Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثالثة: في المذاهب الفلسفية في المذهب البرغماتي والمذهب الوجودي

المذهب الوجودي (الحقيقة هي حقيقة الذات)

🔊 The teacher reads for you
أنت الآن بين أشياء: الطاولة، والكرسي، والشجرة خلف النافذة ؛ وجسمك نفسه له وزن وطول ويسقط إذا سقط كما تسقط سائر الأجسام. فإذا سُئلتَ: «أأنت شيءٌ من الأشياء ؟» أجبتَ بلا تردّد: لا. ولكن ما الذي يجعلك غير شيء وأنت في العالم نفسه ومن مادّته ؟ ثمّ لاحظ أمرا أدقّ: لقد عرفتَ الأشجار والجبال بعقلك، فبأيّ أداة عرفتَ أنّك لست شجرة ؟ فهل تأتي الحقيقة من عالم الأشياء، أم من عالمك الداخلي وحده ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • التمييز بين الوجود في ذاته والوجود لذاته، وربط كلّ واحد منهما بما يناسبه من أدوات المعرفة
  • تحديد سياق نشأة الوجودية واتّجاهيها، وتسمية أعلام كلّ اتّجاه
  • الاستدلال على أنّ المعرفة الحقيقية عند الوجوديين تأتي من الشعور لا من العقل، بأطروحات مسندة إلى أصحابها
  • تفسير قصدية الشعور: أنّ الوجدان دائما وجدانُ شيء، وما يترتّب عليها من أنّ العالَم يتنوّع بتنوّع الأفراد
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • معنى المذهب الفلسفي والنسق، ومعنى المنطلق والمسلَّمة
  • الفرق بين الذات والموضوع، وبين الشعور والعقل، وبين الحدس والاستدلال
  • معنى الماهية والوجود في الاستعمال الفلسفي
أيّ المسعيين نحتاج إليه: المسعى الداعي إلى العمل النافع في الحياة، أم المسعى الداعي إلى رجوع الإنسان إلى ذاته الباطنية لتحقيق ماهيته ؟ وهل الطبيعة التي يتّصف بها وجود الأشياء تشبه طبيعة وجود الإنسان ؟ وهل المعرفة الحقيقية تأتي من عالم الأشياء أو من العالم الداخلي للإنسان ؟ أيّهما الحقيقة: التفكير في وجود العالم الخارجي، أم استبطان الذات لذاتها والعيش معها ؟

مقدمة : طرح المشكلة

رأينا مذهبا يقيس الحقيقة بالعمل النافع ويطلبها في نتائج الفكرة خارجَ صاحبها. وههنا مذهبٌ يسير في الاتّجاه المعاكس تماما: يطلب الحقيقة في الداخل، ويرى أنّ ما لا أحياه بلحمي ودمي ليس حقيقةً بالنسبة إليّ مهما كان متماسكا في ذاته. وليست هذه دعوةً إلى الانطواء، وإنّما هي أطروحة في طبيعة الوجود نفسه: أنّ وجود الإنسان ليس من جنس وجود الأشياء، وأنّ ما يصلح لمعرفة الأشياء لا يصلح لمعرفة الذات. فهل الأشياء التي أراها في العالم الخارجي من نفس الطبيعة التي أنتمي إليها، وهل أنا جزء من نظام الأشياء ؟ وهل عالم الأشياء هو حقيقة العالم الذي يناسبني ؟ وقبل تأمّل إجابات الوجوديين، نمهّد لها بعرض وضعية مشكلة والتعقيب عليها.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

حوار بين أستاذ (أ) وطالب (ط)

ـ (أ) : أليست الظواهر التي نراها الآن أمامنا أشياءَ ؟ ـ (ط) : نعم ؛ ـ (أ) : إذن، هذه الظواهر التي نراها كالأشجار والجبال والحيوانات، وكلّ هذه الكائنات، هي كلّها أشياء ؛ ـ (ط) : طبعا، فأنا الآن أرى هذه الغابة، وأراك بجانب الشجرة، وأسمع زقزقة الطيور ؛ ـ (أ) : هل نفهم من كلامك يا طالب أنّك شيء من الأشياء ؟ ـ (ط) : نعم ؛ ـ (أ) : ألا تختلف عنها من حيث إنّك لستَ بمجرّد جسم ؛ إنّك تدرك بأنّك أكثر من جسم ؛ ـ (ط) : هذا صحيح ؛ ولكن، هل يعني هذا أنّني لستُ بمجرّد شيء ؟ ـ (أ) : إنّك متمرّد بطبعك عن النظام الثابت الذي يحكم عالم الأشياء ؛ لأنّك كائن فاعل تصنع ما تريد ؛ ـ (ط) : فأنا إذن أقرّر مصيري ؛ ـ (أ) : وفي هذا التقرير تثبت بأنّك لستَ شيئا ؛ ـ (ط) : وإذا كنتُ مغايرا للأشياء، فما عساني أن أكون ؟ ـ (أ) : لمعرفة الأشياء استعملتَ العقلَ ؛ ولكنّ هذا العقل لا يساعدك على معرفة ما تكون ؛ لأنّ العقل أداة رُزقنا بها من أجل معرفة الأشياء، ولكن عندما يتعلّق الأمر بمعرفة أنفسنا فنحن نحتاج إلى وسيلة أخرى ؛ ـ (ط) : وما هي هذه الوسيلة ؟ ـ (أ) : إنّك ذاتٌ، وهذه الذات تعي نفسها بنفسها ؛ وهذا الوعي لا يجعلك تفكّر في ذاتك كما تفكّر في أشياء الطبيعة، لأنّك لستَ شيئا ؛ ـ (أ) : فهناك فرق بين أن تفكّر في الأشياء، أي في وجودها ككائنات خارجية، وبين أن تشعر بوجودك وتعيش بلحمك ودمك ما يجري في عالمك الداخلي ؛ ـ (ط) : أفهم من كلامك بأنّ العالم الذي نعيشه ليس كالعالم الذي نراه.

التعقيب على الوضعية المشكلة

  1. هناك وجودان : وجود الأشياء، ووجود الأنا أو الذات ؛ فالأوّل وجودٌ يسير آليا مع نظام ثابت، والثاني وجودٌ يسير بكلّ وعي ويتولّى قراراته بنفسه.
  2. وهناك معرفتان : فرقٌ بين معرفتنا المجرّدة للأشياء التي تأتينا من الخارج، وبين وعي الذات الحيّ لذاتها. فالأولى تفكيرٌ في موضوع، والثانية عيشٌ لما يجري في الداخل.
  3. وسؤالٌ ترك معلّقا : هل يجب أن أرفض الاتّصال بالعالم الخارجي لأهتمّ فقط بما يجري في عالمي الداخلي، آخذا بالحدس ومستبعدا كلّ الفلسفات التي تقدّس العقل ؟

II – المذهب الوجودي : الأسس الفكرية والمنطقية

إنّ المنطلقات التي يأخذ بها الوجوديون في تقريب مختلف وجهاتهم الفلسفية يمكن ردّها إلى أربعة تساؤلات: هل الطبيعة التي يتّصف بها وجود الأشياء تشبه طبيعة وجود الإنسان ؟ أليس بإمكان الإنسان التمرّد على نظام الأشياء ؟ وهل المعرفة الحقيقية تأتي من عالم الأشياء أو من العالم الداخلي للإنسان ؟ وهل يُرتجى من كون الإنسان إنسانا الحصولُ على السعادة أم الارتماءُ في المخاطرة وما يترتّب عنها من قلق ؟ وهذه الاستفهامات لا يطرحها الوجوديون لمجرّد طرحها ؛ إنّها من الأصداء التي أفرزتها الظروف المزرية التي انتهى إليها مصير أوروبا وغيرها، وخاصّة بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تمرّ هذه الأوضاع اللاإنسانية دون أن تؤثّر عالميا في مشاعر الناس وتفكيرهم، وتدفعهم إلى التساؤل عن حقيقة الوجود الإنساني وطبيعة علاقته بعالم الآخرين وعالم الأشياء.

فرقتا الوجودية

الوجودية المؤمنة (المسيحية) : تشدّ نفسها إلى عقيدة، وتقول بالمشاركة والمحبّة ؛ وتضمّ «سورين كيركجورد» الدانماركي (ت. 1855) و«غابرييل مارسيل» (ت. 1973) و«لويس لافيل» و«ياسبيرس» (ت. 1969). الوجودية الملحدة : ترى أنّ الوجود مأساة لا معنى لها، وأنّ الغير مصدر عذاب الذات ؛ فليست ثمّة ذات مفردة معطاة وحدها، بل كلّ ذات تفترض بطبيعتها الغيرَ الذي تساكنه وتوجد معه، وهذا الغير يستولي على وجود الذات بما يفرضه عليها من أحوال وأوضاع ؛ وينضوي تحتها «هيدجر» (ت. 1976) و«سارتر» (ت. 1980) و«ألبير كامو» (ت. 1960) و«سيمون دي بوفوار» ⁦(1908-1986)⁩ و«جورج باطاي» (ت. 1962). وكلتاهما تعترف بـ«كيركجورد» بوصفه الأب الروحي للوجودية بكلّ توجّهاتها. محمد غلاب، الوجودية المؤمنة والوجودية الملحدة، ص 10-13

أولا : هل الطبيعة التي يتّصف بها وجود الأشياء تشبه طبيعة وجود الإنسان ؟

للرّدّ على هذا التساؤل يجب التصريح بأنّ الوجود وجودان: وجودٌ في ذاته ووجودٌ لذاته. وقد سبق إلى هذا التمييز «كيركجورد» بقوله: الوجود وجودان، وجودُ ذات ووجودُ موضوع ؛ وصاغه «سارتر» على أسلوبه.

  1. الوجود في ذاته : وهو يمثّل عالم الأشياء ؛ وهذه الأشياء ظواهر خارجية قابلة للدراسة العلمية، تخضع للتجربة ويفهمها العقل، وهي موضوعات ثابتة ولادينامية لأنّها تستجيب لنظام مطّرد من قوانين الكون.
  2. الوجود لذاته : وليس المقصود به وجود العالم الموضوعي وما يستدعيه من البحث في الوجود بما هو وجود، ولا البحث في الأشياء باعتبارها ظواهر علمية ؛ وإنّما المقصود به الوجود الإنساني الذي يشعر به كلّ واحد منّا في عالمه الداخلي ويحياه بكلّ جوارحه. ومن مميّزاته أنّه ليس وضعا نهائيا ولا ساكنا، وإنّما هو تجاوزٌ مستمرّ لما هو عليه كلّ واحد منّا.
سارتر — الإنسان ليس ذاته البتّة

«إنّ الإنسان هو قبل ذاته أو بعدها، ولكنّه ليس ذاته البتّة.» ويقول أيضا: إنّ الأشجار والأحجار هي بمجرّد كائنات، وأنّ الإنسان في هذا العالم هو وحده الذي يوجَد «لذاته»، أي يمتلك وِجدانا. ⁦J.P.Sartre, L′être et le néant, p 38⁩

وعليه فإنّ الوجوديين يرون أنّ الوجود بهذا المعنى هو المشكلة الأساسية الأولى في الفلسفة ومَلْهم كتاباتهم الأدبية والفكرية ؛ وأنّ الفلسفة ذاتها لَتخطئ خطأً جسيما عندما تمنح الأولوية للفكر المجرّد أو لشرح العالم وتعليله. وتطلّعا إلى الشعور بالطمأنينة والسكينة، أعرض الإنسان عن التأمّل المجرّد والبحث في العالم الخارجي ليتّجه نحو التفكير في ذاته وتبطّنها.

ثالثا : وهل المعرفة الحقيقية تأتي من عالم الأشياء أو من العالم الداخلي للإنسان ؟

وهل الأداة التي أُدرك بها الأشياء هي نفسها التي أعرف بها ذاتي ؟ أين المعرفة الصحيحة: أهي التي تنبع من أعماقي أم التي تجيئني من عالم الأشياء ؟ أهي التي تجعلني أحيا الوجود أم التي تجعلني أسعى إلى مجرّد التفكير فيه ؟ فالسؤال هنا ليس عن درجة اليقين، بل عن الأداة: أيّ آلة تناسب أيّ موضوع.

1 ـ الشعور أو الحدس هو الوسيلة المناسبة

وإذا كان العقل لا يستطيع أن يتقدّم في هذا السبيل لينبّئنا عن شيء أو ليقرّر أمرا، فلا مناص من استعمال الشعور ؛ فهو وحده الذي يُعتمد عليه في تبليغنا أشياء كثيرا ما نفتقدها بين المجالات الوجدانية، وهو قادر على الاستمرار حيثما تنقطع سلسلة الاستدلالات العقلية والمقارنة الفلسفية الخالصة. وإذا كان العقلانيون يقدّسون العقل ويضعونه فوق كلّ اعتبار، فإنّ الوجوديين يضعون الوجود وما يستدعيه من شعور باطني وانفعالي فوق كلّ حقيقة. ولقد جعل «سارتر» من الشعور الباطني نقطةَ البدء الأولى لكلّ فنّ ولكلّ أدب ولكلّ فلسفة، حتّى إنّ التفلسف صار ينبع عنده من داخل الشعور ومن صميم الوجدان.

كيركجورد — لا حقيقة إلاّ ما يُحيا

«إنّ النتائج التي تنتهي إليها المِحنة هي وحدها الخليقة بالإيمان، هي وحدها المقنعة.» فلا حقيقة عند الفرد إلاّ ما يحياه وينفعل له ؛ ولهذا كانت كلّ حقيقة عنده انفعالية. Kierkegaard, Crainte et tremblement, p 165

2 ـ الشعور يتّجه دائما إلى العالم الخارجي ولا يرضى الانطواء على نفسه

وهنا تُدفَع تهمةٌ كثيرا ما تُوجَّه إلى هذا المذهب: أنّ الرجوع إلى الذات انغلاقٌ عن العالم. فالأنا المدرِك عند «هُسِّرل» — صاحب الفلسفة الظواهرية الذي يرجع إليه الفضل في وضع الأرضية التي أقامت عليها الوجودية حركتها — يستلزم بالضرورة قصدا معيّنا، أي اتّجاها نحو موضوع مدرَك ؛ لأنّ الوجدان عنده دائما وجدانُ شيء. ويؤكّد «سارتر» في هذه النقطة أنّ العالم يكون، قبل تدخّل الوجدان الذي يعرفه، خليطا لامعقولا ؛ وهذا الشعور باللامعقولية هو الذي يجلب «الغثيان» — وقد سمّى إحدى رواياته بهذا الاسم.

سارتر — العالَم يتنوّع بتنوّع من ينظر إليه

«إنّ علاقتي بالعالم هي التي صيّرته بالنسبة إليّ ذا دلالة، إذ إنّه صار قابلا للمعقولية، وهو يتكوّن من ظواهر هي التي تؤلّف الموجودات الحقيقية.» ومعنى هذا أنّ العالم «الفي ذاته» لا يسير إلى الوجود إلاّ بواسطة الإدراك الذي لدينا عنه ؛ فالعالم يتنوّع بتنوّع الأفراد والشعوب والعصور. وقد سجّلت السيكولوجيا التقليدية أنّ الرسّام وعالِم طبقات الأرض والمهندس والراعي يرون في المشهد الطبيعي الواحد أشياءَ مختلفة، ولكنّ الفلاسفة لم يعرفوا كيف يستخلصون النتيجة المرادة من هذا. محمد غلاب، الوجودية المؤمنة والوجودية الملحدة، ص 56

3 ـ الغرض من هذا

كيركجورد — حقيقةٌ بالنسبة إليّ أنا

جعل الوجودَ الذاتي في علاقته مع العالم أصلا لكلّ بحث ولكلّ فلسفة، مقابلَ تصوّر «هيجل» الذي كان ينظر إلى الفصل بين العقل والوجود، بين الإنسان والعالم، على أنّه شيء طبيعي ومعقول جدّا. قال في يومياته سنة 1835: كان شغلي الشاغل أن «أجد حقيقةً، ولكنْ بالنسبة إلى نفسي أنا ؛ وأن أجد الفكرة التي من أجلها أريد أن أحيا وأموت». وهذا الشغل يفترض الاختيار والتغيّر والانفراد والذاتية، وهو الهمُّ المتّصل.

إذا كانت الحقيقة «حقيقتي أنا»، أفلا تصير الفلسفة مجرّد مشاعر شخصية ؟

الاعتراض وجيه، وجوابه في قصدية الشعور. فالوجودية لا تقول إنّ الحقيقة انفعالٌ مغلق على صاحبه، بل تقول إنّ الوجدان دائما وجدانُ شيء: أنا لا أشعر في الفراغ، وإنّما أشعر بالعالم وبالغير وبموتي. فالذات هنا ليست غرفة مغلقة، وإنّما هي علاقة بالعالم — وهذه العلاقة هي التي تجعل العالم ذا دلالة. والفرق الذي تصرّ عليه ليس بين الصادق والكاذب، بل بين موضوعٍ يُفكَّر فيه ووجودٍ يُحيا: فالعقل أداة رُزقنا بها لمعرفة الأشياء، ولا يصلح لمعرفة ما نكون نحن ؛ وطلب الدليل العقلي على معنى حياتي كطلب البرهان التجريبي من المتصوّف — خطأٌ في اختيار الميزان. ويبقى على هذا المذهب أن يجيب عن ثمن موقفه: إذا كان كلّ واحد يحيا حقيقته، فكيف نتفاهم ؟ وهو سؤالٌ يقود إلى مسألة الغير والقلق.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة تحليل نصّ لأحد أعلامه، أو مقالة مقارنة: «قارن بين الوجود في ذاته والوجود لذاته» أو «هل الحقيقة عقلية أم انفعالية ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① التمييز الأساسي في سطرين (الوجود في ذاته: عالم الأشياء الثابت الذي يفهمه العقل · الوجود لذاته: الوجود الإنساني المعيش الذي هو تجاوز مستمرّ) ؛ ② ثلاث أطروحات مسندة (سارتر: الإنسان ليس ذاته البتّة · كيركجورد: لا حقيقة إلاّ ما يُحيا وينفعل له · هُسِّرل: الوجدان دائما وجدانُ شيء) ؛ ③ سياق النشأة في جملة: أصداء الأوضاع اللاإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : تقديم الوجودية على أنّها دعوة إلى الانطواء والانفصال عن العالم ؛ وهي على العكس تقوم على قصدية الشعور — الوجدان لا يكون إلاّ وجدانَ شيء. ⚠️ وخطأ ثانٍ : خلط الاتّجاهين ونسبة موقف المؤمنين إلى الملحدين أو العكس ؛ فسمِّ صاحب كلّ موقف، واذكر أنّ كيركجورد أبٌ روحي للاتّجاهين معا.
نتيجة — يقوم المذهب الوجودي على تمييز حاسم: الوجود وجودان. وجودٌ في ذاته هو عالم الأشياء، ثابتٌ لادينامي يستجيب لنظام مطّرد من قوانين الكون، ويفهمه العقل وتدرسه التجربة ؛ ووجودٌ لذاته هو الوجود الإنساني الذي يشعر به كلّ واحد منّا في عالمه الداخلي ويحياه بكلّ جوارحه، وليس وضعا نهائيا ولا ساكنا بل تجاوزٌ مستمرّ لما هو عليه. وينبني على هذا التمييز تمييزٌ ثانٍ في أداة المعرفة: فالعقل رُزقناه لمعرفة الأشياء، أمّا معرفة الذات فتتمّ مباشرةً بالشعور والحدس ؛ ولهذا وضع الوجوديون الوجودَ وما يستدعيه من شعور فوق كلّ حقيقة، فلا حقيقة عند الفرد إلاّ ما يحياه وينفعل له. وليس هذا انغلاقا على الذات، لأنّ الوجدان دائما وجدانُ شيء: فالعالَم إنّما يصير ذا دلالة بعلاقتي به، ويتنوّع بتنوّع الأفراد والشعوب والعصور. ⟸ فإذا كانت هذه حقيقة الذات، فعلى أيّ مسلَّمة تقوم — وما ثمن أن يكون الإنسان هو الذي يصنع ماهيته ؟

Page 1/7

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net