Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثالثة: في المذاهب الفلسفية في المذهب البرغماتي والمذهب الوجودي

البرغماتية مسلماتها

🔊 The teacher reads for you
كنتَ تحمل فكرةً تطمئنّ إليها، ثمّ جاءتك تجربة جديدة تخلع عليها بعض الاضطراب: شخصٌ يناقضها، أو تكتشف أنت في فترة تأمّل أنّها متناقضة، أو يبلغك أنّ هناك ظواهر لا توافقها، أو تطرأ فيك رغبات لم تعد تحقّقها. عندئذ يتولّد فيك انزعاجٌ لم يعهده تفكيرك، ويكون أمامك طريقان: أن تدافع عن الفكرة القديمة لأنّها «مبدأ»، أو أن تغيّرها بلا حرج. والبراغماتي يختار الثاني ولا يرى في ذلك عيبا. فعلى أيّ مسلَّمات يقوم مذهبٌ يجعل تغيير الأفكار فضيلةً لا تناقضا ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديد معنى المسلَّمة في المذهب البراغماتي، وبيان لماذا يكون السرّ في النسق لا في المسلَّمة
  • عرض مسلَّمات المذهب: العبرة بالنتائج · اشتراط النجاح · لا فرض أصدق من فرض · ليونة الواقع · العالَم موضوعات صمّاء
  • تفسير مبدأ المرونة والمراجعة المستمرة، والتمثيل له بمثال «جيمس» في تعدّد صور العدد الواحد
  • تحديد موقع النسق البراغماتي بين الأنساق الفلسفية الأخرى، وتقويم تماسكه
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • معيار الحقيقة عند البراغماتيين: الصدق صدقٌ لأنّه نافع، وأعلام المذهب الثلاثة
  • معنى النسق الفلسفي، والفرق بين المسلَّمة والنتيجة
  • الفرق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر
إذا كان البراغماتي يقيس صدق الفكرة بما تنتجه من نفع، فما هي المنطلقات التي يسلّم بها قبل أن يقيس ؟ وهل يستقيم بناء فلسفي على مسلَّمة تقول إنّه لا فرض أصدق من فرض آخر ؟ ثمّ ألا يفضي القول بأنّ الواقع ليّنٌ قابل للتشكيل إلى أن يصير كلّ شيء صادقا، فلا يبقى للخطأ معنًى ؟

مقدمة : طرح المشكلة

رأينا أنّ البراغماتية تقيس الفكرة بأثرها، وتجعل الصدق صدقا لأنّه نافع. غير أنّ كلّ معيار يستند إلى منطلقات لا يبرهن عليها، وإنّما ينطلق منها ؛ وهي ما نسمّيه المسلَّمات. فما الذي يسلّم به البراغماتي قبل أن يحكم ؟ وهل هذه المسلَّمات متماسكة فيما بينها حتّى يستقيم النسق، أم أنّها تتنازع فيهدم بعضها بعضا ؟ والسؤال ليس ترفا نظريا: فمذهبٌ يعلن أنّ الأفكار أدوات، وأنّ الواقع متقلّب، وأنّه لا فرض أصدق من فرض، يبدو للوهلة الأولى مذهبا ينقض نفسه بنفسه. فلنقف على مسلَّماته واحدةً واحدة، ولننظر في النسق الذي تصنعه مجتمعةً.

I – نسق البراغماتية ومسلَّماته

المسلَّمة في هذا المذهب ليست مبدأً مقدّسا يُبنى عليه إلى الأبد، وإنّما هي ذريعة: فالبراغماتية مذهب يجعل من كلّ منطلق أو مسلَّمة ذريعةً لتحقيق غايات عملية تعود بالنفع على الإنسان بالمفرد أو على الناس بالجمع ؛ ومهما كانت طبيعة هذا المنطلق — حسّيةً أو عقلية أو ميتافيزيقية — فالمهمّ أن نحقّق بواسطته مطالبَ عملية فعلية. ومن هنا فإنّ ما يميّز فكرا عن فكر ليس المسلَّمة في ذاتها: فقد يسلّم الفكر بصحّة منطلق ويسعى إلى تأييده بالحجّة والبرهان، وقد يسلّم بفرضية فيسعى إلى البرهنة على صدقها أو خطئها. فالسرّ في هذا البناء أو ذاك ليس في هذه المسلَّمة أو تلك، وإنّما في النسق الذي يصل المنطلق بالمنتهى في حلقات متسلسلة ومنطقية.

أولا : العبرة بالنتائج

أوّل ما يسلّم به البراغماتي أنّ قيمة أيّ فرض من الفروض تُقاس بما يترتّب عليه، لا بما يسبقه ؛ فالفكرة التي لا تحمل في طيّاتها مشروعا قابلا لإنتاج آثار عملية نفعية ليست فكرة خاطئة فحسب، بل هي خرافةٌ شأنها شأن الكلام الفارغ. ولاحظ الفرق: الخطأ يقابله الصواب ويمكن تصحيحه، أمّا الكلام الفارغ فلا يقبل التصحيح لأنّه لا يقول شيئا أصلا. وبهذه المسلَّمة وحدها تسقط من دائرة البحث مسائل بأكملها، هي كلّ ما لا يترتّب عليه فرق ملموس في الحياة.

ثانيا : العبرة بالنتائج الناجحة

ولا يكفي أن تكون للفكرة نتائج، بل يجب أن تكون ناجحة ؛ ويتمثّل النجاح في التوافق بين مستقبل الوقائع ورغبات الإنسان وأمانيه. وفي حالة الإخفاق يظلّ المستقبل غامضا، حيث يتعيّن على الفرد العيش في قلق وكآبة واضطراب عقلي. ولهذا فإنّ المنهج الصحيح هو ذلك الذي يحدّد الآفاق المستقبلية التي يتحقّق فيها التناغم الفعلي بين تطلّعات الأفراد وأحلامهم. ومعنى ذلك في الممارسة: أن يكون الوصول إلى حلول للمشكلات النظرية لا عن طريق تحليلها تحليلا جدليا، ولا عن طريق افتراض فروض قبْلية مستقلّة عن التجربة، بل بمتابعة آثارها الملموسة ونتائجها الحسّية ؛ فإن لم تكن للمشكلة نتيجةٌ من هذا القبيل، ولا لحلّها أثرٌ نافع في الحياة، كانت المشكلة باطلة.

جيمس

«الفكرة الصادقة هي تلك التي تؤدّي بنا إلى النجاح في الحياة.» وهذه الآثار التي تنتهي إليها الفكرة هي الدليل على صدقها، أو هي مقياس صوابها ؛ «فإنّ التفكير هو أوّلا وآخرا ودائما من أجل العمل»، و«تصوّرُنا لأيّ شيء ندركه بالحدس ليس في الواقع إلاّ أداةً نحقّق بها غايةً ما». وليم جيمس، البراغماتية، ترجمة محمد علي العريان، دار النهضة العربية، القاهرة، 1965، ص 352-353

ثالثا : لا فرضَ أصدقُ من فرض — المرونة والمراجعة المستمرة

ومن مسلَّماته أنّه لا يوجد فرض أصدق من فرض آخر، ولا تخمين أحقّ من تخمين آخر، إذ إنّ الصدق الوحيد هو الواقع المتقلّب نفسه. وما يبرّر ذلك أنّ التجربة في تجدّد مستمرّ وخلق مستديم ؛ ولكي يكون نشاطٌ معرفي جديرا بأن نصفه بالصدق، يلزم أن يوفّق بين معارفنا القديمة والتجارب الجديدة. فالصدق صدقٌ بالنسبة إلى الواقع الذي ليس متحجّرا ولا ثابتا على حال. ويترتّب على ذلك أنّ البراغماتية تمنح أفكارنا مرونةً غير مسبوقة وتجعلها تتحرّك: فبينما نكون قد امتلكنا مجموعة من المعارف، إذا بتجربة جديدة طارئة تخلع عليها بعض الاضطراب.

  1. أن يناقضك غيرك : فهذا شخصٌ يعارض ما استقرّ عندك.
  2. أن تكتشف أنت التناقض : فنحن بأنفسنا نكتشف في فترة تأمّل أنّ معارفنا متناقضة.
  3. أن تبلغك وقائع جديدة : فيبلغنا أنّ هناك ظواهر لم تكن في الحسبان.
  4. أن تتغيّر حاجاتك أنت : فتطرأ فينا رغبات لم تعد تلك المعارف تحقّقها.
  5. والنتيجة واحدة : ينشأ انزعاجٌ لم يعهده تفكيرنا ؛ وللخروج منه فلا عيب في أن نغيّر أفكارنا السالفة — بل هذا هو عمل الفكر نفسه: أن نندفع إلى الأمام لنعيد بناء العالم من جديد، لا أن نستريح.

رابعا : الواقع ليّنٌ قابل للتشكيل

ولا تستقيم المسلَّمة السابقة إلاّ بمسلَّمة عنه: فالمصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة هو الواقع ؛ إلاّ أنّ هذا الواقع لا يرضى لنفسه السكون المطلق، ولا الانغلاق عن طبيعة رغباتنا المتقلّبة. إنّه بلغة المذهب البراغماتي واقعٌ خاضع لنا، أي ليّنٌ مرنٌ قابل للتشكيل والتعديل. وهنا موضع الدقّة: الواقع مصدرٌ ومرجع — وبهذا لا يكون الإنسان هو مصدر الحكم على الأشياء بالصدق أو الكذب — ولكنّه في الوقت نفسه ليس قالبا جامدا ننسخه، بل مادّةٌ تتشكّل بفعلنا فيها. فالصدق ليس في مجرّد المطابقة، وإنّما في إثراء العالم الموجود وإمداده بالجديد ؛ أمّا الصدق في ذاته كما تذهب إليه الفلسفات التقليدية، فلفظٌ أجوفُ لا يحمل معنًى عندهم: ليس صفةً عينية تقوم في طبيعة الفكرة كما يزعم الصوريون، ولا هو حقٌّ بصرف النظر عن ظروفه كما هو لدى العقلانيين.

خامسا : العالَم موضوعاتٌ صمّاء ونحن نصنع المحمولات

إنّ الوقائع المادية والعلاقات فيما بينها ليست في حدّ ذاتها صادقة ولا كاذبة، وإنّما هي أشياء موجودة فحسب: إنّها خرساء، ونحن الذين نكتشف قيمتها من خلال تجلّياتها النفعية فنصفها بالصدق أو بالكذب. والفكرة عندهم كالسلعة: قيمتها تُقدَّر بثمنها الذي يُدفع فيها فعلا في السوق.

جيمس — مثال العدد سبعة وعشرين

يمكنك أن تعتبر العدد سبعةً وعشرين مكعّبَ العدد ثلاثة، أو حاصلَ ضرب ثلاثة في تسعة، أو حاصلَ جمع ستّة وعشرين وواحد، أو باقيَ طرح ثلاثة وسبعين من مائة، أو بطرق لا نهاية لها ؛ وكلّها صادقة. فإذا كان العدد سبعة وعشرين عددا من الدولارات وجدناها في مكان تُركت فيه ثمانية وعشرون، كانت الواقعة «ثمانية وعشرون ناقص واحد» ؛ وإذا كان طولَ لوحة خشبية أريد أن أصنع منها رفّا لسبّورة طوله ستّة وعشرون، كانت الواقعة «ستّة وعشرون زائد واحد». إنّنا نضيف إلى العالم من صنعنا، وكلّ إضافة هي مطابقة له، وليست واحدة من هذه الإضافات بخاطئة. وليم جيمس، البراغماتية، ص 294

وباختصار، إنّ النسق الذي تبنّاه المذهب البراغماتي واضح المعالم: فهو ينطلق من الواقع ومتطلّباته الآنية ؛ وهذه وضعيةٌ مُشكلة تدفع الإنسان على ضوئها إلى اختبار عدد من الممكنات ؛ فإن استجاب أحدها للمتطلّبات التي يفرزها الواقع المشخَّص، كان هذا الممكن نافعا، ومن ثمّة كان هو الأصدق والأحقّ في هذا السياق. والإنسان إن هو انطلق من فكرة ما فليس بغرض اتّخاذها مبدأً مطلقا يتحكّم في حياته الفكرية أو يقيم عليه فلسفة مغلقة، وإنّما من أجل التحقّق من مدى استجابتها لحاجاتنا الطارئة وتوافقها مع حياتنا المعيشة.

سادسا : موقع هذا النسق بين الأنساق

والفكر البراغماتي، من جهة البناء، لا يختلف عن الفكر العقلاني ولا عن الفكر التجريبي: فلكلّ فكر في هذه المجالات قاعدتُه وبناؤه. فإذا انطلقنا مع العقليين من أنّ ما يميّز الإنسان هو العقل لا الحواسّ، أدركنا ما يترتّب على ذلك من ثبات الأحكام وصلاحيتها مدى الدهر ؛ وإذا انطلقنا مع التجريبيين من أنّ العقل صفحة بيضاء، عرفنا عجزه في إمدادنا بالمعرفة في غياب التجربة. وإذا جئنا إلى البراغماتي أدركنا الظاهرة ذاتها مع اختلاف في المضمون والموقف: فما دام المنطلق الذي يأخذ به لا يشكّل لديه مشروعا قابلا لإنتاج آثار عملية نفعية، بات عبارة عن خرافة ؛ وعلى هذا الأساس وجبت الثورة على كلّ الفلسفات المجرّدة والمغلقة والحلول المعلّقة في فضاء العلل الأولى، مهما كانت أسماؤها ؛ ووجب في مقابل ذلك احترام كلّ مذهب — مهما كان لونه — يدعو إلى الانصراف من المبادئ والأوّليات إلى النتائج والغايات، لأنّ العبرة بالنتائج، والصدق صدقٌ لأنّه نافع.

إذا كان «لا فرض أصدق من فرض»، أفلا ينقض المذهب نفسه بنفسه ؟

هذا هو الاعتراض الذي يُوجَّه إليه دائما، وجوابه في النسق لا في العبارة المفردة. فالقضية لا تعني «كلّ الفروض متساوية فافعل ما شئت»، وإنّما تعني أنّ الأفضلية ليست في الفرض قبل الاختبار: فقبل التجربة لا يملك أحدٌ أن يقول إنّ فرضه أصدق ؛ وبعدها يفصل الواقع بالنجاح أو الإخفاق. فالمساواة قبْلية، والتمييز بعْدي — وهذا هو معنى «الصدق الوحيد هو الواقع المتقلّب نفسه». ولذلك لا يكون تغيير الفكرة تناقضا في هذا النسق، بل هو تطبيقٌ له: فالفكرة أداةٌ، والأداة تُستبدل حين تكفّ عن أداء وظيفتها، ولا يقال في ذلك إنّ صاحبها ناقض نفسه. ويبقى الاعتراض قائما في نقطة واحدة: من يضمن أنّ ما «نجح» اليوم لن يظهر ضرره غدا ؟ وهو سؤالٌ لا يجيب عنه معيار النفع من داخله، لأنّ الحكم فيه يقتضي معيارا آخر غير النجاح.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة استقصائية بالرفع أو الوضع، أو في سؤال يقيس تماسك النسق: «هل تصمد البراغماتية أمام النقد ؟» أو «هل يمكن بناء فلسفة على مبدأ المنفعة ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① ثلاث مسلَّمات مصوغة بألفاظها (العبرة بالنتائج · لا فرض أصدق من فرض · الواقع ليّن قابل للتشكيل) ؛ ② مثالٌ واحد يُحفَظ بتفاصيله — مثال «جيمس» في العدد الواحد الذي يُقرأ بصور لا نهاية لها وكلّها صادقة، لأنّه يُظهر المذهب في العمل لا في الشعار ؛ ③ الجملة التي تحسم موقع النسق: السرّ ليس في المسلَّمة، وإنّما في النسق الذي يصل المنطلق بالمنتهى. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين هذا المورد والمورد السابق، فتُعيد عرض المذهب ومعياره بدل أن تعرض مسلَّماته ؛ اقرأ نصّ السؤال جيّدا: عرض المذهب شيء، ومساءلة منطلقاته شيء آخر. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الاكتفاء بنقد أخلاقي («فلسفة نفعية مادّية») دون مناقشة منطقية للمسلَّمات — والنقد الذي لا يمسّ النسق لا يُحتسب.
نتيجة — تقوم البراغماتية على مسلَّمات متماسكة يشدّ بعضها بعضا: المسلَّمة ذريعةٌ لا مبدأ مقدّس ؛ والعبرة بالنتائج، فما لا أثر له خرافةٌ وكلامٌ فارغ ؛ ولا يكفي أن تكون للفكرة نتائج بل يجب أن تكون ناجحة، والنجاح توافقٌ بين مستقبل الوقائع ورغبات الإنسان ؛ ولا فرض أصدق من فرض آخر، لأنّ الصدق الوحيد هو الواقع المتقلّب نفسه، ومن ثمّ كانت المرونة والمراجعة المستمرة فضيلةً لا تناقضا ؛ والواقع ليّنٌ قابل للتشكيل، والعالَم موضوعاتٌ خرساء ونحن الذين نصنع المحمولات — كما في مثال العدد الواحد الذي يُقرأ بصور لا نهاية لها وكلّها صادقة. وهذا النسق، من جهة البناء، ليس أضعف من الأنساق الأخرى: فالسرّ ليس في المسلَّمة، وإنّما في تسلسل الحلقات التي تصل المنطلق بالمنتهى. ⟸ فإذا كان هذا مسعى من يطلب العمل النافع، فماذا عن المسعى المقابل — مسعى من يرجع إلى ذاته الباطنية ليحقّق ماهيته ؟

Page 1/6

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net