Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثالثة: في المذاهب الفلسفية في المذهب البرغماتي والمذهب الوجودي

الوجودية مسلماتها

🔊 The teacher reads for you
ازرع بذرة برتقال فستعطيك شجرة برتقال: لا تينا ولا تفّاحا. ماهيتُها مرسومةٌ قبل أن توجد، وليس لها من أمرها شيء سوى أن تستجيب لحتميتها. أمّا أنت فقد وُلدتَ ولم يُكتب عليك أن تكون هذا الشخص بعينه: فأنت اليوم تلميذ، وهذا ليس نهاية ؛ وأنت شابّ، والشباب لا يدوم. فإن لم تكن ماهيتك مرسومة قبلك، فمن يرسمها ؟ وإذا كان الجواب «أنت»، فكم يكلّفك أن تكون أنت الرسّام ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • صياغة المسلَّمة الكبرى للوجودية — الوجود سابق للماهية — وبيان لماذا لا تنطبق على الأشياء
  • عرض مآخذ الوجودية على الفلسفات التقليدية في أربع نقاط
  • الاستدلال على أنّ الحرية اختيار، وأنّ الاختيار نبذٌ ومخاطرة، وأنّ المخاطرة تولّد القلق
  • تفسير موقف الوجودية من الموت ومن الغير، والتمييز بين مآل الاتّجاه الملحد ومآل الاتّجاه المؤمن
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • التمييز بين الوجود في ذاته والوجود لذاته، وأنّ المعرفة الحقيقية عند الوجوديين تأتي من الشعور
  • معنى الماهية والوجود، ومعنى الإمكان والواقع
  • مسلَّمات المذهب البراغماتي، للمقارنة بين نسقين
أليس بإمكان الإنسان التمرّد على نظام الأشياء ؟ وهل أنا مشروع أم موضوع، أي هل ما سأكونه سابقٌ لوجودي أم العكس ؟ هل أنا أقرّر مصيري أم أنّ مصيري يتقرّر قبل أن أوجَد ؟ ثمّ هل يُرتجى من كون الإنسان إنسانا — أي من كونه مشروعا ووجودا متراميا — الحصولُ على السعادة، أم على العكس الارتماءُ في يمّ المخاطرة وما يترتّب عنها من قلق وشؤم ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهينا إلى أنّ وجود الإنسان ليس من جنس وجود الأشياء، وأنّ الحقيقة عنده حقيقةُ ذاتٍ تُحيا لا موضوعٍ يُفكَّر فيه. غير أنّ هذا كلّه يبقى وصفا ما لم نبلغ المنطلق الذي يقوم عليه المذهب كلّه ويولّد بقيّة أطروحاته. فما المسلَّمة التي إذا سلّمنا بها لزم عنها الباقي ؟ وهل هي مسلَّمة مجّانية، أم يدفع صاحبها ثمنها ؟ والسؤال الثاني ليس أقلّ أهمّية من الأوّل: فإذا كان الإنسان هو الذي يصنع ماهيته، فهل يعود عليه ذلك بالسعادة، أم أنّ هذه الحرية نفسها هي مصدر قلقه ؟ فلننظر في المسلَّمة أوّلا، ثمّ فيما يترتّب عليها.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

من حوار بين أستاذ (أ) وطالب (ط)

ـ (أ) : ألا تختلف عنها من حيث إنّك لستَ بمجرّد جسم ؛ إنّك تدرك بأنّك أكثر من جسم ؛ ـ (ط) : هذا صحيح ؛ ولكن، هل يعني هذا أنّني لستُ بمجرّد شيء ؟ ـ (أ) : إنّك متمرّد بطبعك عن النظام الثابت الذي يحكم عالم الأشياء ؛ لأنّك كائن فاعل تصنع ما تريد ؛ ـ (ط) : فأنا إذن أقرّر مصيري ؛ ـ (أ) : وفي هذا التقرير تثبت بأنّك لستَ شيئا ؛ ـ (ط) : وإذا كنتُ مغايرا للأشياء، فما عساني أن أكون ؟

التعقيب على الوضعية المشكلة

  1. وجودٌ يتولّى قراراته بنفسه : فوجود الأشياء يسير آليا مع نظام ثابت، ووجود الذات يسير بكلّ وعي ويتولّى قراراته بنفسه. والفرق ليس في درجة التعقيد، بل في طبيعة الوجود.
  2. التمرّد دليلٌ لا دعوى : فالحوار لا يطالب الإنسان بأن يتمرّد، وإنّما يستنتج من كونه يقرّر مصيره أنّه ليس شيئا ؛ فالتمرّد على نظام الأشياء برهانٌ على مغايرته لها، لا شعارٌ يرفعه.
  3. وسؤالٌ يفتح الباب : «وإذا كنتُ مغايرا للأشياء، فما عساني أن أكون ؟» — وهذا هو مدخل المسلَّمة: إن لم أكن شيئا معطًى، فأنا مشروعٌ لم يتمّ بعد.

ثانيا : أليس بإمكان الإنسان التمرّد على نظام الأشياء ؟

1 ـ التمرّد على القول بأنّ الماهية سابقة للوجود

من المعروف أنّ الوجودية تُعتبر ثورةً عنيفة ضدّ الفلسفات التقليدية، وخاصّة منها الحركة العقلية والمثالية التي بدأت في عهد «ديكارت» وانتهت عند «هيجل». وليست هذه الثورة على الأسماء، وإنّما على أربعة مآخذ محدّدة.

  1. افتقدت الإنسان الواقعي المشخَّص : فإذا عرضت له اهتمّت به كمفهوم فارغ من كلّ تعيين ؛ وظهرت صيغها في هذا الصدد صيغا عقلية جوفاء لا تربطها بدنيا الواقع رابطة، وكأنّها تدعو إلى صبّ جميع الناس في قوالب معيّنة تذوب فيها العواطف والاعتقادات وأساليب الحياة ومناهج التفكير — قوالبَ تنحصر في معنًى مجرّد وكلّي صالح لكلّ الأزمان.
  2. أضرّت بفهم حقيقته التي تتمثّل في حضور الشعور ودوامه : فأبغض شيء إلى الفلسفة والأدب البعدُ عن دائرة الوجود الحقّ، وجودِ الذات ؛ ولا يمكن أن يتساوى عندهما وجود الإنسان الفرد ووجود الأشياء. ومن هنا تنفر الوجودية من العلم وتتّهمه بالتعميم والتشييء، وتستعيض عنه بالأسلوب الأدبي.
  3. جعلت الأشياء الخارجية مستقلّة عن الذات العارفة : واعتبرتها مصدر الحقيقة، كما هو واضح لدى الواقعيين والوضعيين بوجه أخصّ.
  4. نظرت إلى الوجود باعتباره لاحقا للماهية لا سابقا لها : وفاتها أنّ هذه القاعدة تنطبق على الأشياء لا على الإنسان ؛ فبذرة البرتقال لا تعطينا تينا ولا تفّاحا، فهي لا حول لها ولا قوّة سوى أن تستجيب لحتميتها وهي أن تكون شجرة للبرتقال. أمّا الإنسان فهو وجودٌ يتولّى تحديد ماهيته بنفسه.
كيركجورد

الإنسان في الحقيقة فردٌ فريد لا يمكن تكراره، ولا يوضَع تحت معنًى أعمّ ؛ فمن وضعه تحت معنًى أعمّ فقد حصره في معنًى مجرّد، وأضاع منه ما كان يريد أن يفهمه: هذا الشخص بعينه.

2 ـ إثبات القول بأنّ الوجود سابق للماهية

ومن هنا نفهم لماذا انتقلت الفلسفة من دراسة الوجود المجرّد إلى دراسة الإنسان المشخَّص في وجوده الحسّي وفي مواقفه الواقعية التي تربطه بزمانه ومكانه وظروفه وأحواله ؛ ولماذا يجب أن يبحث الفيلسوف عن المعرفة الصحيحة في أعماق نفسه. ومعنى المسلَّمة أنّ وجودي يقوم في بداية الأمر بغير ماهية ؛ فأكون عند ولادتي ناقص الصورة، لأنّي الكائن الوحيد الذي يكمن وجوده في حرّيته، على عكس الحال مع سائر الكائنات. وحرّيتي في اختيار موقف دون آخر تجعل من المستحيل التنبّؤ باختياري مقدَّما ؛ ومن ثمّة أبقى الكائن الوحيد الذي يحدّد ماهيته. ولهذا لا تتمّ الماهية إلاّ عند نهاية الحياة: فلا يمكن القول عنّي إنّي تلميذ أو شابّ، لأنّ التلمذة ليست نهاية والشباب لا يدوم ؛ فماهية الكائن هي ما يحقّقه فعلا عن طريق وجوده.

سارتر — الكوجيتو مقلوبا

بدلا من أن نُثبت كوجيتو «ديكارت»: «أنا أفكّر، إذن أنا موجود»، يجب أن نقول: «أنا أفكّر، فأنا إذن كنتُ موجودا» ؛ أي الوجود أوّلا، والتفكير أو العمل ثانيا. فأنا لستُ هذا المحمول أو ذاك ؛ فلي أن أكون. ويقول كذلك: «سأكون عندما لا أكون» — أي سأكون ما سأكون قد أنجزته إلى حلول الموت.

وهنا ندرك لماذا كوني موجودا أهمُّ من كوني مفكّرا أو حسّاسا أو ضاحكا: إنّي كائنٌ يفعل ويتمثّل فيما يفعل، فأنا ما أفعله. ولكي أحدّد ماهيتي وجب أن أختار، ولكي أختار وجب أن أكون موجودا ؛ ولأنّي متمرّد على طبيعة الأشياء، ولأنّني مشروعٌ لا موضوع، فأنا لا أتوقّف عن الاختيار ولا عن تحمّل المسؤولية بكلّ أبعادها. ولذلك يحذّر الوجوديون من التعريف الجامع المانع للإنسان، لأنّ كلّ إنسان هو ما ينتهي إلى صناعته ؛ فتعريفه يستمرّ ناقصا غير مكتمل قبل نهاية حياته. والقول بأنّ الإنسان هو ثلاث نقاط، أو أنّه علامة استفهام، لَتعريفٌ يعوّض نقصَه المحمولُ عند انتهاء الحياة.

رابعا : أسعادةٌ تُرتجى أم قلقٌ يُحتمل ؟

1 ـ الحرية والمخاطرة والقلق

إنّ الإنسان حرٌّ مختار، وفي اختياره يقرّر نقصانه، لأنّه لا يملك تحقيق الممكنات كلّها ؛ فهو يسعى بين الإمكان — وهو الوجود الماهوي — وبين الواقع — وهو الوجود في العالم ؛ وذاته تعلو على نفسها بأن تنتقل من الممكن إلى الواقع فتحقّق ما تقرّر تحقيقه. وفي هذا التحقيق تخاطرٌ، لأنّها معرّضة للنجاح والإخفاق. ومن الشعور بالمخاطرة ينتابه القلق ؛ لأنّه على وعي بأنّ تشكيل ماهيته بين يديه، وفي تشكيلها يتحمّل المسؤولية لا عن اختياره كوجود فحسب، وإنّما عن مصائر جميع الناس ؛ ويتمّ ذلك على الرغم من أنّ اختياره لا يقترن برؤية ولا يكون مسبوقا بتدبير عقلي أو تحديد لغاية أو معرفة لبواعث — ممّا يفضي به لا محالة إلى الضيق والقلق والحيرة. فالاختيار معناه نبذُ إمكانات أخرى موضوعة أمامه، وهذا النبذ هو المخاطرة بعينها.

كيركجورد — الاختيار والقلق

إنّ الاختيار يجرّ إلى الخطيئة وإلى المخاطرة ؛ والمخاطرة بطبعها تؤدّي إلى القلق واليأس. عن عبد الرحمن بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية، فصل «كيركجورد»، ص 30-49

سارتر — منشأ القلق

ليس منشأ القلق عنده الأحاسيسَ والعواطف على نحو ما هو عند غيره من الوجوديين ؛ وإنّما منشؤه مجموعةُ نتائج اختيارنا للقواعد التي يسير عليها الإنسان في سلوكه، دون أن يستطيع الحكم على قيمتها — وهي قيمةٌ تنشأ هي ذاتها من هذا الاختيار نفسه. وأصل هذا القلق شعورُ الفرد، في أثناء فعله الحرّ، بالخطيئة الناشئة بالضرورة عن الاختيار، لأنّ الاختيار نبذٌ للممكنات. والحرية اختيار مطلق، والاختيار ينطوي على النبذ، ممّا يسمح للعدم بولوج الوجود ؛ ولهذا كان في الوجود هوّةٌ وثغرة لا يمكن ملؤها أبدا.

2 ـ الموت وتناقض الوجود

أمّا اللحظات العليا للوجود فهي تلك التي يكون فيها الوجود مهدَّدا في كيانه الأصيل: إنّها وجود الموت ؛ لأنّه إذا كان لا بدّ من الموت، فماذا يبقى للحياة من معنى ؟ ولهذا التساؤل وقعٌ شديد الألم لدى الوجوديين الملحدين بوجه أخصّ. أمّا الوجوديون المؤمنون فالإنسان عندهم معلّق في كلّ لحظة بالأمر الإلهي الذي يحتفظ به في الوجود ؛ إلاّ أنّه يعيش هو الآخر القلق الذي يزيد زيادةً مطّردة بسبب شعوره الحادّ بالسير المتواصل نحو الموت. ويُضاف إلى ذلك تناقض الوجود نفسه: فالوجود في ذاته مَلْءٌ ثابت ليس فيه من الدينامية شيء، وسرُّ تناهيه دخولُ الزمان في تركيبه ؛ أمّا الوجود لذاته فيتّصف بالتغيّر وعدم التماسك، ويحمل عنصر الإعدام، ويمكن أن يهدم نفسه ليجعل من نفسه شيئا آخر. فهو نقطة التلاقي بين المتناهي واللامتناهي، بين الزمني والسرمدي: في فرديته المتناهية مغمورٌ في الزمان، وبوصفه حضورا في اللامتناهي إنّما يعود إلى المطلق. ومن هنا نخلص إلى أنّ وجود الأشياء لا يعيش الزمن ولا يدرك معنى الحرية ؛ أمّا الإنسان فهو وحده الذي يستطيع أن يحسّ بالحرية ويشعر بمدلولها وامتداداتها.

3 ـ تعدّد الوجدانات مصدرٌ للنزاعات

ويبقى ثمنٌ أخير: الغير. فالآخرون بالنسبة إليّ — كما يعبّر «سارتر» — ليسوا سوى موضوعات كالموضوعات الأخرى ؛ ولكنّي أعرف أنّهم ذوو وجدانات مثلي، وأنّهم يتمثّلون العالم في وجداناتهم حسب وجهات نظرهم، بل أنا نفسي متضمَّنٌ في هذا التمثّل بالنسبة إليهم كوسيلة أو كأداة. وبسبب هذا التعدّد للوجدانات حدثت تلك المنازعات. فعندما يقتحم أحد الآخرين تمثّلي للعالم، أشعر بأنّ العالم يفرّ منّي وأنّ عناصره تنتظم حول القادم الجديد ؛ ولا يكتفي هذا الآخر بأن يسرق العالم منّي، بل يريد أن يستخدمني أنا نفسي: إنّه يحاكمني وتكون له عنّي فكرةٌ حسب جسمي، أي حسب ما مضى، دون أن يكترث بمشروعاتي — أي بما أريد أن أكونه في المستقبل، وذلك الذي أريد أن أكونه هو وجودي الحقيقي. ومن هنا يكون جوهر العلاقة بين الوجدانات هو التنازع لا الترابط، لأنّ كلّ واحد يريد أن ينفّذ مشروعه بتحقيق كلّ إمكانياته، فيجحد من أجل ذلك جميع مشروعات الآخرين. وانحباسُ كلّ واحد منّا في وجوده الخاصّ يَحُول دون فهمنا للغير وفهم الغير إيّانا ؛ ومن هذا يتأتّى سوء التفاهم والأحكام الظالمة التي يتبادلها الجميع بلا انقطاع.

غابرييل مارسيل — الأمل

«لستُ بعيدا عن الإيمان بأنّ الأمل بالنسبة إلى النفس هو بمثابة التنفّس للكائنات الحيّة ؛ وعندما ينعدم الأمل تجفّ النفس وتُنهَك.» فالشعور بالقلق عامٌّ بين الوجوديين جميعا ؛ غير أنّه يذهب في الشعبة الملحدة إلى ما هو أبعد من معنى الحياة المأساوية فيقودها إلى اليأس، بينما اليأس عند الوجوديين المؤمنين ليس سوى فتنة عابرة، والأمل هو الذي يصنع أساس الحياة. عن محمد غلاب، الوجودية المؤمنة والوجودية الملحدة، ص 36

وباختصار، إنّ مغايرة الإنسان للأشياء تجعله كائنا يتمرّد على نواميس هذه الأشياء: لأنّ وجوده البشري سابق لماهيته ؛ ولأنّه الموجود الوحيد الذي يعيش وجوده من أعماقه وبكلّ كيانه ؛ ولأنّه أخيرا — وبوعيه هذا، وعلى الرغم من حرّية اختيار أفعاله — يشعر بضعفه أمام فهم الآخرين، وبقصوره عن تحقيق كلّ رغباته الممكنة، وبعجزه عن تجنّب المخاطرة ورفض الموت. إنّ الإنسان من حيث أراد أن يتّجه إلى معرفة ذاته باعتبارها حقيقة الحقائق، فلَت منه فهمُ العالم الخارجي، ووجد نفسه أمام عقبات نفسية ومعرفية أنهكت كاهله وضيّقت عنه سبل السعادة والسكينة.

خاتمة : حل المشكلة

إنّ النسقية التي يقوم عليها كلٌّ من المذهب البراغماتي والمذهب الوجودي تخلع على كليهما صدقَ منطقه الداخلي، وتحصّن تماسكه من اضطرابات التدخّل النقدي التعسّفي. ومع ذلك، فإنّ من يأخذ بهذا وذاك لا يرتكب بالضرورة ما نسمّيه «جريمةً منطقية»، إن هو أدرك خصوصيات كلّ واحد منهما وعرف كيف يستثمرهما. فقد نأخذ بهما متفرّقين كنسقين وُضعا خدمةً لمقاصد معيّنة: فاستئناسي بالفلسفة العملية بغرض استثمارها في حياتي اليومية لا يمنعني في وقت آخر من الاستئناس بفلسفة ترجعني إلى باطني لأعيش ما يخالجه من حالات نفسية وأختبر مدى تمكّني من إثبات ذاتي وحرّيتي. فليس الإنسان إمّا هذا أو ذاك ؛ وقد يأخذهما معا من أجل التوفيق بينهما مع الحفاظ على رسوم كلّ واحد منهما — كما يصنع مفكّرو الإسلام بشأن الوحي والعقل، وخاصّة منهم «ابن رشد» — أو من أجل التركيب بينهما كما يصنع أهل المنطق الجدلي، حيث يتمّ تجاوز الثنائية المطروحة نحو توجّه جديد. فإذا كانت أمامي فواكه مختلفة في أشكالها وأنواعها وخُيّرتُ في طريقة تناولها، فإنّ الاحتمالات تكون تابعة لذوقي وللظروف المحيطة بي: أن أتناول كلّ فاكهة على حدة، أو بعضها عصيرا وبعضها فاكهة، أو خليطا منها.

إذا كانت الحرية تولّد القلق، أفلا يكون التخلّي عنها أروح للإنسان ؟

لا سبيل إلى ذلك في هذا النسق، وهنا تظهر صرامته. فالقلق ليس أثرا جانبيا يمكن تفاديه بالحيطة، وإنّما هو الوجه الآخر للمسلَّمة نفسها: إن كان الوجود سابقا للماهية، فأنا لم أُعطَ ماهيةً أستريح إليها ؛ وإن لم تكن لي ماهية معطاة، فلا مفرّ من الاختيار ؛ وكلّ اختيار نبذٌ لممكنات أخرى، والنبذ مخاطرة، والمخاطرة قلق. فمن أراد أن يتخلّص من القلق فعليه أن يتخلّص من الحرية، ومن تخلّص من الحرية صار شيئا بين الأشياء — وذاك بالضبط ما ينفيه المذهب عن الإنسان. ولذلك لا يقدّم الوجوديون علاجا للقلق بقدر ما يقدّمون له معنًى: هو ثمن أن يكون الإنسان مشروعا لا موضوعا. وهنا يفترق الاتّجاهان: تقف الشعبة الملحدة عند اليأس، ويرى المؤمنون منهم أنّ اليأس فتنة عابرة وأنّ الأمل للنفس كالتنفّس للكائن الحيّ.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية أو استقصائية: «هل الوجود سابق للماهية ؟» أو «هل الحرية مصدر سعادة أم مصدر قلق ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① المسلَّمة بمثالها المضادّ (بذرة البرتقال لا تعطي إلاّ برتقالا: الماهية سابقة عند الأشياء، لاحقة عند الإنسان) ؛ ② سلسلة الاستدلال كاملةً وبترتيبها — لا ماهية معطاة، إذن اختيار ؛ والاختيار نبذٌ للممكنات، إذن مخاطرة ؛ والمخاطرة قلق ومسؤولية ؛ ③ صياغتان مسندتان لسارتر تُحفَظان كما هما: «أنا أفكّر، فأنا إذن كنتُ موجودا» و«سأكون عندما لا أكون». ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الاكتفاء بشعار «الوجود سابق للماهية» دون بيان ما يترتّب عليه ؛ فالسؤال يقيس قدرتك على استخراج اللوازم، لا على حفظ العبارة. ⚠️ وخطأ ثانٍ : تصوير الوجودية على أنّها دعوة إلى العبث والفوضى ؛ فهي على العكس تحمّل الفرد مسؤولية عن مصائر جميع الناس — وهذا هو أصل قلقه.
نتيجة — تقوم الوجودية على مسلَّمة واحدة تولّد سائر أطروحاتها: الوجود سابق للماهية. وهي مسلَّمة انتُزعت من ثورة على الفلسفات التقليدية التي افتقدت الإنسان المشخَّص، وأضرّت بفهم شعوره، وجعلت الأشياء الخارجية مصدر الحقيقة، ونظرت إلى الوجود باعتباره لاحقا للماهية — وهي قاعدة تصدق على بذرة البرتقال لا على الإنسان. فالإنسان يولد ناقص الصورة، ويكون ما يفعله، ولا تتمّ ماهيته إلاّ عند نهاية حياته. ويترتّب على ذلك ثمنٌ لا فكاك منه: لأنّي حرّ وجب أن أختار، ولأنّ الاختيار نبذٌ للممكنات كان مخاطرة، ومن المخاطرة ينشأ القلق وتحمّل المسؤولية عن مصائر جميع الناس ؛ ويشتدّ القلق أمام الموت وأمام تناقض وجودٍ يقف بين المتناهي واللامتناهي، وأمام الغير الذي يحاكمني بما مضى من أمري لا بما أريد أن أكونه. وهنا يفترق الاتّجاهان: يأسٌ عند الملحدين، وأملٌ عند المؤمنين. ومع ذلك يبقى النسقان — البراغماتي والوجودي — قابلين للاستثمار معا: فليس الإنسان إمّا هذا أو ذاك، ما دام يدرك خصوصيات كلّ واحد منهما ويعرف متى يأخذ بأيّهما.

Page 1/7

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net