Langue arabe🎓 objectif bac

المحور 3 النزعة الإنسانية في الشعر المهجري

النزعة الإنسانية في الشعر العربي المعاصر

🔊 La maîtresse lit pour toi

📜النّصّ

النّزعة الإنسانيّة في الشّعر العربيّ المعاصر — معاوية كوجان. نصٌّ تواصليٌّ يسأل سؤالا واحدا: هل عرف شعرُنا العربيّ نزعةً إنسانيّةً حقيقيّة، أم مجرّدَ انطباعاتٍ عابرة يبعثها الحزنُ على قريب؟ اقرأْه وأنت تفرّق بين الأمرين، فعليهما يقوم النّصّ كلُّه.

إذا تَأَمَّلْنا شِعْرَنا العربيَّ وَجَدْناهُ يَزْخَرُ على امتداد عصوره بأشعارٍ تطفح بالمشاعر الإنسانيّة النّبيلة الصّادقة طارت لها شهرةٌ في الآفاق، وأولاها الباحثون والدّارسون اهتمامًا وعنايةً خاصَّين. وإحصاءُ تلك الأشعار أمرٌ عسيرٌ نظرًا لكثرتها، ولعلّ ضربَ بعض الأمثلة كافٍ للإشارة إلى تلك النّزعة الشّعوريّة الرّاقية. أذكرُ في هذا المضمار قصيدةَ ابن الرّوميّ في رثاء ولدِه الّتي يقول فيها:

ابن الرّوميّ — في رثاء ولده
الصّدرالعجز
بُنَيَّ الّذي أهدتْهُ كفّايَ للثّـــرىفيا عِزَّةَ المُهدَى ويا حسرةَ المُهدي!
عجبتُ لقلبي كيف لم ينفطرْ لهُولو أنّه أقسى من الحجــرِ الصَّلدِ

وفي هذا السّياق نتذكّر رثاءَ المتنبّي جدّتَه، ورثاءَ جريرٍ زوجتَه، ورثاءَ محمود سامي البارودي أمَّ أولاده:

محمود سامي البارودي — في رثاء أمّ أولاده
الصّدرالعجز
يـا دهْرُ فيمَ فجعتَنـي بِحَليلَـةٍكانتْ خلاصةَ عُدَّتي وعَتـــادي
إنْ كُنتَ لَمْ تَرحَمْ ضَناي لفقدِهاأفلا رَحِمْتَ مِن الأســى أولادي
أفـرَدْتَهُــنَّ فَلَـمْ ينمْـنَ تَوَجُّعًاقَرْحى العيونِ رواجفَ الأكبـــادِ
لو كان هذا الــدَّهْرُ يقبَلُ فِدْيَةًبالنَّفْسِ عنكِ لَكُنتُ أوّلَ فَـــادِ

وكذلك رِثاءُ شوقي جدّتَه. إذًا تلك الأشعارُ في أغلبها كانت صادرةً عن نفسٍ مفجوعةٍ بقريبٍ لها ذي رحمٍ، أمّا الأشعارُ الّتي تتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه، تصوّر آلامَه وتبلور أحلامَه وتبرز إحساسَه، فأشعارٌ قليلةٌ بالمقارنة مع بقيّة ضروب النّظم وأغراضه في شعرنا العربيّ لا سيّما الحديث، كقصيدة «الشّريد» لعليّ الجارم وقصيدة إيليا أبي ماضي «النّفس الشّقيّة».

ولعلّ الشّاعرَ العراقيَّ الكبيرَ معروف الرّصافي (1875-1945م) واحدٌ من قلّةٍ من الشّعراء الّذين نزعوا في شعرهم هذه النّزعةَ الإنسانيّةَ الصّادقةَ الفيّاضةَ بالتّعاطف والتّألّم والتّفجّع بمآسي أولئك المعذَّبين البائسين، والتّطلّعِ إلى تخليصهم من آلامهم ومواساتِهم في محنِهم وأزماتِهم، نجد ذلك النّزوعَ بارزًا في قصائده «أمّ اليتيم»، «المطلّقة»، «الأرملة المرضعة»، «اليتيم في العيد»، «دار الأيتام»، «الفقر والسّقام»، «اليتيم المخدوع»، «ثالثة الأثافي»، «أمّ الطّفل في مشهد الحريق».

وتَتَبَلْوَرُ نَزْعَةُ الرَّصافي في أساليبَ كثيرة. فهُوَ يَرْسُمُ الشّخصيّةَ المتألّمةَ من الخارج فيصوّر تلك الشّخصيّة، ملابسَها، شحوبَها، دموعَها، صوتَها، مسكنَها، عويلَها.. ، وصفًا دقيقًا كأنّه الصّورة الفوتوغرافيّة. من ذلك وصفُه الخارجيّ لليتيم في قصيدته «اليتيم في العيد»:

معروف الرّصافيّ — «اليتيم في العيد»
الصّدرالعجز
صبيٌّ صبيحُ الوَجهِ أسمرُ شاحبٌنحيفُ المباني أدعجُ العينِ أنـزعُ
ويرسلُ من عينيهِ نظرةَ مُجهِشٍوما هو بالباكي ولا العينُ تدمــعُ
لـه رجفةٌ تنتابُه وهــو واقـفٌعَلى جَانِبٍ والجوُّ بالبَرْدِ يَلْسَعُ

وَهُوَ ينفذ إلى أعماق تلك الشّخصيّة البائسة المنكسرة المحزونة، يبلور ما تحسُّ به ويستخرج ذلك الرّكامَ من الأحاسيس المفعمة بالمرارة والكآبة والألم والضّنك والأسى في سياقٍ شعوريٍّ متناغمٍ مع ذلك الوصف الخارجيّ.. فمن قصيدة «أمّ الطّفل في مشهد الحريق»، يُسمِعُنا الشّاعرُ أنّاتِ وعويلَ أمٍّ احترق طفلُها في حريقٍ شبَّ فلم تُبْقِ نارُه ولم تذرْ، فما كان منها إلّا أن أخذت تولول وتصرخ وتلطم خدَّيها وحُقَّ لها ذلك في حالٍ أقربَ إلى الجنون وهي تقول:

معروف الرّصافيّ — «أمّ الطّفل في مشهد الحريق»
الصّدرالعجز
إنّي تجرَّدتُ من دُنيــايَ خاسـرةًمالي سوى طفلِيَ الباكي بها مالُ
أَوْدى الحــريـقُ بـدارٍ أسْكنُهــاوكنتُ من بعضِها للقوتِ أكتـالُ
يارَبِّ قد ضِقْتُ ذرعًا بالحياةِ فماأدري حنانَيْكَ ربّي كيف أحتـالُ

وَهُوَ بارعٌ في طرح تلك المشكلات المُلِحّة المؤلمة الّتي تشكّل في حقيقتها مأساةَ الإنسانيّة جمعاء في صراعها مع الفقر والبؤس والمرض والتّشرّد والجوع والخوف والاضطهاد، يبرع شاعرُنا في تصوير معاناةِ أولئك البائسين في قالبٍ قصصيٍّ سَرْديٍّ مشوّقٍ تتوافر فيه عناصرُ القصّة كاملةً من بدايةٍ وتطوّرٍ ونهايةٍ وحلٍّ.

وهذه قصيدةٌ تنبض بكثيرٍ من المشاعر الإنسانيّة الصّادقة وتتجلّى فيها رقّةُ الشّاعر وإحساسُه المفعم الفيّاض الصّادق بآلام المعذَّبين المقهورين المحرومين. قصّةُ فقيرٍ معدَمٍ يُدعى بشيرًا، كان يعمل أجيرًا ليلَه ونهارَه، ليس له في هذه الدّنيا إلّا أختٌ حنونٌ اسمُها فاطمة، أُصيب بمرض القلب، وانتهى به المطافُ إلى الموت:

معروف الرّصافيّ — قصّة بشيرٍ وأختِه فاطمة (قصيدةٌ مخمَّسة: الشّطرُ الخامسُ من كلّ مقطعٍ يأتي مفرَدًا على رويّ الباء)
الصّدرالعجز
قالتِ الأختُ: أمَّ سلمى أنظريـهِثَكِلَـتْ روحُ أُمِّـهِ وأبيــــهِ
فَـرَأَتْ منه إذْ دنَتْ نحوَ فيهِنفَسًا مبطئَ التَّرَدُّدِ فيهِ
ثمّ قد غالَه الــرَّدى باقتضابٍ
وَجَمَتْ حيــرةً وَبعدَ قليلٍرَمَقَتْ فاطمًا بطَرْفٍ كَليــلٍ
فيه حِملٌ على العزاءِ الجميلِ
أيَّها الواقفون لا تُهمِلـــوهُدونكُمْ أدْمُعي بها فاغْسِلـوهُ
ثمّ بالثّوبِ ضافيًا كَفِّنــوهُوادْفِنوهُ لكنْ بِقَلْبي ادْفنـوهُ

وإذا تأمَّلْنا ما سَبَقَ وَجَدْنا فَيضًا من الرِّقّة والشّعور بآلام الآخرين. وَلْيَكُنْ كَمَا يُرَادُ لَهُ شِعْرًا يَحْمِلُ رسالةً للبشريّة جمعاء تدعو إلى الخير والحبّ والصّلاح والسّلام والتّعاون والوئام، فلا سُدومُ همٍّ تُؤَرِّقُ بالًا ولا إسارُ حرمانٍ يَهْصِرُ مُهَجًا ولا دُكونُ ألمٍ يمنع انبلاجَ مسرَّةٍ.

معاوية كوجان — عن الأنترنيت

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أسئلةُ هذه المحطّة أجوبتُها في النّصّ. اقرأْ أوّلا، ابحثْ عن الفقرة الّتي تحمل الجواب، ثمّ افتحْ لتقابل ما وجدْتَ بما هنا.
هل الاهتمامُ بالنّفس البشريّة أمرٌ جديدٌ في الشّعر العربيّ؟
لا، بل هو قديمٌ، والفقرةُ الأولى تقيم الدّليل في ثلاث خطوات:
  • الكاتب لا يتحدّث عن عصرٍ بعينه، بل يقول إنّ شعرَنا يزخر بهذه المشاعر «على امتداد عصوره»؛
  • وهي عنده «المشاعر الإنسانيّة النّبيلة الصّادقة»، لا مشاعرَ عابرة؛
  • ودليلُ قِدَمِها أنّ «إحصاء تلك الأشعار أمرٌ عسير» لكثرتها — والكثرةُ لا تجتمع في زمنٍ قصير.
  • ⟸ الاهتمامُ بالنّفس البشريّة قديمٌ في شعرنا، وجِدَّتُه إنّما هي في الشّكل الّذي أخذه حديثا، وهو ما سيبيّنه بقيّةُ النّصّ.
مَنْ مِنَ الشّعراء العرب جسَّد النّزعة الإنسانيّة قديمًا؟
يسمّيهم النّصّ في الفقرات الثّلاث الأولى، وكلُّهم في غرض الرّثاء:
  • ابن الرّوميّ — في رثاء ولدِه (البيتان 1-2)؛
  • المتنبّي — في رثاء جدّتِه؛
  • جريرٌ — في رثاء زوجتِه؛
  • محمود سامي البارودي — في رثاء أمّ أولادِه (الأبيات 1-4)؛
  • أحمد شوقي — في رثاء جدّتِه.
⚖️ انتبهْ إلى الدّقّة: النّصّ يجمع هؤلاء في سلكٍ واحدٍ لا لأنّهم من عصرٍ واحد — فابنُ الرّوميّ والمتنبّي وجريرٌ قدماء، والبارودي وشوقي من روّاد النّهضة — بل لأنّ شعرَهم كلَّه صادرٌ عن الباعث نفسِه: الفجيعةُ في قريب. وهذا هو مِحورُ السّؤال التّالي.
هل كانت نزعةً إنسانيّةً بالمفهوم الحقيقيّ؟ أم مجرّدَ انطباعٍ عابرٍ نتيجةَ تجربةٍ خاصّة؟ وضّحْ.

هي في أغلبها انطباعاتٌ عابرة، لا نزعةٌ إنسانيّةٌ بالمفهوم الحقيقيّ. والنّصّ يعطيك المقياسَ الّذي تُميّز به، فطبِّقْه:

① المقياس — ما هي النّزعة الإنسانيّة الحقيقيّة عند الكاتب؟
  • هي الّتي «تتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه، تصوّر آلامَه وتبلور أحلامَه وتبرز إحساسَه»؛
  • أي أن يكون موضوعُها الإنسانَ من حيث هو إنسان، لا شخصًا بعينه.
② التّطبيق — ما الّذي جاءت عليه أشعارُ الرّثاء المذكورة؟
  • يقول النّصّ إنّها «كانت صادرةً عن نفسٍ مفجوعةٍ بقريبٍ لها ذي رحمٍ»؛
  • فالباعثُ فيها ذاتيٌّ خاصّ: ولدُ ابن الرّوميّ، زوجةُ البارودي، جدّةُ المتنبّي؛
  • وهي مشاعرُ صادقة، لكنّها مقيَّدةٌ بصاحبها، تنتهي بانتهاء مناسبتها.
③ النّتيجة
  • ⟸ تلك الأشعارُ انطباعاتٌ عابرة نتيجةَ تجربةٍ خاصّة، لا نزعةٌ إنسانيّة؛
  • ⟸ والدّليلُ الحاسم أنّ النّصّ يَعُدّ الأشعارَ الإنسانيّةَ بالمفهوم الحقيقيّ «قليلةً بالمقارنة مع بقيّة ضروب النّظم» — ولو كان الرّثاءُ منها لَما كانت قليلة.
⚖️ واحكمْ بـالغالبِ لا بـالمطلقِ: الكاتب نفسُه يحترس فيقول «في أغلبها». فالبابُ ليس مغلقا: قصيدةُ رثاءٍ قد ترتفع إلى الإنسانيّ، لكنّ الغالبَ غيرُ ذلك.
مَنْ مِنَ الشّعراء العرب جسَّد النّزعة الإنسانيّة في عصرنا الحديث؟
يسمّي النّصّ ثلاثةً، ويقف عند واحدٍ منهم:
  • عليّ الجارم — بقصيدته «الشّريد»؛
  • إيليا أبو ماضي — بقصيدته «النّفس الشّقيّة»؛
  • معروف الرّصافيّ (1875-1945م) — وهو الّذي أفرد له الكاتبُ بقيّةَ النّصّ.

ونصُّ التّعليل في القصيدة الرّصافيّة: إنّه «واحدٌ من قلّةٍ من الشّعراء الّذين نزعوا في شعرهم هذه النّزعة الإنسانيّة الصّادقة الفيّاضة بالتّعاطف والتّألّم والتّفجّع بمآسي أولئك المعذَّبين البائسين»، مع «التّطلّع إلى تخليصهم من آلامهم». ⟸ فليس عنده تعاطفٌ فحسبُ، بل تعاطفٌ يطلب الخلاص، وهذا ما يفصله عن شعراء الرّثاء.

عمَّ عبَّر ابنُ الرّوميّ في المقطع المذكور في النّصّ؟
عبّر عن حزنِه لوفاة ولدِه، والبيتان يقولانه صريحا:
  • البيت 1 — «بُنَيَّ الّذي أهدتْهُ كفّايَ للثّرى»: يدَ الأبِ هي الّتي وارتِ الابنَ التّرابَ، ثمّ «فيا عِزَّةَ المُهدَى ويا حسرةَ المُهدي!» — طباقُ الحال بين المُهدَى (الابنِ) والمُهدي (الأبِ)؛
  • البيت 2 — «عجبتُ لقلبي كيف لم ينفطرْ لهُ»: يعجب من قلبٍ لم ينشقَّ، وهو «أقسى من الحجــرِ الصَّلدِ».
  • ⟸ فجيعةٌ شخصيّةٌ في ابنٍ، لا في الإنسان عامّةً.
عمَّ عبَّر البارودي في المقطع المذكور في النّصّ؟
عبّر عن ألمِه لفَقْدِ زوجتِه، وهو ألمٌ مركَّبٌ يذكره في أربعة أبيات:
  • البيت 1 — الخطابُ للدّهر ومعاتبتُه: «يـا دهْرُ فيمَ فجعتَنـي بِحَليلَـةٍ»، وهي عنده «خلاصةَ عُدَّتي وعَتـــادي»؛
  • البيت 2 — يتجاوز نفسَه إلى أبنائه: «أفلا رَحِمْتَ مِن الأســى أولادي»؛
  • البيت 3 — يصوّر حالَهنّ بعده: «فَلَـمْ ينمْـنَ تَوَجُّعًا»؛
  • البيت 4 — يبلغ الغايةَ فيفدي بنفسه: «بالنَّفْسِ عنكِ لَكُنتُ أوّلَ فَـــادِ».
  • ⟸ وهو كسابقه: فجيعةٌ بذي رحمٍ، لا بالإنسان من حيث هو إنسان.
لماذا سلَّط كاتبُ النّصِّ الضّوءَ على معروف الرّصافيّ؟

لأنّه — وحدَه تقريبا — حقّق شرطَ النّزعة الإنسانيّة: أن يكون موضوعُ الشّعر الإنسانَ البائسَ، لا القريبَ المفقود. ويعدّد النّصّ ثلاثةَ أوجهٍ لهذا التّفرّد:

① موضوعاتُه كلُّها في المحرومين، والنّصّ يسمّي تسعَ قصائدَ:
  • «أمّ اليتيم» · «المطلّقة» · «الأرملة المرضعة» · «اليتيم في العيد» · «دار الأيتام»
  • «الفقر والسّقام» · «اليتيم المخدوع» · «ثالثة الأثافي» · «أمّ الطّفل في مشهد الحريق»
② شعورُه ليس تعاطفا ساكنا:
  • فيه «التّعاطف والتّألّم والتّفجّع بمآسي أولئك المعذَّبين البائسين»؛
  • وفيه «التّطلّع إلى تخليصهم من آلامهم ومواساتهم في محنهم وأزماتهم».
③ قضاياه إنسانيّةٌ عامّة، لا فرديّة: يطرح ما يشكّل «مأساة الإنسانيّة جمعاء» في صراعها مع سبعة أعداء يسمّيهم النّصّ:
  • الفقر · البؤس · المرض · التّشرّد · الجوع · الخوف · الاضطهاد
كيف استطاع هذا الأخيرُ أن يحقّق النّزعةَ الإنسانيّةَ في الشّعر العربيّ الحديث؟

بأسلوبٍ ذي ثلاث درجاتٍ متلاحقة، هي بناءُ النّصّ نفسِه من الفقرة الخامسة إلى السّابعة:

① الدّرجةُ الأولى — الوصفُ الخارجيّ:
  • «يَرْسُمُ الشّخصيّةَ المتألّمةَ من الخارج»، فيصوّر ملابسَها وشحوبَها ودموعَها وصوتَها ومسكنَها وعويلَها، «وصفًا دقيقًا كأنّه الصّورة الفوتوغرافيّة»؛
  • شاهدُه من «اليتيم في العيد»، البيت 1: «صبيٌّ صبيحُ الوَجهِ أسمرُ شاحبٌ».
② الدّرجةُ الثّانية — النّفاذُ إلى الدّاخل:
  • «ينفذ إلى أعماق تلك الشّخصيّة» فيبلور ما تحسُّ به، ويستخرج «ذلك الرّكامَ من الأحاسيس المفعمة بالمرارة والكآبة والألم والضّنك والأسى»؛
  • والشّرطُ الفنّيّ الّذي يذكره النّصّ: أن يجيء ذلك في سياقٍ شعوريٍّ «متناغمٍ مع ذلك الوصف الخارجيّ» — فلا ينفصل الباطنُ عن الظّاهر؛
  • شاهدُه من «أمّ الطّفل في مشهد الحريق»، البيت 1: «إنّي تجرَّدتُ من دُنيــايَ خاسـرةً».
③ الدّرجةُ الثّالثة — القالبُ القصصيّ:
  • يصوّر المعاناةَ في «قالبٍ قصصيٍّ سَرْديٍّ مشوّقٍ»؛
  • «تتوافر فيه عناصرُ القصّة كاملةً من بدايةٍ وتطوّرٍ ونهايةٍ وحلٍّ»؛
  • شاهدُه قصّةُ بشيرٍ وأختِه فاطمة: بدايةٌ (فقيرٌ أجيرٌ)، تطوّرٌ (مرضُ القلب)، نهايةٌ (الموت)، وحلٌّ («وادْفِنوهُ لكنْ بِقَلْبي ادْفنـوهُ»).
⭐ والغايةُ الّتي يختم بها الكاتب: أن يكون الشّعرُ «رسالةً للبشريّة جمعاء تدعو إلى الخير والحبّ والصّلاح والسّلام والتّعاون والوئام». فالوصفُ والنّفاذُ والقصّ وسائلُ، والرّسالةُ هي الغاية.

💬أناقش معطيات النّصّ

هنا لا يكفي أن تجد الجوابَ في سطرٍ: عليك أن تبنيَه. لاحظْ في كلّ إجابةٍ كيف يُساق الدّليل قبل الحكم — فذلك هو المطلوب منك في الامتحان.
هل مِن السّهل على الأديب أن يغوصَ في أعماق النّفس البشريّة ويحلّلَها؟ اشرحْ.

ليس بالأمر الهيّن، لأنّه يشترط اجتماعَ أربعةِ أمورٍ في وقتٍ واحد:

شروطُ الغوص في النّفس البشريّة:
  • التّصويرُ والوصفُ في وجهيهما معًا: الدّاخليّ والخارجيّ؛
  • انتقاءُ الموضوعات — فليس كلُّ موضوعٍ يحتمل هذا الغوص؛
  • استعمالُ لغةٍ دقيقة تُصيب الإحساسَ بلفظه؛
  • الموضوعيّةُ — أي ألّا يُسقِط الأديبُ نفسَه على من يصف.

وشاهدُ ذلك في النّصّ نفسِه: لم يبلغْ هذه المنزلةَ إلّا «قلّةٌ من الشّعراء»؛ ولو كان الأمرُ هيّنا لكثُر أهلُه.

لماذا، في رأيك، لَمْ تتبلورِ النّزعةُ الإنسانيّةُ بشكلٍ كبيرٍ في الشّعر العربيّ القديم رغم إحساس الشّعراء المرهف؟ استندْ في إجابتك على أبياتٍ تحفظها من الشّعر القديم.

السّببُ ليس ضعفَ الإحساس، بل وِجهتَه: لأنّها اعتمدت الذّاتيّةَ. كان الشّاعرُ القديم يكتب من ألمِه هو وفي مَن يخصُّه هو، فلم يتّسع الشّعورُ ليشمل الإنسانَ من حيث هو إنسان.

ومن الشّاهد على ذلك قولُ ابن الرّوميّ في رثاء ابنه:

ابن الرّوميّ
الصّدرالعجز
أُلامُ لِما أُبدي عليكَ من الأسىوإنّي لأُخفي منكَ أضعافَ ما أُبدي
وانظرْ كيف يشهد البيتُ للحكم:
  • الضّمائرُ كلُّها بين متكلّمٍ ومخاطَبٍ واحد: «أُلامُ»، «أُبدي»، «عليكَ»، «إنّي»، «منكَ»؛
  • ولا يظهر فيه طرفٌ ثالث — لا فقيرٌ ولا يتيمٌ ولا محرومٌ؛
  • ⟸ فالبيتُ في ذروة الصّدق، وهو مع ذلك ذاتيٌّ خالص — وهذا بعينه ما منع النّزعةَ الإنسانيّة من التّبلور.
هل يستطيع الشّعراءُ أن يُسهموا في تغيير مآسي الإنسان بواسطة الشّعر؟ أم أنّ ذلك موكولٌ إلى أهل الاختصاص؟

نعم يستطيعون، لأنّ في الشّعر رسالةً دقيقةً موجّهةً إلى الطّبقات المستضعفة. ومثالُه إيليا أبو ماضي، الّذي أراد السّموّ مبتغيا تجسيدَ القيم الأدبيّة والأخلاقيّة الملتزمة مع الموضوعيّة.

وبناءُ الحجّة من النّصّ نفسِه:
  • الشّعرُ عند الكاتب يجب أن يحمل «رسالةً للبشريّة جمعاء تدعو إلى الخير والحبّ والصّلاح والسّلام والتّعاون والوئام»؛
  • والرّصافيُّ لم يقفْ عند التّصوير، بل بلغ «التّطلّع إلى تخليصهم من آلامهم»؛
  • ⟸ فدورُ الشّاعر التّوعيةُ وتحريكُ الضّمير، ودورُ أهل الاختصاص المعالجةُ؛ وهما متكاملان لا متعارضان: لا يتحرّك المختصُّ في قضيّةٍ لم يشعرْ بها المجتمعُ.
في كلّ نصٍّ أدبيٍّ لا بُدَّ أن نَلْمَسَ بُعْدًا إنسانيًّا، ولو إشارةً. هل لاحظتَ ذلك فيما درسْتَ من نصوصٍ أدبيّةٍ هذه السّنة؟ قِفْ على نموذجٍ منها وحلِّلْ هذا البُعدَ في فقرةٍ موجزة.
⛔ هذا السّؤال إنتاجٌ منك: هو يسألك عمّا لاحظْتَ أنتَ في نصوصٍ درسْتَها أنتَ. ولذلك لا تجد هنا فقرةً محرَّرة — تجد طريقةَ تحريرها.
① اخترِ النّموذجَ باختبارٍ، لا بالذّوق. اسألْ عن النّصّ ثلاثةَ أسئلة:
  • هل فيه إنسانٌ يتألّم، أو فئةٌ تتألّم؟ (لا فكرةٌ مجرّدة)
  • هل يتجاوز الشّاعرُ فيه نفسَه إلى غيره؟
  • هل ينتهي إلى موقفٍ — دعوةٍ أو رفضٍ أو مواساة؟
  • ⟸ إن أجبْتَ بنعم ثلاثَ مرّاتٍ فالنّصّ صالحٌ؛ وإن كانت واحدةٌ فقط، فالبعدُ فيه إشارةٌ لا أكثر — وهذا كافٍ، فصيغةُ السّؤال نفسِها تقول: «ولو إشارةً».
② حلّلْ في أربع خطواتٍ، وهي بنيةُ فقرتك:
  • حدّدِ الفئةَ الّتي وقف عندها النّصّ (يتيمٌ، أرملةٌ، مشرّدٌ، شعبٌ مستعمَرٌ...)؛
  • استخرجْ شاهدًا واحدًا — بيتًا أو عبارةً — واذكرْ رقمَه؛
  • بيّنِ الوسيلةَ الفنّيّة: أوصفٌ خارجيٌّ هو، أم نفاذٌ إلى الدّاخل، أم قالبٌ قصصيّ؟ (وهي الدّرجاتُ الثّلاثُ الّتي عدّدها هذا النّصّ عند الرّصافيّ)؛
  • اختمْ بالغاية: إلى ماذا يدعو النّصّ؟
③ احترسْ من فخّين يُسقِطان كثيرا من التّلاميذ:
  • ⛔ لا تخلطْ بين البعد الإنسانيّ والعاطفة الشّخصيّة: الحزنُ على قريبٍ ليس بعدًا إنسانيّا، وهذا هو درسُ النّصّ كلِّه؛
  • ⛔ لا تسردِ النّصَّ الّذي اخترتَه؛ المطلوب تحليلُ بُعدٍ واحدٍ فيه، في فقرةٍ موجزة.

✅أستخلص وأسجّل

هذه المحطّةُ عملٌ تكتبه، لا جوابٌ تطالعه. يطلب منك الدّرسُ فيها ثلاثةَ أشياء: نثرًا لمقطعٍ شعريّ، وفكرةً عامّةً للنّصّ، وتسجيلًا لفقرةٍ تحفظها. وستجد لكلٍّ منها الطّريقَ، ثمّ نموذجًا تقابل به عملَك.
① عُدْ إلى النّصّ وأعِدْ صياغةَ المقطع الشّعريّ الثّاني الّذي اعتمده الكاتبُ في تحليل النّزعة الإنسانيّة عند الرّصافيّ، بأسلوبٍ نثريّ.
أوّلا، حدّدِ المقطعَ المقصود — واعتمدْ ترتيبَ النّصّ لا ترتيبَ ذوقك:
  • المقطعُ الأوّل: «اليتيم في العيد» — وهو شاهدُ الوصف الخارجيّ؛
  • المقطعُ الثّاني: «أمّ الطّفل في مشهد الحريق» — وهو شاهدُ النّفاذ إلى الدّاخل، وهو المطلوب؛
  • المقطعُ الثّالث: قصّةُ بشيرٍ — وهو شاهدُ القالب القصصيّ.
ثانيا، اتّبعْ قواعدَ النّثر الأربعَ:
  • انقلِ المعنى لا اللّفظَ: لا تُبقِ عبارةَ الشّاعر كما هي؛
  • ابدأْ بالسّياق الّذي وضعه الكاتبُ حول الأبيات، فهو جزءٌ من المعنى؛
  • احتفظْ بترتيب الأحاسيس كما وردت: المرارةُ، الكآبةُ، الألمُ، الضّنكُ، الأسى؛
  • اختمْ بالحالة الّتي انتهت إليها الأمّ، فهي نتيجةُ المشهد لا زينةٌ فيه.
نموذجٌ محلول — اكتبْ أوّلا، ثمّ قابلْ

«نفَذ الشّاعرُ إلى أعماق أمٍّ بائسةٍ يائسةٍ منكسرةٍ محزونة؛ يبلور ما تحسُّ به ويستخرج ذلك الرّكامَ من الأحاسيس المفعمة بالمرارة والكآبة والألم والضّنك والأسى في سياقٍ شعوريٍّ متناغم، إذ يُسمِعُنا الشّاعرُ أنّاتِ وعويلَ أمٍّ احترق طفلُها في حريقٍ شبَّ فلم تُبْقِ نارُه ولم تذرْ، فما كان منها إلّا أن أخذت تولول وتصرخ وتلطم خدَّيها، وحُقَّ لها ذلك في حالٍ أقربَ إلى الجنون.»

⚖️ قابلْ نثرَك بهذا لا لتنسخَه، بل لتحصيَ: هل ذكرْتَ الأحاسيسَ الخمسةَ كلَّها؟ وهل بقيتْ في نصّك عبارةٌ منقولةٌ من البيت كما هي؟ وهل انتهيْتَ إلى الحال الّتي هي «أقربَ إلى الجنون»، أم وقفْتَ قبلها؟
② حدِّدِ الفكرةَ العامّةَ للنّصّ.
الفكرةُ العامّةُ ليست ملخّصًا: هي جملةٌ واحدةٌ تحكم. وتُبنى في ثلاث خطوات:
  • ① اسألْ: ما الطّرفان اللّذان يدور بينهما النّصّ كلُّه؟ (هنا: شعرُ الرّثاء الذّاتيّ / الشّعرُ الإنسانيّ)؛
  • ② اسألْ: ما الحكمُ الّذي أصدره الكاتبُ على كلٍّ منهما؟ (الأوّلُ كثيرٌ لكنّه انطباعٌ عابر / الثّاني قليلٌ وهو المطلوب)؛
  • ③ اسألْ: مَن المثالُ الّذي ضربه للثّاني؟ (الرّصافيُّ) وبمَ حقّقه؟ (وصفٌ خارجيّ، نفاذٌ إلى الدّاخل، قالبٌ قصصيّ).
نموذجٌ محلول للفكرة العامّة

«يبيّن الكاتبُ أنّ شعرَنا العربيّ زاخرٌ بالمشاعر الإنسانيّة الصّادقة، غير أنّ أغلبَها صادرٌ عن نفسٍ مفجوعةٍ بقريبٍ ذي رحمٍ فهو انطباعٌ عابرٌ لا نزعةٌ إنسانيّة، وأنّ الشّعر الّذي يتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه قليلٌ، وقد مثّل له بمعروف الرّصافيّ الّذي رسم البائسين من الخارج ونفذ إلى أعماقهم وصاغ معاناتَهم في قالبٍ قصصيّ، ليكون الشّعرُ رسالةً للبشريّة جمعاء تدعو إلى الخير والسّلام.»

⚖️ اختبرْ فكرتَك بسؤالٍ واحد: هل تصلح جملتُك لنصٍّ آخر؟ إن صلحتْ فهي عامّةٌ أكثرَ من اللّازم؛ الفكرةُ العامّةُ يجب أن تكون فكرةَ هذا النّصّ وحده.
③ سَجِّلْ: «أمَّا الأشعارُ الّتي تتناول الإنسانَ …… أبي ماضي «النّفس الشّقيّة».»

هذه ليست سؤالا بل أمرًا بالتّسجيل: الفقرةُ الآتية هي مفتاحُ النّصّ، وفيها يُعرَّف الشّعرُ الإنسانيُّ ويُقاس به ما سواه. انقلْها في كرّاسك كما هي واحفظْها:

المقطعُ الّذي تسجّله — من الفقرة الثّالثة

«أمّا الأشعارُ الّتي تتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه، تصوّر آلامَه وتبلور أحلامَه وتبرز إحساسَه، فأشعارٌ قليلةٌ بالمقارنة مع بقيّة ضروب النّظم وأغراضه في شعرنا العربيّ لا سيّما الحديث، كقصيدة «الشّريد» لعليّ الجارم وقصيدة إيليا أبي ماضي «النّفس الشّقيّة».»

ولماذا هذه الفقرةُ بالذّات؟ لأنّها وحدَها تجمع ثلاثةَ أشياء:
  • تعريفَ الشّعر الإنسانيّ (يتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه)؛
  • حكمًا عليه (فأشعارٌ قليلة)؛
  • شاهدَين عليه («الشّريد» و«النّفس الشّقيّة») تستشهد بهما في أيّ موضوع.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — في مجال قواعد اللّغة : إذْ، حينئذٍ

انطلاقُ هذا الدّرس من النّصّ نفسِه: البيتُ الثّاني من قصّة بشيرٍ يحمل «إذْ». وسنمشي في أربع محطّات: معناها الأصليّ، ثمّ إعرابُها، ثمّ حينئذٍ وأخواتُها، ثمّ الحالاتُ الّتي تخرج فيها عن الظّرفيّة.

① المحطّة الأولى — ما الّذي أفادته «إذْ» في النّصّ؟

الشّاهدُ من النّصّ — معروف الرّصافيّ
الصّدرالعجز
فَـرَأَتْ منه إذْ دنَتْ نحوَ فيهِنفَسًا مبطئَ التَّرَدُّدِ فيهِ
ما المعنى الّذي أفادتْه «إذْ» في هذا السّياق؟
لا شكَّ أنّه معنى الظّرفيّة، وتفصيلُه:
  • أفادتْ زمنًا — أي وقتًا أو حينًا، والحدثُ هو (دنَتْ)؛
  • وهذا الزّمنُ ماضٍ؛
  • وهو مبهمٌ (غيرُ محدَّد): لا يقول لنا الشّاعرُ متى بالضّبط دنَتْ.
  • ⟸ فـ«إذْ» ظرفٌ لزمنٍ ماضٍ مبهم، وهذا أصلُها الّذي تُحمَل عليه.

② المحطّة الثّانية — إلامَ تُضاف؟ وكيف تُعرَب؟

شاهدٌ آخر — قولُ الشّاعر
الصّدرالعجز
فَرِحْنَا إِذْ قَدِمْتَ قُدُومَ سَعْدٍوإِذْ رُؤْيَاكَ في الأَيَّامِ عِيدُ
إلامَ أُضيفتْ «إذْ» في البيت؟ وما إعرابُها؟
لعلّك أدركْتَ أنّها أُضيفتْ إلى جملتين مختلفتَي النّوع:
  • في الصّدر: أُضيفتْ إلى جملةٍ فعليّة — «قَدِمْتَ»؛
  • في العَجُز: أُضيفتْ إلى جملةٍ اسميّة — «رُؤْيَاكَ … عِيدُ».
  • ⟸ فهي تُضاف إلى النّوعين معًا، وهذه أوّلُ خصائصها.
⭐ وعليه يكون إعرابُها: «إذْ» ظرفُ زمانٍ مَبْنيٌّ على السّكون في محلّ نصبٍ على الظّرفيّة، وهو مضافٌ؛ والجملةُ الفعليّةُ أو الاسميّةُ بعده في محلّ جرٍّ مضافٌ إليه.

③ المحطّة الثّالثة — تنبيهٌ: من أين جاءت «حينئذٍ»؟

قد يُحذف المضافُ إليه — أي الجملةُ الفعليّةُ أو الاسميّةُ الّتي تلي «إذْ» — وينوب عنها تنوينٌ يُسمّى تنوينَ العِوَض، نحو قوله تعالى:

﴿ … ﴾ — الواقعة: 83-84

﴿فلولا إذا بَلَغَتِ الحُلْقومَ، وأنتُمْ حينئذٍ تَنْظُرون…﴾

ما تقديرُ الكلام؟ وكيف تُعرَب «إذٍ» المنوَّنةُ في «حينئذٍ»؟
خطوتان:
  • التّقدير: «وأنتم حينَ إذْ بلغتِ الحلقومَ تنظرون» — فالجملةُ محذوفةٌ، وقد نابَ عنها التّنوين؛
  • الإعراب: «إذٍ» المنوَّنةُ بالكسر ظرفُ زمانٍ مبنيٌّ على السّكون المقدَّر، منع من ظهوره تنوينُ العِوَض، في محلّ جرٍّ بالإضافة (لأنّها أُضيفت إليها «حينَ»).
ومؤدَّى هذا الكلام أنّ «إذْ» ترد على وجهين:
  • أ – مضافًا — إلى جملةٍ فعليّةٍ أو اسميّة؛
  • ب – مضافًا إليه — في التّراكيب، نحو: حينئذٍ · ساعتئذٍ · وقتئذٍ…
💡 وهكذا تُفسَّر كلُّ هذه الكلمات: حينَ + إذٍ ، ساعةَ + إذٍ ، وقتَ + إذٍ. فما هي كلمةٌ واحدة، بل ظرفان اتّصلا، والتّنوينُ فيها عوضٌ عن جملةٍ محذوفة.

④ المحطّة الرّابعة — متى تخرج «إذْ» عن الظّرفيّة؟

تأمّلِ الآن الآيتين الكريمتين:

الآيةُ الأولى — الأعراف: 86

﴿واذْكُروا إِذْ كُنْتُمْ قَليلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾

الآيةُ الثّانية — مريم: 16

﴿واذكُرْ في الكتابِ مريمَ إذِ انْتَبَذَتْ من أهلِها مكانًا شَرْقيًّا…﴾

هل فقدتْ «إذْ» معنى الظّرفيّة؟ وما محلُّها من الإعراب في كلّ آية؟
نعم، خرجتْ عن الظّرفيّة، ومحلُّها يختلف في الآيتين:
  • في الآية الأولى: هي في محلّ نصبٍ مفعولًا به للفعل «اذكروا»؛
  • في الآية الثّانية: هي في محلّ نصبٍ بدلَ اشتمالٍ من المفعول به «مريمَ»، وحُرِّكتْ بالكسر لالتقاء السّاكنَين — ولذلك قرأْتَ «إذِ انتبذتْ».

وتأمّلِ الآن العبارتَين الآتيتين:

عبارتان للتّأمّل:
  • أ – بينما كنّا نائمَين إذْ رنَّ الهاتفُ.
  • ب – كافأْتُ المجتهدَ إذْ نجح.
ما المعنى الّذي أفادتْه «إذْ» في كلّ جملة؟ وهل أثّرتْ فيما تبعها؟
أجبْ عن أسئلة الدّرس واحدًا واحدًا، والنّتيجةُ تظهر وحدها:
  • ماذا وقع في أوّل الجملة «أ»؟ وقع «بينما»، وهي ظرفُ زمانٍ يدلّ على المفاجأة؛ فالحدثُ (رنينُ الهاتف) باغَتَ حالًا قائمة. ⟸ «إذْ» هنا للمفاجأة؛
  • ما علاقةُ النّجاح بالمكافأة في الجملة «ب»؟ النّجاحُ سببُ المكافأة، لا وقتُها. ⟸ «إذْ» هنا للتّعليل؛
  • هل أثّرتْ فيما تبعها؟ لا: لم تُضَفْ إلى ما بعدها كما تُضاف الظّرفيّةُ، لأنّها لم تعدْ ظرفًا يطلب مضافًا إليه.
  • ⟸ وبإجابتك على هذه الأسئلة يتبيّن لك أنّ «إذْ» لم تحتملْ معنى الظّرفيّة في الجملتين.
⭐ فائدة — من الدّرس نفسِه، احفظْها فهي كثيرةُ الورود في الامتحان:
① الغالبُ على «إذْ» الواقعةِ في أوائل قصص القرآن الكريم أن تكون في محلّ نصبٍ مفعولًا به لفعلٍ محذوفٍ تقديرُه «اذْكُرْ»، نحو:
  • ﴿وإِذْ قالتِ الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ﴾ (آل عمران: 42)
② إذا لم تُنوَّنْ «إذْ» وجب فصلُها إذا اتّصلت بالظّروف: «عند» و«ساعة» و«بعد»، نحو:
  • ﴿ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ (آل عمران: 8)
⚖️ وانتبهْ إلى الفرق: في ﴿بَعْدَ إذْ هديتَنا﴾ بقيتِ الجملةُ («هديتَنا») فلم يُحتَجْ إلى تنوينِ عِوَضٍ، ولذلك فُصِلتْ «إذْ» عن «بَعْدَ». أمّا في «حينئذٍ» فقد حُذفتِ الجملةُ، فنابَ التّنوينُ عنها واتّصلتْ «إذٍ» بـ«حينَ». ⟸ الوصلُ والفصلُ تابعان لبقاء الجملة وحذفِها، لا للذّوق.

Page 1/3

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net