الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس › الحرية والمسؤولية
المسؤولية بين الحرية و الحتمية
- بيان لماذا لا يمكن البرهان على الحرية كشرط للمسؤولية ولا على نفيها، وما يترتّب على ذلك
- تحليل الاحتمالين: الإنسان مسؤول لأنّه حرّ، أو حرّ لأنّه مسؤول
- التمييز بين العلّية العلمية والعلّية الفلسفية في تقدير المسؤولية
- تحديد الشرطين اللذين يرفعان المسؤولية، وموقع النية والإرادة منهما
- مواقف مناصري الحرية ونفاتها، وموقف التحرّر
- نوعا المسؤولية: الأخلاقية والاجتماعية
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
تجد مقدّمة هذه المشكلة، والوضعيّة المشكلة (حوار القاضي والسجين) وتحليلها، في درس ضبط المفاهيم، أوّل دروس محور «الحرية والمسؤولية».
اقرأ المقدّمة من جديدإخفاء المقدّمة
إنّ القراءة الأولية للقضية المطروحة تقودنا مباشرة إلى القول بأنّ المشكلة التي يجب معالجتها هي تلك التي تتعلّق بالمسؤولية، ما دامت مشروطة بالحرية ولا معنى لها في غيابها. ولكنّ الاختبار المتأنّي يجعلنا نتساءل، على العكس من ذلك، عمّا إذا لم يكن من الممكن اعتبار الشرط مشروطا بدوره، فنقع في مسألة: أيّهما يُعتبر المبدأ، المسؤولية أم الحرية ؟ إنّ المنطق السليم يوحي لنا، بادئ ذي بدء، بأنّ المسؤولية تثبت بثبوت شرطها وتُرفع برفعه ؛ ولكن، ألا يمكن مع ذلك إثبات المسؤولية كقاعدة أولى، ثمّ الانصراف إلى تبرير وجودها عن طريق الحرية ؟ فالمشكلة في الحقيقة مزدوجة: تدعونا تارة إلى الانطلاق من الحرية كشرط لتأسيس المسؤولية، وتارة أخرى إلى اعتبار المسؤولية شرطا يبرّر وجود الحرية ويستوجبه. وللوصول إلى نتائج مقنعة نحاول الردّ على الأسئلة الثلاثة الآتية: كيف يمكن اختزال المشكلة في الشرط لا في المشروط ؟ وكيف يمكن ردّ حقيقة المشكلة إلى المشروط لا إلى الشرط ؟ ألا يتمثّل مصدر المشكلة وحلّها في عظمة الإنسان ؟
تحديد الوضعية المشكلة عرضا وتحليلا
في نهاية محاكمة، وقع خلاف بين قاضي الجلسة وسجين: ـ (ق) : لقد طُلب منك أن توقّع على التقرير، فلماذا لم تفعل ؟ ـ (س) : (لا جواب…) ؛ ـ (ق) : يجب أن توقّع ! ـ (س) : لست في حالة تسمح لي بتلبية الطلب، ولا في حالة عدم تلبيته ؛ ـ (ق) : ما هذه السخافة ؟ ـ (س) : فكيف أوقّع ويداي مغلولتان ؟ ـ (ق) : (بعد أن أمر الحارس بفكّ يديه، أعاد القاضي الطلب) ننتظر ؛ ـ (س) : الآن، وفي هذه الحالة، بإمكاني أن أضع توقيعي أو أرفض ؛ ـ (ق) : ليس بإمكانك أن ترفض ؛ ولماذا ترفض ؟ ـ (س) : أنا حرّ في اختياري ؛ أمّا لماذا، فأنا صاحب القرار ؛ أرفض من أجل أن أرفض ؛ ـ (ق) : وتعتقد بأنّك، والحالة هاته، حرّ ؟ ما هي مبرّراتك ؟ ـ (س) : (متهكّما) أنا مسؤول عن مواقفي ؛ ـ (ق) : ألا تعلم بأنّ المسؤولية تفترض الحرية، ولقد أقررتَ بأنّك حرّ ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : ولكنّك كائن مكلَّف أصلا، خُلقت لتتحمّل المسؤولية أوّلا، ولتكون بعد ذلك وبالضرورة حرّا ؛ ـ (س) : أنا أوّلا أشعر بحرّية اختياري، ولي في مواقفي مبرّرات ؛ ـ (ق) : إذن، ليست حرّيتك مطلقة، لأنّها مقيّدة بأسباب ومؤثّرات، ولأنّك لا تستطيع الانفلات في قراراتك عن نظام الكون ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : يجب أن تقول إذن: أنا مسؤول (واعٍ بقراراتي، وبأنّي جزء من الكون، وفرد يحترم الآخرين)، فأنا إذن حرّ ؛ ـ (س) : هل أفهم من هذا أنّ الحرية المطلقة لا معنى لها في عالمنا، وأنّنا كائنات تنفرد بالمسؤولية ؟ ـ (ق) : إنّك دائما مسؤول ؛ عظمة الإنسان وكرامته في هذه الخاصية ؛ فلو كنتَ مخيَّرا ـ للتعبير عن هذه العظمة الإنسانية ـ بين الحرية والمسؤولية، فما عساك أن تختار ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- لا مسؤولية بلا حرّية : السجين لا يمكن أن يصدر عنه فعل أو لافعل في حالة انعدام حرّيته ما دام مقيّدا: فكيف يوقّع تقريرا وهو مقيّد اليدين ؟ ولو بقي على هذه الحال فلم يلبِّ الأمر، ثمّ حاسبه القاضي، لكان مظلوما، لأنّه غير مسؤول ما دام شرط الحرية غير متوفّر.
- لا اختيار بلا مبرّرات : حتى إن فُكّت أغلاله، فلا يختار السجين التوقيع بالضرورة، لأنّه أمام احتمالين: التوقيع أو رفضه. وقد ثبت من خلال مناقشتهما أنّ أيّ إنسان لا يمكنه اتّخاذ موقف بالإيجاب أو بالسلب من غير مبرّرات تعلّله ؛ وعندئذ فقط يأخذ في تحمّل مسؤوليته.
- الشعور بالحرية تجاهلٌ للأسباب : الشعور بالحرية يملي على السجين الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، ولكنّه في النهاية ضرب من تجاهل الأسباب والمؤثّرات التي تحدّد الأفعال، لأنّه كائن تابع لنظام الكون ولا يستطيع الانفلات منه قطعا.
- الإنسان حيوان مسؤول : لا يمكن الحديث عن الحرية المطلقة بقدر ما يجب الحديث أوّلا، وقبل كلّ شيء، عن المسؤولية: فثمّة جوهر الإنسان وعظمته. ولو أردنا أن نعرّف الإنسان من زاوية عظمته لقلنا إنّه حيوان مسؤول ؛ وبذلك نحاول الإجابة عن السؤال الذي تركه القاضي معلّقا.
ومن هنا نلمس ضرورة طرح العلاقة بين المسؤولية والحرية من زوايا ثلاث: المنطق يدعو إلى الانطلاق من الشرط (الحرية)، ثمّ يدعونا إلى الانطلاق من المشروط (المسؤولية)، وأخيرا يدعونا إلى الاهتداء إلى أنّ الإنسان مصدر المسؤولية والحرية. وقبل الخوض في هذه الزوايا، لا بدّ من ضبط المفاهيم التي يدور عليها النقاش.
افتح الدرس: ضبط المفاهيموقد تبيّن من عرض المذاهب أنّه لا يمكن البرهان على أنّ الإنسان حرّ كشرط للمسؤولية، ولا على أنّه غير حرّ، ولا يُعقل التوسّط بينهما. وحتى على احتمال أنّ الإنسان حرّ، فكيف يمكن إثبات حرّيته لنُلحق به المسؤولية ؟ أمّا في حالة تقييد الحرية، فالأمر أمران: إمّا أن تُرفع المسؤولية لارتفاع شرطها، وإمّا أن تثبت لسبب أو لآخر، تبريرا لصفة التكليف الشرعي مثلا، أو لوجود الضوابط الردعية والقوانين. وهنا تتشابك التناقضات والمفارقات بشكل يحتّم القفز إلى تصوّر آخر للقضية: فكيف تقوم المسؤولية والشرط الذي يؤسّسها لم يتأكّد ؟ ومع ذلك تبقى المسؤولية قائمة، يتحمّلها الإنسان بوصفه إنسانا.
II – وكيف يمكن ردّ حقيقة المشكلة إلى المشروط لا إلى الشرط ؟ هل يُعقل الحديث عن شيء يتوقّف ثبوته أو نفيه على مجهول ؟
أولا : ماذا لو افترضنا أنّ الشرط ثابت مع أهل الحرية ؟
إذا ثبت الشرط فرضا، فالاحتمال احتمالان:
- الإنسان مسؤول لأنّه حرّ : وعندئذ يترتّب على القانون، عند الاقتضاء، الاقتصاص منه.
- الإنسان حرّ لأنّه مسؤول : يكون حرّا بسبب تكليفه ووجود مؤسّسات قانونية توحي بأنّه، بصفته إنسانا، مكلّف ومسؤول قبل أن يكون حرّا ؛ ولا يختلف الأمر في ذلك بين الصغير والكبير، ولا بين البالغ وغير البالغ: وإلاّ لماذا نهنّئ الطفل عند نجاحه الدراسي، أو نوبّخه بالزجر عند ارتكابه خطأ ؟ وكأنّ المسؤولية قضاء محتوم على الإنسان لا لشيء إلاّ لأنّه إنسان، وبأنّ له اعتقادا عميقا بحرّيته في الاختيار.
وفي هذه الحالة، ألا يمكننا القول بأنّ الحرية مشروطة بالمسؤولية، وأنّ الإنسان حرّ لأنّه مسؤول ؟
III – ألا يتمثّل مصدر المشكلة وحلّها في عظمة الإنسان ؟
ثانيا : عظمته بين ميزاني العلّية العلمية والعلّية الفلسفية
إنّ تقدير المسؤولية يدعونا إلى التمييز بين ميزانين:
- العلّية العلمية : مبدأ صالح لعالم الأشياء، يهتمّ بالعلاقة السببية التي تجمع العلّة بالمعلول، أو كما يعبّر عنها العلماء: العلاقات الثابتة بين الظواهر.
- العلّية الأخلاقية أو الفلسفية : مبدأ صالح لعالم البشر، يهتمّ بالإنسان من حيث هو مصدر الأفعال والعلّة الأولى لها ؛ فالأسباب والمسبّبات، مهما تسلسلت وتعاقب بعضها على بعض، تنتهي إلى السبب الأوّل، وهو في النهاية الإنسان باعتباره الكائن المسؤول الوحيد.
عندما يسرق السارق، فالعالِم يبحث عن الدوافع الموضوعية التي حاصرته ودفعته إلى السرقة. أمّا القاضي، أو رجل الأخلاق والقانون، فإنّه، مهما كانت التحقيقات دقيقة والتحرّيات موضوعية، يرجع دائما إلى من فعل الفعل: من سرق ؟
وهذا لا يعني أنّ المحكمة لا تأخذ بعين الاعتبار الظروف المخفّفة التي تمكّن القاضي من إنصاف المتّهم، لأنّ المسؤولية يرفعها شرطان، أو أحدهما: غياب حرّية الاختيار، وغياب التمييز بين الخير والشرّ في أثناء ارتكاب الخطأ أو التعدّي. ولكنّ العامل المزدوج الذي يُغيَّب في تأسيس المسؤولية هو النية والإرادة، وذلك لصعوبة معرفته معرفة موضوعية لدى أهل القضاء والقانون، وإن كان أهل الحكمة والأخلاق لا يتوقّفون عن الإشادة به.
كيف يكون الفعل الواحد محتوما عند العالِم، ومسؤولا عنه صاحبه عند القاضي ؟كيف يكون الفعل الواحد محتوما عند العالِم، ومسؤولا عنه صاحبه عند القاضي ؟
لأنّهما لا يزنان بالميزان نفسه. فالعالِم يستعمل العلّية العلمية الصالحة لعالم الأشياء: يبحث عن الدوافع الموضوعية التي حاصرت السارق، ويفسّر الفعل كما يفسّر ظاهرة بعلاقاتها الثابتة بغيرها. والقاضي يستعمل العلّية الفلسفية الصالحة لعالم البشر: يتتبّع سلسلة الأسباب حتى ينتهي إلى السبب الأوّل، وهو الإنسان الذي فعل. فتفسير الفعل بأسبابه لا يلغي نسبته إلى فاعله ؛ غير أنّ القاضي لا يتجاهل الأسباب، بل يدخلها في حكمه ظروفا مخفّفة، ولا يرفع المسؤولية إلاّ إذا غابت حرّية الاختيار أو غاب التمييز بين الخير والشرّ. وهكذا تقف المسؤولية بين الحتمية والحرية: الحتمية تفسّر الفعل، والإنسان، بوصفه العلّة الأولى، يُسأل عنه.
Page 1/4
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net