Langue arabe🎓 objectif bac

المحور 3 النزعة الإنسانية في الشعر المهجري

"أنا" (إيليا أبو ماضي)

🔊 La maîtresse lit pour toi

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

إيليا أبو ماضي شاعرٌ لبنانيّ، وُلد بقرية المُحَيْدِثة بلبنان سنة 1889 م، وزاول بها دراستَه الابتدائيّة. ثمّ هاجر إلى الإسكندريّة بمصر، فمكث بها عشر سنوات يبيع التّبغَ نهارا ويشتغل بمطالعة الأدب العربيّ ليلا، حتّى أحسّ برغبةٍ في نظم الشّعر فألّف ديوانَه «تذكار الماضي». ثمّ هاجر إلى أمريكا واستقرّ بنيويورك سنة 1916 م، وأسّس رفقةَ جبران خليل جبران «الرّابطة القلميّة» سنة 1920 م، وأنشأ مجلّة «السّمير» سنة 1929 م، وأصدر هناك ديوانَيْه «الجداول» و«الخمائل». وافاه أجلُه سنة 1957 م.

محطّاتٌ تُمسك بها سيرتَه:
  • 1889 — مولدُه بالمُحَيْدِثة (لبنان)، وبها تعلّمه الأوّل؛
  • الإسكندريّة، عشر سنوات — عملٌ بالنّهار، ومطالعةٌ للأدب العربيّ باللّيل: هنا تكوّن الشّاعر، لا في مدرسة؛ وثمرتُها ديوانُ «تذكار الماضي»؛
  • 1916 — الاستقرارُ في نيويورك بعد الهجرة إلى أمريكا؛
  • 1920 — تأسيسُ «الرّابطة القلميّة» مع جبران خليل جبران: من هنا تُقرأ مبادئُ هذا النّصّ، لا من خارجه؛ وفي 1929 أنشأ مجلّة «السّمير»؛
  • «الجداول» و«الخمائل» — ديوانَاه الأمريكيّان، ومنهما هذا النّصّ؛
  • 1957 — وفاتُه.
⭐ لماذا تُقرأ هذه السّيرة قبل النّصّ؟ لأنّ رجلا باع التّبغَ عشر سنوات ليقرأ الأدبَ ليلا، وهاجر مرّتين، وأسّس مع غيره مدرسةً أدبيّةً في المهجر — رجلٌ كهذا يكتب عن علاقة الإنسان بأخيه الإنسان لأنّه جرّبها، لا لأنّه قرأ عنها.

🚪تقديم النّصّ

بين أفراد المجتمع علاقاتٌ شتّى، يحكمها الوازعُ الإنسانيّ، ويُترجمها سلوكُ الأفراد حسب المواقف؛ والشّاعرُ أبو ماضي يدعونا عبر هذه الأبيات إلى وقفةٍ إنسانيّةٍ يحكمها الخيرُ والحقُّ والجمال.

فبأيّ ميزانٍ يزن الشّاعرُ النّاسَ إذًا؟ وكيف يريدنا أن نعامل الصّديقَ والمسيءَ والمُتَحَلِّيَ بالمظاهر، كلًّا بما يستحقّ؟ اقرأِ الأبياتَ باحثا عن جوابٍ عمليّ، لا عن شعارٍ.

📜النّصّ

«أنا» — إيليا أبو ماضي · 16 بيتا، رويّها الباء المكسورة
الرّقمالصّدرالعجز
1حُرٌّ ومَذْهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذْهَبيما كُنْتُ بِالغَاوي ولا المُتَعَصِّبِ
2إِنّي لأَغْضَبُ لِلْكَريمِ يَنوشُهُمَنْ دُونَهُ وأَلُومُ مَنْ لَمْ يَغْضَبِ
3وأُحِبُّ كُلَّ مُهَذَّبٍ ولو أنّهُخَصْمي وأَرْحَمُ كُلَّ غَيْرِ مُهَذَّبِ
4يَأْبى فُؤادي أَنْ يَميلَ إِلى الأَذىحُبُّ الأَذِيَّةِ مِنْ طِباعِ العَقْرَبِ
5لي أَنْ أَرُدَّ مَساءَةً بِمَساءَةٍلو أَنَّني أَرْضَى بِبَرْقٍ خُلَّبِ
6حَسْبُ المُسيءِ شُعُورُهُ ومَقالُهُفي سِرِّهِ: يا لَيْتَني لَمْ أُذْنِبِ
7أَنا لا تَغُشُّني الطَّيالِسُ والحُلىكَمْ في الطَّيالِسِ مِنْ سَقيمٍ أَجْرَبِ
8عَيْناكَ مِنْ أَثْوابِهِ في جَنَّةٍويَداكَ مِنْ أَخْلاقِهِ في سَبْسَبِ
9وإِذا بَصُرْتَ بِهِ بَصُرْتَ بِأَشْمَطٍوإِذا تُحَدِّثُهُ تَكَشَّفَ عَنْ صَبِي
10إِنّي إِذا نَزَلَ البَلاءُ بِصاحِبيدافَعْتُ عَنْهُ بِناجِذي وبِمِخْلَبي
11وشَدَدْتُ ساعِدَهُ الضَّعيفَ بِساعِديوسَتَرْتُ مَنْكِبَهُ العَرِيَّ بِمَنْكِبي
12وأَرى مَساوِئَهُ كَأَنّي لا أَرىوأَرى مَحاسِنَهُ وإِنْ لَمْ تُكْتَبِ
13وأَلُومُ نَفْسي قَبْلَهُ إِنْ أَخْطَأَتْوإِذا أَساءَ إِلَيَّ لَمْ أَتَعَتَّبِ
14مُتَقَرِّبٌ مِنْ صاحِبي فإِذا مَشَتْفي عِطْفِهِ الغَلْواءُ لَمْ أَتَقَرَّبِ
15أَنا مِنْ ضَميري ساكِنٌ في مَعْقِلٍأَنا مِنْ خِلالي سائِرٌ في مَوْكِبِ
16فإِذا رآني ذو الغَباوَةِ دُونَهُفكما تَرى في الماءِ ظِلَّ الكَوْكَبِ

إيليا أبو ماضي — ديوان الجداول

📖أثري رصيدي اللّغويّ

في معاني الألفاظ
اللّفظمعناه
يَنوشُهُيَبطِشُ به
خُلَّببَرْقٌ فيه سَحابٌ لا مطرَ فيه
طَيالِسجمعُ طَيْلَس، ويعادلُه طَيْلَسان: كِساءٌ أخضرُ يرتديه الخواصُّ من المشايخ والعلماء، وهو من لباس العجم
سَبْسَبمَفازة، الأرضُ البعيدةُ المستوية
أَشْمَطخالَطَ بياضُ رأسِه سوادَه — وفي النّصّ بمعنى: حكيمٌ مُجَرَّب
عِطْفُهجانِبُه
الغَلْواءالتَّكَبُّر
⚖️ انتبهْ إلى أَشْمَط: معناه في المعجم شيء، ومعناه في البيت 9 شيءٌ آخر. الشّاعر لا يصف شعرا أبيضَ، بل يصف الحكمةَ والتّجربة الّتي يوحي بها الشّيبُ — ثمّ يقلب الصّورة في العجز: «تَكَشَّفَ عَنْ صَبِي». المظهرُ شيخٌ، والجوهرُ طفل.
في الحقل المعجميّ — في أيّ مجالٍ معنويٍّ يمكن إدراجُ هذه الألفاظ؟
  • «حرّ»
  • «مهذّب»
  • «دافعت»
  • «شددتُ ساعده»
  • «متقرّب»
  • «ضميري»
  • «أرحم»
في أيّ مجالٍ معنويٍّ يمكن إدراجُ الألفاظ السّابقة؟

يمكن إدراجُها في مجال مبادئ الأخلاق الفاضلة.

والدّليلُ في اللّفظ نفسِه، لا في الذّوق:
  • «حرّ» (البيت 1) و«ضميري» (البيت 15) — قِيَمٌ داخليّة يقيسُ بها المرءُ نفسَه؛
  • «مهذّب» و«أرحم» (البيت 3) — معاملةُ الغير بالرّفق؛
  • «دافعت» و«شددتُ ساعده» (البيتان 10 و11) — النّصرةُ بالفعل، لا بالقول؛
  • «متقرّب» (البيت 14) — بناءُ الصّلة. ⟸ خمسةُ ألفاظٍ لا يجمعها إلّا بابُ الأخلاق.
ائتِ بأربعةِ ألفاظٍ يمكن إدراجُها في مجالٍ مضادٍّ له.
ألفاظٌ من المجال المضادّ — مجالِ الرَّذيلة
أربعةٌ تكفي:
  • أسير — ضدُّ «حرّ»؛
  • سيّئ الخلق — ضدُّ «مهذّب»؛
  • غَصَبْتُ — ضدُّ «دافعتُ»؛
  • خَذَلْتُ — ضدُّ «شددتُ ساعدَه».
⭐ الطّريقة، لتجد غيرَها: لا تبحث عن كلماتٍ «سيّئة» على وجه العموم؛ خُذْ كلَّ لفظٍ من القائمة الأولى وابحث عن نقيضه هو. المجالُ المضادّ يُبنى لفظا بلفظ، فيبقى متماسكا.
في الحقل الدّلاليّ — لفظةُ «كريم» في النّصّ:
  • وردت لفظةُ «كريم» في النّصّ بمعنًى محدّد. ما هو؟
  • أوردْها في جملتين مفيدتين من إنشائك بمعنيَيْن آخرين.
ما المعنى الّذي وردت به لفظةُ «كريم» في النّصّ؟ وما معنياها الآخران؟

وردت في البيت 2 — «إِنّي لأَغْضَبُ لِلْكَريمِ يَنوشُهُ» — بمعنى المُتأصِّل، أي مَن له أصلٌ، وبمعنى الرَّفيعِ السّامي. والقرينةُ في البيت نفسِه: مَن يَنوشُه هو «مَنْ دُونَهُ» — فالمقابلةُ بين عُلُوٍّ ودُونٍ، لا بين جُودٍ وبُخل.

المعنى الثّاني — الكَرَمُ والجُود

إنّ حاتمَ الطّائيّ إمامُ الكرماءِ الجوّادين.

المعنى الثّالث — الحرّيّةُ وعدمُ الخضوع

إنّ الكريمَ يترفّعُ عن الدَّنايا.

⭐ كيف يُعرَف معنى لفظةٍ مشتركة؟ بالسّياق وحدَه، لا بالمعجم وحدَه: اقرأِ ما قبلها وما بعدها، وابحث عن المقابل الّذي وُضِعت في مواجهته. هنا مقابلةُ «لِلْكَريمِ» بـ«مَنْ دُونَهُ» تُخرج معنى الأصل والرِّفعة، وتُقصي معنى الجُود.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من الأبيات نفسِها. اقرأْ أوّلا وحدِّدْ رقمَ البيت، ثمّ افتحِ الجوابَ لتقابلَه بما وجدْتَ.
ما الموضوعُ الّذي شغل بالَ الشّاعر في هذه الأبيات؟

الموضوعُ الّذي شغل بالَه هو علاقةُ الإنسان بأخيه الإنسان، أي ما يُعرف بـالنَّزعة الإنسانيّة.

والأبياتُ كلُّها تدور عليه، صنفا بعد صنف:
  • علاقتُه بـالكريم حين يُنالُ منه (البيت 2)؛
  • علاقتُه بـالمهذّب وغير المهذّب (البيت 3)؛
  • علاقتُه بـالمسيء (البيتان 6 و13)؛
  • علاقتُه بـالصّاحب في البلاء وفي الكِبْر (الأبيات 10 – 14). ⟸ لا بيتَ واحدا في وصف طبيعةٍ أو في غزل: الموضوع واحدٌ من أوّله إلى آخره.
عيِّنْ بعضَ الألفاظ الدّالّة على ذلك.
من الألفاظ الدّالّة عليه:
  • «حرّ» (البيت 1)
  • «أحبّ» (البيت 3)
  • «مهذّب» (البيت 3)
  • «أرحم» (البيت 3)
  • «يأبى فؤادي» (البيت 4)
  • «دافعت عنه» (البيت 10)
⚖️ لاحظْ أنّ أكثرَها أفعالٌ، لا أسماء: «أحبّ»، «أرحم»، «دافعت». النّزعةُ الإنسانيّةُ عند أبي ماضي سلوكٌ يُفعَل، لا شعورٌ يُوصَف.
ما الّذي دفعه إلى نظم هذه القصيدة؟
دفَعه إليها أمران رآهما في النّاس:
  • ما رآه من علاقاتٍ سيّئةٍ بين بني جِنسه؛
  • وما رآه من استعباد الإنسان لأخيه الإنسان.

فأراد أن يقفَ وقفةَ النّاصح المُرشِد ليردَّ للإنسان اعتبارَه وكرامتَه.

ما الدّعوةُ الّتي يوجّهها إلينا؟ ولِمَ؟
وجّه الشّاعرُ دعوةً ثلاثيّة، لكلٍّ منها بيتُها:
  • التّسامح — «وأَرى مَساوِئَهُ كَأَنّي لا أَرى» (البيت 12)، و«وإِذا أَساءَ إِلَيَّ لَمْ أَتَعَتَّبِ» (البيت 13)؛
  • عدمُ الانخداع بمظاهر النّاس — «أَنا لا تَغُشُّني الطَّيالِسُ والحُلى» (البيت 7)، و«عَيْناكَ مِنْ أَثْوابِهِ في جَنَّةٍ» (البيت 8)؛
  • حملُ النّفس على الصّبر على المكاره — «لي أَنْ أَرُدَّ مَساءَةً بِمَساءَةٍ» ثمّ يأبى ذلك (البيت 5).

ولِمَ؟ لأنّ من شأن ذلك أن يقرِّبَ النّاسَ بعضَهم من بعض، لبناء مجتمعٍ إنسانيٍّ فاضل.

حدِّدِ الصّفاتِ الّتي أشاد بها والصّفاتِ الّتي أنكرها في هذا الصّدد.
ما أشاد به:
  • حبُّ الحرّيّة — «حُرٌّ ومَذْهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذْهَبي» (البيت 1)؛
  • الابتعادُ عن الغَيِّ والتّعصّب — «ما كُنْتُ بِالغَاوي ولا المُتَعَصِّبِ» (البيت 1)؛
  • نُصرةُ الكريم وإنكارُ تَطاوُلِ الوَضَعاءِ عليه — «يَنوشُهُ مَنْ دُونَهُ» (البيت 2)؛
  • حبُّ المهذّبين والرَّأفةُ بغيرهم — «وأَرْحَمُ كُلَّ غَيْرِ مُهَذَّبِ» (البيت 3)؛
  • عدمُ الميل إلى الأذى — «يَأْبى فُؤادي أَنْ يَميلَ إِلى الأَذى» (البيت 4)؛
  • عدمُ الانخداع بالمظاهر (البيتان 7 و8)؛
  • نُصرةُ الصّاحب ومساعدةُ الضّعيف (البيتان 10 و11)؛
  • سترُ المساوئ ولومُ النّفس أوّلا (البيتان 12 و13).
ما أنكره:
  • خِداعُ النّاس ومخالفةُ المظهر للجوهر — «كَمْ في الطَّيالِسِ مِنْ سَقيمٍ أَجْرَبِ» (الأبيات 7 – 9)؛
  • التّودّدُ للمتكبّرين — «فإِذا مَشَتْ في عِطْفِهِ الغَلْواءُ لَمْ أَتَقَرَّبِ» (البيت 14)؛
  • صِغَرُ عقول النّاس — «فإِذا رآني ذو الغَباوَةِ دُونَهُ» (البيت 16)؛
  • تَطاوُلُ الوَضَعاءِ على الكرماء — «يَنوشُهُ مَنْ دُونَهُ» (البيت 2).
⚖️ احترسْ من قراءةٍ متسرّعة: الغضبُ في هذا النّصّ ليس مذموما على الإطلاق. البيت 2 يجعله فضيلةً حين يكون للكريم يُنالُ منه، ويلوم مَن لا يغضب: «وأَلُومُ مَنْ لَمْ يَغْضَبِ». المذمومُ هو الغَيُّ والتّعصّبُ (البيت 1)، لا الغضبُ للحقّ.
تنوّعت عواطفُ الشّاعر؛ فهل يمكن أن تتبيّنَها؟
عاطفتان متقابلتان، ولكلٍّ منهما مواضعُها:
  • عاطفةُ الإعجاب بالفضائل — حبُّ النّاس، والتّواضعُ لهم، ومساعدةُ الضّعيف، وسترُ المساوئ (الأبيات 3، 10 – 12)؛
  • عاطفةُ الاحتقار والاستياء — نبذُ الظّالمين المعتدين والمتعصّبين، وتَطاوُلُ الضّعفاء الأدنياء على الأقوياء الكرماء (الأبيات 1، 2، 7، 14، 16).
⭐ كيف تتبيّنُ عاطفةً في نصّ؟ لا تسألْ بمَ أُحسُّ أنا؟ بل انظرْ في الفعل ومعناه: «أُحِبُّ»، «أَرْحَمُ»، «دافَعْتُ» تُنبئ عن الإعجاب؛ و«لا تَغُشُّني»، «لَمْ أَتَقَرَّبِ» تُنبئ عن النُّفور. العاطفةُ تُقرأ في الأفعال قبل أن تُقرأ في الصّفات.

💬أناقش معطيات النّصّ

بمَ يوحي عنوانُ القصيدة؟
يوحي «أنا» بأمرين:
  • الذّاتيّة — الشّاعرُ يعرض تجربتَه هو، ومن ثَمّ غلبةُ ضمير المتكلّم على النّصّ؛
  • التّسامي والعُلُوّ — لا «أنا» الفَخْرِ بالنَّسَب، بل «أنا» المبدأِ الّذي يُعرَض ليُقتدى به: «ومَذْهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذْهَبي» (البيت 1).
⚖️ العنوانُ إذًا دعوةٌ لا تفاخُر: لو كان فخرا لانتهى عند نفسه، لكنّه في البيت الأوّل يجعل مذهبَه مذهبَ كلِّ حرّ.
لِمَ استعمل الشّاعرُ ضميرَيِ المتكلّم والغائب على وجه الخصوص؟

استعملهما لـتعميق الصّراع الدّراميّ في النّصّ: بين الأنا الموجَبةِ العاقلة الّتي تُمثّل المبدأ، وهو السّالبِ الظّالمِ المتعصّب الّذي يُمثّل نقيضَه.

والبناءُ نفسُه يشهد على ذلك:
  • كلُّ بيتٍ يكاد يقوم على طرفين: «أنا» وفِعلي، ثمّ «هو» وفِعلُه؛
  • «إِنّي لأَغْضَبُ… يَنوشُهُ مَنْ دُونَهُ» (البيت 2) — أنا / هو في بيتٍ واحد؛
  • «وشَدَدْتُ ساعِدَهُ… بِساعِدي» (البيت 11) — الضّميران متلاصقان في اللّفظ نفسِه.
تنوّعت دلالاتُ الغائب؛ فهل يمكن تحديدُها؟ مثِّلْ لذلك من النّصّ.

نعم، تتحدَّد بالرّجوع إلى الاسم الظّاهر الّذي يعود عليه الضّمير في كلّ مقطع. والغائبُ في هذا النّصّ ليس شخصا واحدا، بل ستّةَ أطرافٍ متعاقبة:

دلالاتُ الغائب في النّصّ
الغائبالبيتالشّاهد
الكريمُ الّذي يُنالُ منه2«يَنوشُهُ مَنْ دُونَهُ»
المهذّبُ وغيرُ المهذّب3«ولو أنّهُ خَصْمي»
المسيءُ6«حَسْبُ المُسيءِ شُعُورُهُ ومَقالُهُ»
صاحبُ الطَّيالس — المخادعُ بالمظهر7 – 9«مِنْ أَثْوابِهِ… مِنْ أَخْلاقِهِ»
الصّاحبُ10 – 14«دافَعْتُ عَنْهُ»، «ساعِدَهُ»، «مَنْكِبَهُ»
ذو الغَباوة16«فإِذا رآني ذو الغَباوَةِ دُونَهُ»
⭐ وهذا هو مِفتاحُ القصيدة: «أنا» ثابتةٌ واحدةٌ، و«هو» متغيّرٌ ستَّ مرّات. فالنّصّ ليس خصومةً مع شخص، بل عرضُ مبدأٍ واحدٍ على ستّة مواقفَ مختلفة — وهذا ما يجعل الوحدةَ فيه وحدةَ موضوعٍ لا وحدةَ خصم.
وظّف الشّاعرُ الإضافاتِ والنّعوتَ بكثرة؛ مثِّلْ لكلٍّ منهما مُبرِزا أثرَهما في المعنى.
الإضافات ومواضعُها:
  • «كلّ حرّ» (البيت 1)
  • «مذهبي» (البيت 1)
  • «غير مهذّب» (البيت 3)
  • «فؤادي» (البيت 4)
  • «حبّ الأذيّة» (البيت 4)
  • «طباع العقرب» (البيت 4)
أثرُها في الدّلالة — أربعةُ آثارٍ مختلفة، لا أثرٌ واحد:
  • التّعميم: بإضافة المذهب إلى «كلّ حرّ» عمَّم الحرّيّةَ على كلِّ إنسان، فخرجت من الخصوصيّة إلى القاعدة؛
  • التّملُّك: «مذهبي» و«فؤادي» — ياءُ المِلكيّة المضافةُ تُبرز عقيدةَ الشّاعر في أنّ المذهبَ والفؤادَ ملكُه هو، لا ما يُملى عليه؛
  • النّفيُ بـ«غير»: «غير مهذّب» تنفي الوسطيّة بين التّهذيب وضدِّه — فإمّا مهذّبٌ وإمّا لا؛
  • اللُّزومُ والثّبات: «حبّ الأذيّة» ألحق الحبَّ بالأذيّة إلحاقَ اللّزوم، و«طباع العقرب» ألحق الطِّباعَ بالعقارب إلحاقَ الثّبات — فالأذى طبعٌ لا يُفارِق.
النّعوت ومواضعُها:
  • «الغاوي» (البيت 1)
  • «المتعصّب» (البيت 1)
  • «خلّب» (البيت 5)
  • «أجرب» (البيت 7)
  • «أشمط» (البيت 9)
  • «الضعيف» (البيت 11)

وأثرُها: جاءت هذه النّعوتُ — سواءٌ أكان المنعوتُ ضميرا متّصلا، أم محذوفا مقدَّرا، أم اسما ظاهرا — لـتثبيتِ الصّفات وإلصاقِها بأصحابها، فلا تبقى الأحكامُ عائمةً بل تنزل على موصوفٍ بعينه.

بين الأبيات 11 و12 و13 علاقةٌ؛ فيمَ تكمن؟ وعمَّ تُفصح؟

فيمَ تكمن؟ في كثرة الضّمائر وتلاصُقِها: ضميرِ المتكلّم وضميرِ الغائب في اللّفظ الواحد، ممّا يؤكّد تلازُميّةَ الصّداقة الّتي يراها الشّاعرُ ويدافع عنها.

والدّليلُ محسوسٌ في بنية الأبيات الثّلاثة:
  • البيت 11 — «ساعِدَهُ» في مقابل «بِساعِدي»، و«مَنْكِبَهُ» في مقابل «بِمَنْكِبي»: عضوٌ منه يقابله عضوٌ منّي؛
  • البيت 12 — «مَساوِئَهُ» و«مَحاسِنَهُ» في مقابل «أَرى / لا أَرى»؛
  • البيت 13 — «نَفْسي قَبْلَهُ»: أنا أوّلا، ثمّ هو.

وعمَّ تُفصح؟ تُفصح عن مبدأ الصّداقة الإنسانيّة الحقّة: أن يكون الصّديقُ امتدادا للصّديق، فتُسدَّ ثُلمتُه بما عندي، وتُستَرَ مساوئُه، ويُبدأَ اللّومُ بالنّفس قبله.

⭐ وهذه الثُّنائيّةُ إيجابيّة: في سائر النّصّ يقوم أنا / هو على التّضادّ، وفي هذه الأبيات الثّلاثة يقوم على التّكامل. فالضّميرُ نفسُه يخدم معنيين متعاكسين بحسب موقعه.

🧱أحدّد بناء النّصّ

ما موقفُ الشّاعر من علاقة الإنسان بأخيه الإنسان؟

موقفُه إنسانيٌّ إيجابيّ، يدعو فيه إلى التّسامي برفيع الأخلاق: لا يردُّ الإساءةَ بمثلها وهو قادر (البيت 5)، ويَنصُر الصّاحبَ في البلاء (البيت 10)، ويَستُر المساوئ (البيت 12).

⚖️ وهو موقفٌ مشروط لا ساذَج: الشّاعر لا يتقرّب من المتكبّر (البيت 14)، ولا ينخدع بالمظاهر (البيت 7). فالإيجابيّةُ عنده اختيارٌ عن بصيرة، لا استسلام.
ما آثارُ ذلك في نفسه؟ وفي نفسك؟
في نفسه — والنّصّ يقولها في بيتين:
  • طُمأنينةُ الضّمير والاعتزازُ به: «أَنا مِنْ ضَميري ساكِنٌ في مَعْقِلٍ» (البيت 15) — المَعْقِلُ حِصنٌ، فالضّميرُ الصّافي حِمًى لا يُخترَق؛
  • الاستغناءُ عن الانتقام: «حَسْبُ المُسيءِ شُعُورُهُ ومَقالُهُ» (البيت 6) — يكفي المسيءَ عقابُ نفسِه، فلا يحتاج الشّاعرُ إلى أن يُعاقِبَه.
💡 وفي نفسِك؟ هذا شِقٌّ لا يُجاب عنه بدلا منك — يُبنى في ثلاث خطوات: ① عُدْ إلى موقفٍ حقيقيٍّ أساء إليك فيه صاحبٌ، واذكرْ ما فعلتَ آنذاك؛ ② اعرِضْ فعلَك على البيتين 12 و13: هل رأيتَ المحاسنَ كما رأيتَ المساوئ؟ وهل بدأتَ بلوم نفسك؟ ③ اذكرْ ما رَبِحْتَ أو خَسِرتَ من موقفك، ثمّ احكمْ: أَتَبَنّى مذهبَ الشّاعر أم تُخالفه؟ — والجوابُ مقبولٌ في الحالين ما دام مُعلَّلا بالتّجربة.
ما النّمطُ الغالبُ على النّصّ؟ حدِّدْ أهمَّ خصائصه.

النّمطُ الغالبُ وصفيّ: الشّاعرُ يرسم صورةَ الإنسان الّذي يريده، وصورةَ نقيضه.

ومن مؤشّراته في النّصّ:
  • دقّةُ الوصف في تصوير المواقف؛
  • الإكثارُ من الأخبار — «ساكن» و«سائر» (البيت 15)؛
  • النّعوتُ — «أجرب» (البيت 7)، «الضعيف» (البيت 11)؛
  • الإضافات — «برق خلب» (البيت 5)، «ذو الغباوة» (البيت 16)؛
  • استعمالُ المماثلة والمشابهة — في البيت الأخير؛
  • الجمعُ بين الماضي والمضارع — «كنت»، «بصرت» في مقابل «يأبى»، «أرضى».
⚖️ قلنا الغالب لا المُطلَق: في النّصّ حِجاجٌ ظاهرٌ أيضا (البيت 5 يقدّم دعوى ثمّ يعلّلها، والبيت 4 يُعلِّل بـ«حُبُّ الأَذِيَّةِ مِنْ طِباعِ العَقْرَبِ»). الوصفُ هو الأكثرُ، لا الوحيد.
استخرجْ من النّصّ مجازين، وبيِّنْ قيمةَ التّعبير بهما، وما في ذلك من جمال.
المجاز الأوّل — البيت 8: «عَيْناكَ مِنْ أَثْوابِهِ في جَنَّةٍ»، «ويَداكَ مِنْ أَخْلاقِهِ في سَبْسَبِ».
  • لِمَ لا يستقيم المعنى الحقيقيّ؟ لأنّ العينَ لا تسكن جنّةً، واليدَ لا تسكن صحراء؛ والقرينةُ هي «مِنْ أَثْوابِهِ» و«مِنْ أَخْلاقِهِ» — فالجنّةُ والسّبسبُ منسوبان إلى الثّياب والأخلاق لا إلى مكان؛
  • قيمتُه: جعل الفرقَ بين المظهر والجوهر فرقا مَحسوسا بين خُضرةٍ وقَفْر، فأدرك القارئُ بالبصر ما لا يُدرَك إلّا بالعقل؛
  • وجمالُه: أنّ الصّورتين متقابلتان في بيتٍ واحد (جنّة ⇄ سبسب، عيناك ⇄ يداك)، فالمعنى يُضيء بضدِّه في لحظةٍ واحدة.
المجاز الثّاني — البيت 10: «دافَعْتُ عَنْهُ بِناجِذي وبِمِخْلَبي».
  • لِمَ لا يستقيم المعنى الحقيقيّ؟ لأنّ المِخلَبَ من عُدّة الحيوان لا الإنسان؛ والقرينةُ هي المتكلّمُ نفسُه في «دافَعْتُ» — وهو إنسان؛
  • قيمتُه: بلغ بالنّصرة أقصاها — دفاعٌ بكلِّ ما يملك، بلا تحفُّظٍ ولا حساب؛
  • وجمالُه: أنّه استعار للوفاء صورةَ الغريزة، فصارت نُصرةُ الصّاحب فعلا لا يُفكَّر فيه، كما لا يُفكِّر الحيوانُ في الدّفاع عن نفسه.
⭐ الطّريقةُ لتجد غيرَهما: اقرأِ البيتَ على معناه الحقيقيّ أوّلا. فإنِ استحال — عينٌ في جنّة، مِخلبٌ لإنسان، بَرْقٌ يُرضي (البيت 5) — فابحثْ عن القرينة الّتي منعت الحقيقة، ثمّ اسألْ: ماذا كَسِب المعنى بهذا العدول؟ الجوابُ عن السّؤال الأخير هو قيمةُ المجاز.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

على مَن يعود ضميرُ المتكلّم في النّصّ؟

يعود على الشّاعر نفسِه — وهو «الأنا» الّتي عنون بها القصيدة.

والشّواهدُ ثلاثةٌ لا تحتمل غيرَه:
  • العنوانُ «أنا»؛
  • البيت 1 — «حُرٌّ ومَذْهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذْهَبي»؛
  • البيت 15 — «أَنا مِنْ ضَميري ساكِنٌ في مَعْقِلٍ».
⚖️ وهو مع ذلك متكلّمٌ يتّسع لغيره: البيتُ الأوّل يجعل مذهبَه مذهبَ «كلِّ حرّ»، فالضّميرُ يبدأ فرديّا وينتهي نموذجا يُدعى إليه.
على مَن يعود ضميرا المخاطَب والغائب؟
ضميرُ المخاطَب يعود على القارئ / المتلقّي، يُدخِلُه الشّاعرُ في التّجربة:
  • البيت 8 — «عَيْناكَ» و«يَداكَ»؛
  • البيت 9 — «وإِذا بَصُرْتَ بِهِ… وإِذا تُحَدِّثُهُ»؛
  • البيت 16 — «فكما تَرى في الماءِ ظِلَّ الكَوْكَبِ».

وضميرُ الغائب يعود على الأطراف السّتّة الّتي حصرناها في محطّة «أناقش»: الكريم، والمهذّب وغيرِ المهذّب، والمسيء، وصاحبِ الطَّيالس، والصّاحبِ، وذي الغباوة.

ما أثرُ هذه الضّمائر في بناء النّصّ؟
لها ثلاثةُ آثارٍ متضافرة:
  • تعميقُ الصّراع بين «أنا» و«هو» — وهو المحورُ الّذي تدور عليه الأبيات؛
  • تجليةُ الأفكار — إذ يُعرَض المبدأُ في كلِّ مرّةٍ على موقفٍ جديد فيتّضح؛
  • إبرازُ العواطف والمشاعر — الإعجابُ يُقرأ في أفعال المتكلّم، والنُّفورُ في أفعال الغائب.

وللمخاطَب أثرٌ رابعٌ خاصّ: هو جِسرُ الانتقال من التّجربة الفرديّة إلى القارئ، فلا تبقى القصيدةُ سيرةً ذاتيّةً بل تصير دعوةً موجَّهةً.

ما أهمُّ القرائن اللّغويّة الّتي اهتدى إليها الشّاعرُ في الرّبط بين الأبيات لرسم مشاعره وأفكاره؟
خمسُ قرائنَ، لكلٍّ منها موضعُها:
  • حروفُ العطف — الواوُ (الأبيات 1، 3، 11، 12، 13)، والفاءُ (البيتان 14 و16)؛ و«لا» في «ولا المُتَعَصِّبِ» (البيت 1) لتأكيد النّفي، والعاطفُ قبلها هو الواو؛
  • حروفُ الجرّ — الباءُ (الأبيات 1، 5، 10، 11)، و«إلى» (البيتان 4 و13)، و«في» (الأبيات 6، 8، 14، 15، 16)؛
  • الضّمائرُ — وعلى رأسها «أنا» (البيتان 7 و15)؛
  • أدواتُ التّوكيد — «إنّ» في «إِنّي» (البيتان 2 و10)؛
  • أدواتُ الشّرط — «لو» (البيت 5)، و«إذا» (الأبيات 9، 10، 13، 14، 16).
⭐ ولاحِظْ أثرَ «إذا» بخاصّة: تكرَّرت ستَّ مرّاتٍ فصنعت قالبا واحدا يتكرّر — شرطٌ فجوابٌ، موقفٌ فسلوك. هذا القالبُ هو الّذي يشدّ الأبياتَ بعضَها إلى بعض، وهو نفسُه الّذي ستدرسه في محطّة أستثمر موارد النّصّ.
اشتملت القصيدةُ على التّقابل والتّضادّ؛ استخرجْهما، وبيِّنْ أثرَهما في المعنى ودورَهما في انسجام الأبيات وترابُطِها.
التّضادّ — لفظٌ في مقابل نقيضه:
  • «أغضب» ⇄ «لم يغضب» (البيت 2)؛
  • «كلّ مهذّب» ⇄ «غير مهذّب» (البيت 3)؛
  • «متقرّب» ⇄ «لم أتقرّب» (البيت 14)؛
  • «ساكن» ⇄ «سائر» (البيت 15).
المقابلة — صورةٌ في مقابل صورة:
  • البيت 8 — «عَيْناكَ… في جَنَّةٍ» ⇄ «ويَداكَ… في سَبْسَبِ»؛
  • البيت 9 — «بَصُرْتَ بِأَشْمَطٍ» ⇄ «تَكَشَّفَ عَنْ صَبِي»؛
  • البيت 12 — «مَساوِئَهُ كَأَنّي لا أَرى» ⇄ «وأَرى مَحاسِنَهُ».
وأثرُهما:
  • في المعنى — إبرازُ المعنى بضدّه: لا تُدرَك قيمةُ التّهذيب إلّا بمقابلتها بغيرِه، ولا خطرُ المظهر إلّا بمقابلته بالجوهر؛
  • في الانسجام — التّقابلُ يُنشئ إيقاعا فكريّا يتكرّر من بيتٍ إلى بيت، فيسير القارئُ على وَتيرةٍ واحدة: موقفٌ ونقيضُه، ثمّ موقفٌ ونقيضُه؛
  • في الترابط — هو الصّورةُ اللّفظيّةُ للصّراع أنا / هو الّذي يحكم النّصّ كلَّه، فما التّضادُّ إلّا هذا الصّراعُ نازلا إلى مستوى الكلمة.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

انطوى النّصُّ على قيمٍ متعدّدة، أهمُّها القيمةُ الاجتماعيّة والقيمةُ الأدبيّة. أمّا الاجتماعيّةُ فتتمثّل في الدّعوة إلى التّحلّي بالفضائل الّتي تُقيم علاقةَ الإنسان بأخيه الإنسان على التّسامح والنُّصرة وسَتْرِ العيب؛ وأمّا الأدبيّةُ فتتمثّل في خصائص الرّومانسيّة الّتي طبعت لغةَ القصيدة وصورَها وعاطفتَها.

وقد جسّد فيه الشّاعرُ مبادئَ مدرسته الفنّيّة «الرّابطة القلميّة» — الّتي أسّسها مع جبران خليل جبران سنة 1920 م — ذات الاتّجاه الرّومانسيّ، وأهمُّها:
  • سهولةُ اللّغة والابتعادُ عن التّكلّف والتّعقيد؛
  • ارتداءُ الأبيات الطّابعَ الإنسانيّ — وهو موضوع القصيدة كلِّها؛
  • النّزعةُ الرّومانسيّة وبُعْدُ الصّور عن التّكلّف؛
  • الخيالُ الواسع وقوّةُ العاطفة؛
  • الدّعوةُ إلى الخير؛
  • توظيفُ مظاهر الطّبيعة — «برق خلب» (البيت 5)، «العقرب» (البيت 4)، «جنّة» و«سبسب» (البيت 8)، «ظلّ الكوكب» (البيت 16).

وبدا الشّاعرُ في نصّه إنسانيَّ التّفكير، مُتَقَصِّيا جوهرَ الأشياء لا مظاهرَها، مُثبِتا مبادئَ الرّابطة القلميّة القائمةَ على اعتبار الأدبِ رسالةً دعامتُها الدّعوةُ إلى الحقّ والخير والجمال في الإنسانيّة جمعاء.

⭐ ولعلّ خيرَ ما يُختَم به: القصيدةُ لم تُغيِّرْ رأيَها من أوّلها إلى آخرها. بدأت بـ«حُرٌّ ومَذْهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذْهَبي» وانتهت بـ«فكما تَرى في الماءِ ظِلَّ الكَوْكَبِ» — أي بمن يظنّ الكوكبَ تحته وهو فوقه. مذهبٌ واحدٌ عُرِض على ستّة مواقف، فلم ينكسر في واحدٍ منها: ذلك هو معنى أن يكون للمرء مذهب.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 – في مجال قواعد اللّغة: «إذا» و«إذَنْ»

⭐ القاعدةُ هنا ثمرةُ النّصّ، لا درسا مستقلّا: الأمثلةُ الأولى مأخوذةٌ من أبيات القصيدة نفسِها، لأنّ «إذا» تكرّرت فيها ستَّ مرّات في خمسة أبيات (البيت 9 مرّتين، ثمّ 10، 13، 14، 16).
أوّلا — تأمّلِ الجملَ الآتية الواردةَ في النّصّ:
  • «وإِذا بَصُرْتَ بِهِ بَصُرْتَ بِأَشْمَطٍ» (البيت 9)؛
  • «إِنّي إِذا نَزَلَ البَلاءُ بِصاحِبي / دافَعْتُ عَنْهُ بِناجِذي وبِمِخْلَبي» (البيت 10)؛
  • «وإِذا أَساءَ إِلَيَّ لَمْ أَتَعَتَّبِ» (البيت 13).
ما دلالةُ «إذا» في الأمثلة المذكورة؟ وما المعنى الآخرُ الّذي تضمّنته؟ وبمَ تعلّقت؟ وعلامَ دخلت؟
أربعةُ أجوبةٍ، وكلُّها تُقرأ في الأمثلة نفسِها:
  • دلالتُها: الظّرفيّة — فهي ظرفٌ لما يُستقبَل من الزّمان؛
  • المعنى الآخرُ الّذي تضمّنته: معنى الشّرط — شرطٌ غيرُ جازم؛
  • بمَ تعلّقت: تعلّقت بـجوابها (لا بفعل الشّرط)؛
  • علامَ دخلت: دخلت على فعل، والفعلُ بعدها ماضٍ غالبا (نَزَلَ، أَساءَ) أو مضارع.

وإعرابُها: ظرفٌ لما يُستقبَل من الزّمان، متضمّنٌ معنى الشّرط غير الجازم، مبنيٌّ على السّكون في محلّ نصب مفعول فيه، وهو مضاف.

تطبيقُ الإعراب على البيت 10
«إِنّي إِذا نَزَلَ البَلاءُ بِصاحِبي / دافَعْتُ عَنْهُ…»:
  • إذا — ظرفٌ لما يُستقبَل من الزّمان متضمّنٌ معنى الشّرط، مبنيٌّ على السّكون في محلّ نصب مفعول فيه، وهو مضاف؛
  • «نَزَلَ البَلاءُ بِصاحِبي» — جملةُ الشّرط، في محلّ جرّ مضاف إليه؛
  • «دافَعْتُ عَنْهُ بِناجِذي وبِمِخْلَبي» — جوابُ الشّرط، لا محلّ له من الإعراب.
ثانيا — تفحّصِ الأمثلةَ الآتية، ففيها «إذا» يليها اسمٌ لا فعل:
  • إِذا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ؛
  • إِذا المُعَلِّمُ كانَ حاضِرا أَتَيْتُ؛
  • إِذا القُرْآنُ قُرِئَ خَشَعَتِ القُلوبُ؛
  • إِذا والِدَيْكَ أَطَعْتَ نِلْتَ رِضا اللهِ.
ومنه قولُ الشّاعر
الصّدرالعجز
وإِذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَهاأَلْفَيْتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنْفَعُ
«إذا» ظرفيّةٌ في هذه الأمثلة كلِّها — لكن هل دخلت في كلّ الحالات على فعل؟ وكيف يُعرَب الاسمُ الّذي يليها؟

الجوابُ: لا. وعليه وجب تقديرُ فعلٍ محذوفٍ يفسِّره الفعلُ المذكورُ في الجملة، حتّى يتسنّى إعرابُ الاسم الّذي يليها — لأنّ «إذا» لا تُضاف إلّا إلى جملةٍ فعليّة.

الاسمُ بعد «إذا» يُعرَب بحسب موقعه من الفعل المحذوف
المثالالاسمإعرابُهالفعلُ المفسِّر
وإِذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ…المَنِيَّةُفاعلٌ لفعلٍ محذوفأَنْشَبَتْ
إِذا المُعَلِّمُ كانَ حاضِراالمُعَلِّمُاسمٌ لناسخٍ محذوفكانَ
إِذا القُرْآنُ قُرِئَالقُرْآنُنائبُ فاعلٍ لفعلٍ محذوفقُرِئَ
إِذا والِدَيْكَ أَطَعْتَوالِدَيْكَمفعولٌ به لفعلٍ محذوفأَطَعْتَ
إِذا أَنْتَ أَكْرَمْتَأَنْتَضميرٌ منفصلٌ في محلّ رفع توكيدٍ لفظيّ للضّمير المتّصل بالفعل المحذوفأَكْرَمْتَ
⚖️ وفي مثال «إِذا المُعَلِّمُ كانَ حاضِرا» فائدةٌ زائدة: الجملةُ من النّاسخ واسمِه وخبرِه كلُّها في محلّ جرّ بالإضافة إلى «إذا».
ثالثا — وليست كلُّ «إذا» شرطيّةً. تأمّلْ ما يأتي:
  • دَخَلْتُ المَدينَةَ فإِذا المُؤَذِّنُ يُنادي إلى الصَّلاةِ؛
  • اسْتَكْتَمْتُهُ السِّرَّ إِذا طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يَسْتُرَهُ.
ما المعنى الّذي تحمله «إذا» في كلّ مثال؟ وما الحرفُ الّذي اتّصل بها في الجملة الأولى؟ وماذا وَلِيَها: اسمٌ أم فعل؟ وما علامتُه الإعرابيّة؟
في المثال الأوّل — «فإِذا المُؤَذِّنُ يُنادي»:
  • المعنى: المفاجأة — ولذلك تُسمّى «إذا الفُجائيّة»؛
  • الحرفُ الّذي اتّصل بها: الفاءُ؛
  • ما وَلِيَها: اسمٌ لا فعل — «المُؤَذِّنُ» — وعلامتُه الإعرابيّة الضّمّة؛ وهو مبتدأ، خبرُه جملةُ «يُنادي»؛
  • إعرابُها: حرفٌ مبنيٌّ على السّكون، لا محلَّ له من الإعراب، ولا تحتاج إلى جواب.
في المثال الثّاني — «اسْتَكْتَمْتُهُ السِّرَّ إِذا طَلَبْتُ مِنْهُ…»:
  • المعنى: التّفسير — ولذلك تُسمّى «إذا التّفسيريّة»؛
  • إعرابُها: حرفٌ مبنيٌّ على السّكون، لا محلَّ له من الإعراب.
⭐ العلامةُ الفارقةُ الّتي تُغنيك عن الحفظ: انظرْ ما بعد «إذا». إن وَلِيَها فعلٌ وكان لها جواب فهي الشّرطيّة الظّرفيّة؛ وإن وَلِيَها اسمٌ مرفوع وسبقتها فاء ولا جوابَ لها فهي الفُجائيّة؛ وإن جاءت لتُبيّن ما قبلها فهي التّفسيريّة.
رابعا — «إذَنْ». اقرأِ الجملَ الآتية ثمّ استنتجْ:
  • أ — لِلْمُتَعَلِّمينَ أُسْتاذٌ إذًا يُمَرِّنُهُم على الفَهْمِ (أو: مَرِّنْهُم على الفَهْمِ)؛
  • ب — لو تَناصَحَ الأَخِلّاءُ إذًا تَناصَحْنا؛
  • ج — إذَنْ تَنْجَحَ (جوابا لمن قال لك: سأَجْتَهِدُ في دِراسَتي).
ما المعنى الّذي أفادته «إذَنْ» في كلّ مثال؟ وما إعرابُها؟
ثلاثةُ معانٍ في ثلاثة أمثلة:
  • في المثال أ: أفادت الجوابَ؛
  • في المثال ب: أفادت التّقويةَ والتّوكيد؛
  • في المثال ج: أفادت الجوابَ المتضمِّنَ جزاءً في المستقبل — وهو ما استلزم النّصب.
وإعرابُها:
  • في (ج) — حرفُ جوابٍ وجزاءٍ واستقبالٍ ونصبٍ، والفعلُ بعدها مضارعٌ منصوب: «تَنْجَحَ»؛
  • في (ب) — حرفُ جوابٍ مُهمَلٌ غيرُ عامل، أفاد تقويةَ المعنى وتوكيدَه.
ما شروطُ عملِ «إذَنْ» النّصبَ؟ ولماذا نُصِب المضارعُ في (ج) ورُفِع في (أ) و(ب)؟
شروطُ إعمالها النّصبَ أربعةٌ، تسقط عملُها إذا سقط واحدٌ منها:
  • ① أن تتصدَّر، أي ألّا يتقدَّمَ فعلُها عليها — «أُساعِدُكَ إذًا»: غيرُ عاملة، لأنّها تأخّرت عن الفعل؛
  • ② ألّا يُفصَل بينها وبين فعلِها إلّا بالنّفي أو القسم — «إذَنْ واللهِ تَنْجَحَ»: عاملة؛ «إذًا قد أَنْجَحُ»: غيرُ عاملة، لوجود «قد» بينها وبين فعلها؛
  • ③ أن يكون فعلُها مضارعا دالّا على الاستقبال لا الحاضر — «أَحْتاجُ إلى يَدِ العَوْنِ — إذًا أُساعِدُكَ الآنَ»: غيرُ عاملة، لوجود ما يدلّ على الحاضر؛
  • ④ ألّا تقعَ في جملةٍ مرتبطةٍ بما قبلها، كأن تكون في جواب الشّرط.
وبهذه الشّروط يُفسَّر الفرقُ بين الأمثلة الثّلاثة:
  • (ج) «إذَنْ تَنْجَحَ» — تصدَّرت، ولم يُفصَل بينها وبين فعلها، وفعلُها مستقبَل، ولم تقعْ في جواب شرط: استوفت الشّروطَ الأربعةَ فنَصَبَت؛
  • (ب) «لو تَناصَحَ الأَخِلّاءُ إذًا تَناصَحْنا» — الفعلُ بعدها ماضٍ («تَناصَحْنا»)، وهي في جواب الشّرط بعد «لو»: سقط الشّرطان ③ و④ فأُهمِلَت، ولم يبقَ لها إلّا التّقويةُ والتّوكيد؛
  • (أ) «إذًا يُمَرِّنُهُم على الفَهْمِ» — فعلُها لا يدلّ على الاستقبال بل على حالٍ قائمة: سقط الشّرطُ ③ فأُهمِلَت، والدّليلُ ضمّةُ «يُمَرِّنُهُم».
⛔ لا تحفظِ الشّروطَ الأربعةَ منفصلةً عن أمثلتها: كلُّ شرطٍ منها إنّما عُرف من مثالٍ سقط فيه. متى نسيتَ الشّرطَ، استحضِرِ المثالَ المخالف — «أُساعِدُكَ إذًا»، «إذًا قد أَنْجَحُ»، «إذًا أُساعِدُكَ الآنَ» — فالشّرطُ يعود من نفسه.
فائدة:
  • إذا فُصِل بين «إذَنْ» ومعمولِها بالقَسَم عَمِلَتِ النّصبَ؛
  • إذا سُبِقت بالواو أو الفاء العاطفتين جاز إعمالُها وإهمالُها.
تطبيقٌ على النّصّ — أعربْ «إذا» في البيت 14، وبيِّنْ جملةَ الشّرط وجوابَها؛ ثمّ افعلْ ذلك في البيت 16، ولاحِظِ الفرقَ بينهما.
البيت 14 — «مُتَقَرِّبٌ مِنْ صاحِبي فإِذا مَشَتْ / في عِطْفِهِ الغَلْواءُ لَمْ أَتَقَرَّبِ»:
  • إذا — ظرفٌ لما يُستقبَل من الزّمان متضمّنٌ معنى الشّرط، مبنيٌّ على السّكون في محلّ نصب مفعول فيه، وهو مضاف؛
  • «مَشَتْ في عِطْفِهِ الغَلْواءُ» — جملةُ الشّرط، في محلّ جرّ مضاف إليه؛
  • «لَمْ أَتَقَرَّبِ» — جوابُ الشّرط، لا محلَّ له من الإعراب.
البيت 16 — «فإِذا رآني ذو الغَباوَةِ دُونَهُ / فكما تَرى في الماءِ ظِلَّ الكَوْكَبِ»:
  • إذا — الإعرابُ نفسُه؛ «رآني ذو الغَباوَةِ دُونَهُ» جملةُ الشّرط في محلّ جرّ مضاف إليه؛
  • الفرقُ: جوابُ الشّرط هنا مقترنٌ بالفاء — «فكما تَرى…» — لأنّه جملةٌ لا تصلح أن تكون فعلَ شرط، بخلاف جواب البيت 14.
⭐ وهذه هي فائدةُ الدّرس: القاعدةُ الّتي درسْتَها لم تأتِكَ من خارج القصيدة، بل كانت فيها منذ البداية. ستُّ «إذا» في ستّةَ عشرَ بيتا ليست صدفةً: هي القالبُ الّذي بنى به الشّاعرُ مذهبَه — موقفٌ يقع، فسلوكٌ يُتَّخَذ.
في البكالوريا يأتي هذا الدرس في سؤال إعراب على النصّ: «أعرب إذا، وبيّن جملة الشرط وجوابها»، أو «ما المعنى الذي أفادته إذن؟ ولماذا نُصب المضارع بعدها أو رُفع؟». جهّز ثلاثة عناصر: ① صيغة إعراب «إذا» الشرطية كما هي: ظرف لما يُستقبل من الزمان متضمّن معنى الشرط غير الجازم، مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول فيه، وهو مضاف ؛ وجملة الشرط في محلّ جرّ مضاف إليه، وجوابها لا محلّ له ؛ ② الاسم بعد «إذا» يُعرب بحسب فعل محذوف يفسّره المذكور («وإذا المنيّةُ أنشبت»: فاعل لفعل محذوف) ؛ ③ من شروط نصب «إذن»: أن تتصدّر، وألّا يُفصل بينها وبين فعلها إلّا بالنفي أو القسم، وأن يكون المضارع دالّا على الاستقبال. ⚠️ الخطأ الشائع: إعراب كلّ «إذا» شرطية ؛ فالتي تلي الفاء ويليها اسم مبتدأ («فإذا المؤذّنُ ينادي») فجائية، حرف لا محلّ له ولا جواب له. ⚠️ وخطأ ثانٍ: نصب المضارع بعد «إذن» وقد تأخّرت عن فعلها أو فصلت بينهما «قد».

Page 1/6

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net