها كلّية صادقة صدقا ضروريا، وسابقة لكلّ تجربة، لا يتطرّق إليها الشكّ ؛ ومنها يستنبط العقل النتائج التي تلزم عنها، وبهذا تتشكّل المعرفة اليقينية التي تصدق في كلّ زمان ومكان.
  4. وهذه المبادئ ليست حكرا على المعرفة مجرّدةً كانت أو مادّية ؛ فمنها يستمدّ الفيلسوف الأخلاقي قواعده الأولى، ومنها يستلهم المرشدون والمربّون والناس العاديون مقاصدهم السلوكية، بدون أدنى بحث عن برهان، لأنّها واضحة.

ثانيا : اختبار المسلَّمة الأولى — العقل لا الحواسّ

العقل في جملته ملكة ذهنية يستطيع الإنسان بواسطتها إدراك المعرفة وإصدار الأحكام وتحديد سلوكه طبقا لهذه المعرفة ؛ إنّه مصدر جميع أفكاره، وحقٌّ مشاع لكلّ إنسان على وجه المعمورة، وقوّة فطرية تتأسّس أصلا على مبادئ عالمية تجعل صاحبه فوق كلّ سلطة. وقد أجلّه كثير من الفلاسفة — وخاصّة منهم العقلانيون — حتّى قالوا عنه إنّه نوع من الإشراق ومصدرٌ لكلّ أصناف المعرفة الحقيقية، يرفع الآخذ به فوق إملاء كلّ سلطة. وقد شهد كثير منهم النورَ الذي شعّ منه والمعاناةَ التي تحمّلها عبر التاريخ: فقد حاول «ديكارت» ردّ اعتباره في وقت لم يعرف فيه العقل سوى الازدراء، فأرجع له سلطانه بعد أن هدمته مدرسة الشكّاك التي تزعّمها في فرنسا قبله «مونتاني» (ت. 1592) ؛ ورفض السلطة الدينية ممثّلةً في الكنيسة والعلمية ممثّلةً في «أرسطو» باعتبارهما مصدرا للحقيقة، وردّ الحقيقة إلى العقل، وجعل البداهة معيارها ومقياس الصواب والخطأ. ويضاف إلى ذلك توافق الوحي والعقل عند أغلبهم: فالمبادئ الأساسية للدين فطرية أو بديهية، والوحي يصادق هذه الأوّليات ويوجب رفض التسليم بكلّ ما لم يساير منطق العقل ؛ ومن ثمّة يبقى العقل أصدقَ محكّ لحقائقه.

ديكارت — العقل أحسن الأشياء توزّعا

«العقل هو أحسن الأشياء توزّعا بين الناس، إذ يعتقد كلّ فرد أنّه أوتي منه الكفاية … يتساوى بين كلّ الناس بالفطرة.» ديكارت، مقالة في المنهج، القسم الأوّل

ديكارت — مبادئ تولد معنا

«وهذه المبادئ ليست من مختلقاتنا، ولا من أثر العالم الخارجي فينا، ولكنّها تولد معنا … فهي سوس النفس البشرية، وهي قوام جميع أفكارنا.» كمال يوسف الحاج، رينه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة، ص 106

  1. مبدأ الهوية : الشيء هو عين ذاته، ولا يمكن أن يكون شيئا آخر.
  2. مبدأ عدم التناقض : الشيء لا يمكن أن يكون موجودا ولا موجودا في آنٍ واحد.
  3. الأوّليات الرياضية : كقولنا: المساويان لثالثٍ متساويان ؛ والبديهيات المنطقية كقولنا: إنّ الكلّ أكبر من جزئه ؛ ومنها المسائل الهندسية كزوايا المثلّث الثلاث المساوية لقائمتين.
  4. المبادئ الأخلاقية الأوّلية كالخير والشرّ، والحقائق الإلهية كفكرة الخالق.
  5. وتسمّى هذه عند المسلمين المعقولات الأولى — أو الفطرية، أو الضروريات، أو الأوائل المتعارفة — بحيث قيل: تحصل للإنسان منذ أوّل أمره من حيث لا يشعر، ولا يدري كيف ومن أين حصلت ؛ وهي قضايا يصدّق بها العقل الصريح لذاته وبفطرته، لا لسبب من الأسباب الخارجية عنه، من تعلّم أو تخلّق أو تجربة.
ديكارت — خداع الحواسّ

«كلّ ما تلقّيته حتّى الآن على أنّه أصدق الأشياء وأوثقها، قد تعلّمته من الحواسّ أو عن طريق الحواسّ ؛ غير أنّني اختبرتُ أحيانا هذه الحواسّ فوجدتها خدّاعة، وأنّه من الحذر ألاّ نطمئنّ أبدا إلى من خدعونا ولو مرّة واحدة.» ديكارت، تأمّلات في الفلسفة الأولى، ترجمة عثمان أمين، التأمّل الأوّل، الفقرة 3

ويُضاف إلى ذلك حجّتان: أنّ ما يصمد أمام قوّة الشكّ ويستغني استغناءً كلّيا عن العالم الخارجي هو الذي يشكّل الحجر الصلب لبناء المعرفة — ويمكن تلخيص التجربة في هذه الصورة الاستدلالية: «إذا كنتُ لا أستطيع أن أشكّ في شكّي، فإنّي على الأقلّ متيقّن بأنّني أشكّ ؛ وإذا كنتُ على وعي بأنّني أشكّ فأنا أفكّر دائما ؛ وكوني أفكّر دائما قاعدةٌ صلبة لا أحيد عنها، لأنّها إثباتٌ لوجودي ولأنّها في غاية الوضوح». وأنّ اليقين والتماسك اللذين يطمح إليهما كلّ باحث عن المعرفة يوفّرهما العقل الاستدلالي الصحيح ؛ وهذا المبتغى لا تحقّقه التجربة، لأنّها تزوّدنا بمعلومات متفرّقة لا ترقى باجتماع بعضها إلى بعض إلى مرتبة اليقين المنشود، فضلا عن أنّها نسبية ونتائجها احتمالية.

ثالثا : اختبار المسلَّمة الثانية — الحقائق المحدوسة

ولكن كيف تُدرَك الحقائق بالحدس ومن غير مقدّمات ؟ لقد تأكّد العقلانيون من أنّ الحقائق الأولى — الأوّليات الرياضية والمنطقية — تنشأ وتُدرَك بالعقل عن طريق الحدس، ومن غير مقدّمات. والحدس نورٌ فطري غريزي يمكّن العقل من إدراك فكرة ما دفعةً واحدة لا على التعاقب ؛ فهو إدراك مباشر غير مسبوق بمقدّمات تسلّم إليه، ولا يقوم على اختبار تجريبي ولا على شهادة الحسّ ولا على أحكام الخيال الخدّاع ؛ بل هو عملٌ عقلي محض تُدرَك به الأفكار والطبائع البسيطة التي لا تنقسم إلى أجزاء، كالوجود والوحدة والزمان والمكان والامتداد.

  1. أفكار عرضية : ومرجعها إلى الطبيعة الخارجية، كفكرة الشمس والحرارة والألوان والطعوم ؛ وهذه أفكار غامضة لا تشكّل معرفة صحيحة.
  2. أفكار مصطنعة مركّبة : ركّبها العقل من الأفكار العرضية السالفة، كصورة عرائس البحر والخيل ذوات الأجنحة الطائرة.
  3. أفكار فطرية : مثل فكرة اللانهاية وفكرة الكمال ؛ وهذه ليست مستفادة من الحواسّ.
ديكارت — فكرة اللامتناهي

«أجد أنّ فكرة اللامتناهي سابقة لديّ لفكرة المتناهي، أي أنّ إدراك الله سابق لإدراك نفسي ؛ إذ كيف لي أن أعرف أنّي أشكّ وأرغب — أي أنّ شيئا ينقصني وأنّني لستُ كاملا تمام الكمال — إذا لم تكن لديّ أيّة فكرة عن وجود أكملَ من وجودي، عرفتُ بالقياس إليه ما في طبيعتي من عيوب ؟» ديكارت، التأمّلات، التأمّل الثالث، الفقرة 21

فبما أنّ لكلّ أثر سببا، وأنّ السبب ليس أقلّ واقعية من الأثر، وجب أن تكون فكرة اللانهائي أثرا لكائن كامل هو الصانع الحقيقي ؛ وهذه الفكرة معطاة لنا بالفطرة. ومن هنا كانت هذه الحقائق خالدةً، مبادئَ ليست من ورائها مبادئ، تُدرَك بالحدس من غير مقدّمات، ثمّ يستنبط العقل منها النتائج التي تلزم عنها، فتتألّف المعرفة اليقينية التي تصدق في كلّ زمان ومكان. وقد كانت الفلسفة الأوروبية في القرن السابع عشر يسودها الاعتقاد بوجود هذه الأفكار الفطرية — كفكرة الله وفكرة النفس وفكرة الامتداد — وهي تشبه في نظرهم قوانين المنطق من حيث إنّها موضوعية عامّة شاملة، لا تنسحب على فرد دون فرد، وثابتة غير متغيّرة.

رابعا : اختبار المسلَّمة الثالثة — حقائق كلّية ضرورية سابقة لكلّ تجربة

تتميّز هذه المعرفة بـالضرورة والشمول ؛ والمقصود بهما انسجام القضايا المعرفية تلقائيا مع متطلّبات العقل المنطقية، وتعميمُها على كلّ العقول البشرية في كلّ زمان ومكان. وهي قضايا لا يمكن أن تصدق مرّة وتكذب أخرى، كقولك: إذا كان (أ) أكبر من (ب)، و(ب) أكبر من (ج)، كان (أ) أكبر من (ج) ؛ فهذا حكمٌ صادق دواما. ومثل هذا يقال في قوانين المنطق وأوّليات الرياضة ؛ ومن ذلك أيضا مبدأ السبب الكافي. وتوفّر الرياضيات المنهج الملائم للمسعى العقلاني، من حيث إنّها تشكّل النموذج المثالي لكلّ العلوم: تطرح المشاكل طرحا واضحا بيّنا، وتملك المفاهيم والمبادئ التي بواسطتها تُكتشَف حقائق عالمية بديهية وتُستنتَج مبادئ قبْلية غير مردودة. فاليقين الملحوظ في العلوم الصورية — كالرياضيات والمنطق — هو المثل الأعلى لليقين الذي ينشدونه في كلّ فروع المعرفة البشرية، وهو يقين نفتقده في المعرفة التي تقوم على معطيات الحسّ ؛ ولهذا اتّسع اعتمادهم على المنهج الاستنتاجي حتّى في أبحاث علوم الطبيعة، ثمّ في العلوم الإنسانية والمعيارية، عساهم أن يبلغوا بها مثل اليقين الرياضي دقّةً وضبطا.

أمّا الاستنتاج فهو الذي يدرك الطبائع المركّبة، ويجيء دوره بعد الحدس ؛ وهو عمل عقلي يمكّننا من أن نستخلص من شيء نعرفه معرفة يقينية نتائجَ تلزم عنه، ويتمّ على خطوات بحركة ذهنية نستنتج بها شيئا مجهولا من شيء معلوم. وبهاتين العمليتين — الحدس ثمّ الاستنتاج — نتوصّل إلى المعرفة اليقينية التي تصدق مهما تغيّرت الحدود الزمانية والمكانية. وعلى هذا السبيل سار الديكارتيون من أمثال «سبينوزا» و«مالبرانش» و«لايبنتز» وغيرهم من أتباع القرن السابع عشر، مع بعض الاختلاف بينهم بين التأييد والتحفّظ فيما يتعلّق بميدان الوحي.

خامسا : اختبار المسلَّمة الرابعة — المبادئ العقلية في الأخلاق

وفي الأخلاق كذلك يبقى العقل هو المصدر الأوّل لمبادئها ؛ وهي مبادئ لا تحتاج بدورها إلى برهان، لأنّ ما في القوانين الخلقية من قوّة موجبة للعمل، وما تتّصف به من عموم وشمول، يحملنا إلى اعتبارها أمورا صادرة مباشرةً عن طبيعة العقل العملي. ولم يكن العقلانيون التابعون للمدرسة الخلقية الإنجليزية مبالغين عندما أوجبوا وضع القواعد الخلقية في مستوى واحد مع أوّليات الرياضة وقوانين الطبيعة: فكما ينظر علماء الرياضة والطبيعة إلى المبادئ الأولى لعلومهم على أنّها بديهية لا تحتاج إلى برهان، كذلك ينظر الأخلاقيون من أصحاب مذهب البديهة إلى المبادئ الخلقية. ومن أنصار هذا المذهب في الفلسفة الإنجليزية «كدويرث» و«كمبرلاند» و«صموئيل كلارك». والأخلاقية في رأيهم — ردّا على «هوبس» — ليست تابعة لإرادة الحاكم المطلق ؛ إنّها حقيقة موضوعية مستقلّة عن كلّ إرادة، لأنّ في طبيعة الفعل الخيّر ما يجعله خيرا. وإلى ما يشبه هذا ذهب قبلهم المعتزلة في الإسلام، إذ قالوا: «المعارف كلّها معقولة بالعقل واجبة بنظر العقل ؛ والحُسن والقُبح صفتان ذاتيتان للحَسَن والقبيح».

لماذا يستشهد العقلانيون بالرياضيات في كلّ خطوة من خطواتهم ؟

لأنّ الرياضيات ليست عندهم مثالا من بين أمثلة، بل هي النموذج المثالي لكلّ العلوم: فيها تُطرح المشكلة طرحا واضحا بيّنا، ومنها يبدأ العقل من مبادئ بديهية لا تُستمدّ من تجربة، ثمّ يستنبط بخطوات متسلسلة نتائجَ تلزم عنها لزوما ضروريا. فهي إذن صورة مصغّرة عن المذهب كلّه: حدسٌ في البداية، واستنتاجٌ بعده، ويقينٌ يصدق في كلّ زمان ومكان. ولهذا يجب أن تنتبه إلى ما يُبنى على هذا الاستشهاد: إنّهم لا يقولون فقط إنّ الرياضيات يقينية، بل يطلبون أن يُقاس على منهجها في سائر فروع المعرفة — حتّى في علوم الطبيعة، ثمّ في العلوم الإنسانية والمعيارية. وهنا بالذات يقف الخصم ليسأل: هل ما صحّ في عالم المقادير المجرّدة يصحّ في عالم الوقائع المتغيّرة ؟

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة استقصائية أو تحليل نصّ ديكارتي: «هل المعرفة قبْلية أم مستمدّة من التجربة ؟» أو «هل تكفي البداهة معيارا للحقيقة ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① المصادرة الجوهرية في جملة (الأصل الأوّل للعلم الإنساني هو العقل لا التجربة، والتجربة حلقةٌ في السلسلة لا منبعها) ؛ ② مثالان للأوّليات لا يُختلف فيهما (مبدأ عدم التناقض · الكلّ أكبر من جزئه) وحجّتان (خداع الحواسّ · ما يصمد أمام الشكّ) ؛ ③ ترتيب العمليتين: الحدس أوّلا ثمّ الاستنتاج — ومن عكسهما أفسد النسق. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين الحدس والتخمين ؛ فالحدس عند العقلانيين إدراكٌ عقلي محض دفعةً واحدة، لا إحساسٌ ولا ظنّ. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الاكتفاء بذكر المسلَّمات دون حججها ؛ فالسؤال يقيس اختبار المسلَّمة، وسردُ المسلَّمات وحده يجعل مقالتك عرضا لا مناقشة.
نتيجة — تقوم العقلانية على مصادرة واحدة تتفرّع إلى أربع مسلَّمات: أنّ المعرفة ترتدّ إلى ما يميّز الإنسان وهو العقل لا الحواسّ ؛ وأنّ العقل يحتضن حقائق محدوسة هي المنطلق الصلب الأوّل ؛ وأنّ هذه الحقائق كلّية ضرورية سابقة لكلّ تجربة، يُستنبط منها ما يلزم عنها ؛ وأنّها لا تقف عند المعرفة بل تمتدّ إلى الأخلاق. ويُختبر ذلك بحجج متماسكة: عالميةُ المبادئ التي يجمع عليها الناس دون تشاور، وخداعُ الحواسّ الذي يكتشفه العقل نفسه، وصمودُ اليقين الأوّل أمام الشكّ، وقصورُ التجربة عن أن ترقى بمعلوماتها المتفرّقة إلى مرتبة اليقين. ومنهجه في ذلك حدسٌ يدرك البسائط دفعةً واحدة، ثمّ استنتاجٌ يستخرج منها المركّبات — وهو منهج الرياضيات التي اتّخذوها نموذجا لكلّ علم. ⟸ فإذا كان هذا نسقَ من يجعل العقل مصدرا، فماذا يقول من يجعل المصدر هو التجربة الحسّية ؟

Page 1/6

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net