Langue arabe🎓 objectif bac

المحور 11 الفن المسرحي في المشرق

اللغة و الشخصية

🔊 La maîtresse lit pour toi

📜النّصّ

عبد المجيد مزيان مفكّرٌ جزائريّ، والنّصُّ من مجلّة «الثّقافة» (الجزائر). وموضوعُه: العلاقةُ بين اللّغة والشّخصيّة — لا من جهة النّحو والصّرف، بل من جهة الوجود: ماذا يحدث لأمّةٍ حين تزهد في لسانها؟ ⚖️ وطريقتُه في البناء لافتة: يبدأ بصورةٍ حادّة (المرآةُ المشوّهة)، ثمّ ينتقل إلى التّحليل (اللّغةُ مرآةُ المجتمع)، ثمّ إلى الحجاج (الإنجليزيّ والفرنسيّ ينفقان الأموال)، ثمّ يختم بالمراجعة الذّاتيّة (هل نحن اليوم أوعى؟).
⭐ سؤالُ الدّخول. يقول الكاتبُ في نصّه إنّ الّذين يذمّون لغتَهم يصفونها بأنّها «لغةُ الشّعر والعاطفة» و«لغةُ القرون الوسطى». ثمّ يفعل شيئا غيرَ متوقّع: لا ينفي الوصفين — بل يقلبهما على أصحابهما. فكيف يصنع ذلك؟ اقرأِ الفقرةَ الرّابعة بتمهّل، فهي قلبُ الحجّة، ولا تفتحْ إجابةً قبل أن تكتبَ إجابتَك.

توجد في كثيرٍ من بلاد العالم اليوم طوائفُ من المثقّفين لُقّنت النّقدَ الذّاتيَّ من مَرايا مشوّهة تعكس لهم وجوهَهم في أبشع الصّور وحسب الرّسوم الّتي يرسُمها لهم مستعمروهم القدماء، وينتج عن هذا التّشويه أنّهم كرهوا صورتَهم أشدّ الكراهية وأرادوا استعارةَ وجهٍ جديد. أعطني صورتَك أتقنّعْ بها، أعطني دماغَك أفكّرْ به، أعطني يدَك أعملْ بها، أعطني لسانَك أتكلّمْ به. ولو سمعنا إنسانا ينطق بهذه العبارات لقلنا إنّه يهذي، إنّنا تعوّدنا في لساننا العربيّ أن نسمّي هذيانَ الطّائفة الاجتماعيّة استلابا واغترابا.

إنّ المجتمع المسلوبَ الثّقافةِ يشابه الشّخصَ المسلوبَ العقلِ، والاغترابُ الأكبر هو أن تغترب عن قومك فيجدونك تتكلّم معهم بلسان الآخرين، والإفراطُ في الجنون والاستلاب هو أن تقول لقومك اغتربوا جميعا حتّى تصيروا مثلي لأنّني بخير.

ومن الملابسة أن نقذف بلغتنا بعيدا عن وجودنا كأنّها الشّيءُ المنفصل عن كياننا ونَنصُبَ عليها اللّعنات فنسمّيها لغةَ القرون الوسطى، ولغةَ الشّعر والعاطفة وأخيرا لغةَ الرّجعيّة والرّجعيّين.

إنّ لغةَ مجتمعٍ ما تعكس حياةَ هذا المجتمع بكلّ إخلاص، فإذا قلنا إنّ لغتنا لغةُ الشّعر والعاطفة فمعنى هذا أنّ مجتمعنا مجتمعُ الشّعر والعاطفة.

وإذا قلنا وصحّ قولُنا: إنّها لغةُ القرون الوسطى فمعنى هذا أنّنا لا زلنا نعيش حياةَ القرون الوسطى. وبما أنّ اللّغةَ ليست إلّا جزءا من إنتاج المجتمعات ونشاطاتها فعلينا أن نلوم أنفسَنا عن كلّ عجزٍ يلاحظ في لغتنا، ولا يمكن أن تتصوّر عزمَ أمّةٍ متخلّفة على الإقلاع عن التّخلّف دون أن تتصوّر عزمَها على محاربة الأمّيّة ودون أن تتصوّر عزمَها على النّهوض بلغتها بكلّ إسراع. إلّا أن تكون أمّةً تعيش أشَدَّ الاستلاب وَطْأَة وهو الاستلابُ الثّقافيّ الّذي ينبئ بالانقراض القريب.

وإنّه لمن الملابسة أن تقول إنّ التّمسّك باللّغة الوطنيّة أمرٌ عاطفيّ أكثرَ ممّا هو عقلانيّ ومنهجُ التّغلّب على مظاهر التّخلّف لا يتطلّب إلّا العقلَ الباردَ الصِّرف وأعترف أنّي لو سئلتُ لماذا أحبّ لغتي الوطنيّة لوقع منّي التّهافتُ على التماس الأدلّة العقليّة ولكنّها أدلّةٌ ستغطّي الواقعَ العميق، وهو أنّ حبّ الإنسان للغته أمرٌ شعوريّ لولاه ولولا شعوراتٌ أخرى مثل الاعتزاز بالوطن والتّضحية من أجله، لما كانت هناك أوطانٌ أو أممٌ يفاخر بعضُها البعض، ولا يتجاهل هذه الحقيقةَ المتجاهلون لأحوال المجتمعات ولو سألنا الإنجليزيَّ والفرنسيَّ لماذا تصرف الأموالَ الضّخمة في مختلف بقاع العالم من أجل التّحصيل على إشعاعٍ ثقافيّ للّغة الإنجليزيّة واللّغة الفرنسيّة، لقيل لنا: نحن أممٌ تحبّ لغاتِها وتتمنّى لها الانتشار في جميع الأنحاء، ولو تناولنا بالبحث ظاهرةَ حِرْص الأمم على نَشْر لغاتها لوجدنا أنّ النّاحية العاطفيّة لا تقلّ أهمّيّةً فيها عن النّواحي المصلحيّة.

وإذا كانت العاطفةُ شبهَ جريمةٍ في الميدان العلميّ الصّرف، لأنّها مفسدةٌ للبحث النّزيه، فإنّه من الجريمة في ميدان التّمسّك بالوطن واللّغة أن لا تكون هناك عاطفة أو أن نلابس على انعدامها عند الأمم الضّعيفة باللّجوء إلى العقلانيّات الّتي تبرّر التّحوّل الثّقافيّ المهيّأ للذّوبان.

ونكاد نتساءل هل نحن اليوم أكثرُ وعيا أم كان وعيُنا أقوى منذ عشرين سنة؟ لقد كان الضّغطُ الاستعماريّ يجري علينا مباشرة إذ ذاك، وكنّا ننتبه بسببه إلى مخطّطات العدوّ ونحاول إحباطَها في أنفسنا قبل كلّ شيء، وكنّا نشاهد التّفكّكاتِ العميقة الّتي يتعرّض لها مجتمعُنا وندرك بالبصر واللّمس الّذي لا يحتاج إلى التّحليل، أنّ أمّتنا مُهَدّدةٌ بالانقراض من كلّ جانب، وكنّا نتمسّك ببقايا من ثقافتنا كآخر وسيلةٍ للنّجاة، أمّا الآن وقد زال الخطرُ المباشر فيظهر أنّ انتباهَ الكثير منّا قد عرف بعضَ الفتور. لقد أصبحنا نتكلّم عن ثنائيّة الأصالة والتّفتّح كشعارٍ يفهمه كلٌّ منّا حسب تكوينه الحاليّ، مع جهدٍ قليلٍ فيما يخصّ التّأصّل.

ولا غرابةَ أنّنا نجد بعضَ المثقّفين يضيقون بمفهوم الأصالة لحصره في حدود الثّقافات الشّعبيّة أو لحصره في شبه تقليدٍ لأسلافنا مع التّكاسل عن الأصالة الحقيقيّة الّتي هي الخلقُ والإبداعُ الّذي تتطلّبه النّهضةُ الواجبة على أجيالنا الحاضرة.

المصدر: مجلّة «الثّقافة» (الجزائر) — عبد المجيد مزيان.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

1 - ما هي المشكلة الحضاريّة الّتي يعالجها الكاتب؟ ما هي خطورتُها؟

المشكلةُ هي الاستلابُ الثّقافيّ — أن يزهد قومٌ في ثقافتهم ولسانهم فيستعيروا وجهَ غيرهم. والكاتبُ يسمّيها بلفظين اثنين في آخر الفقرة الأولى: «استلابا واغترابا».

كيف يعرّفها النّصُّ، في ثلاث درجات متصاعدة
  1. أصلُها تشويهٌ في المرآة: طوائفُ «لُقّنت النّقدَ الذّاتيَّ من مَرايا مشوّهة» ترسمها لهم «مستعمروهم القدماء»؛
  2. فأثمر كراهيةً للذّات: «كرهوا صورتَهم أشدّ الكراهية وأرادوا استعارةَ وجهٍ جديد»؛
  3. فبلغ حدَّ الدّعوة إليه: «أن تقول لقومك اغتربوا جميعا حتّى تصيروا مثلي لأنّني بخير» — وهذا ما يسمّيه «الإفراطَ في الجنون والاستلاب».
⭐ وأمّا الخطورةُ فيسمّيها الكاتبُ باسمها، ولا يترك للقارئ أن يخمّنها: «الاستلابُ الثّقافيُّ الّذي ينبئ بالانقراض القريب». ⚖️ ولاحظِ الكلمة: انقراض — وهي كلمةٌ تُقال في الأحياء لا في الثّقافات، فاختيارُها مقصود. وقد كرّرها في آخر النّصّ شاهدا على أنّها ليست مبالغة: «أنّ أمّتنا مُهَدّدةٌ بالانقراض من كلّ جانب». ⛔ والدّرجةُ الثّانية من الخطورة يعقدها بتشبيهٍ في مطلع الفقرة الثّانية: «إنّ المجتمع المسلوبَ الثّقافةِ يشابه الشّخصَ المسلوبَ العقلِ» — فالخطرُ إذن على الأهليّة نفسِها، لا على الذّوق.
2 - تطرّق الكاتب إلى قوّة وضعف لغة أمّةٍ ما. فإلى أيّ عاملٍ يردّ الكاتبُ هذا الضّعف؟ وما الغاية الّتي أرادها من وراء تحليله؟

يردّ الضّعفَ إلى المجتمع نفسِه، لا إلى اللّغة. وهذه هي الفكرةُ المركزيّة في النّصّ، وهي مبنيّةٌ على مقدّمةٍ يصرّح بها: «إنّ لغةَ مجتمعٍ ما تعكس حياةَ هذا المجتمع بكلّ إخلاص».

كيف يقلب الكاتبُ الاتّهامَ على أصحابه
ما يقوله خصومُ اللّغةما يستنتجه الكاتبُ من كلامهم نفسِه
«لغتُنا لغةُ الشّعر والعاطفة»«فمعنى هذا أنّ مجتمعنا مجتمعُ الشّعر والعاطفة»
«إنّها لغةُ القرون الوسطى»«فمعنى هذا أنّنا لا زلنا نعيش حياةَ القرون الوسطى»
⭐ وهذه أجملُ حركةٍ حِجاجيّةٍ في النّصّ، فسمِّها في جوابك: الكاتبُ لا ينفي الوصفَ، بل يقبله ثمّ يردّه على قائله. ⚖️ ولا يستطيع خصمُه أن يتراجع: لو أنكر النّتيجةَ لَزِمه أن ينكر مقدّمتَه. ⟸ والحجّةُ الّتي تقوم على تسليم الخصم أقوى من الّتي تقوم على تكذيبه.

والمقدّمةُ الّتي تسند ذلك كلَّه يقولها بعدُ صراحةً: «وبما أنّ اللّغةَ ليست إلّا جزءا من إنتاج المجتمعات ونشاطاتها فعلينا أن نلوم أنفسَنا عن كلّ عجزٍ يلاحظ في لغتنا».

وأمّا الغايةُ من التّحليل فمزدوجة
  • نقلُ اللّوم من اللّغة إلى أهلها — «فعلينا أن نلوم أنفسَنا»؛
  • والدّعوةُ إلى عملٍ محدّدٍ لا إلى شعور: النّصُّ يقرن النّهوضَ باللّغة بشرطين عمليّين، «محاربة الأمّيّة» و«النّهوض بلغتها بكلّ إسراع»، ويجعلهما لازمَين لأيّ «عزمِ أمّةٍ متخلّفة على الإقلاع عن التّخلّف».
3 - وإن لم يشرِ الكاتبُ إلى علاج هذه الظّاهرة، فقد لمّح إلى ذلك بطريقةٍ غير مباشرة. فما الحلّ الّذي لمّح إليه في نظرك؟
⚖️ السّؤالُ يعترف بأنّ العلاجَ غيرُ مصرّحٍ به، ويطلب منك أن تستخرج التّلميح. ⟸ إذن لا يُنقل جوابٌ، بل تُجمع القرائن. وهذه القرائنُ الأربع كلُّها في النّصّ:
قرائنُ العلاج، مستخرَجةً من مواضعها
  • قرينةُ اللّوم: «فعلينا أن نلوم أنفسَنا» ⟸ العلاجُ يبدأ بالاعتراف لا بالدّفاع عن اللّغة؛
  • قرينةُ الشّرطين العمليّين: «محاربة الأمّيّة» و«النّهوض بلغتها بكلّ إسراع» ⟸ العلاجُ عملٌ تربويّ، لا خطابةٌ في فضل العربيّة؛
  • قرينةُ الأمم الأخرى: الإنجليزيُّ والفرنسيُّ يصرفان الأموالَ الضّخمة لنشر لغتيهما ⟸ العلاجُ يقتضي استثمارا وسياسةً لغويّة، لا عاطفةً وحدَها؛
  • قرينةُ الخاتمة، وهي أدقُّها: الأصالةُ الحقيقيّةُ ليست «لحصره في حدود الثّقافات الشّعبيّة» ولا «شبهَ تقليدٍ لأسلافنا»، بل هي «الخلقُ والإبداع الّذي تتطلّبه النّهضةُ الواجبة» ⟸ العلاجُ إنتاجٌ بهذه اللّغة، لا حراسةٌ لها.
⭐ فاجمعْ ذلك في جملةٍ واحدة: العلاجُ عند الكاتب ليس الدّفاعَ عن اللّغة، بل جعلُها لغةَ إنتاجٍ حيّ — تُحارَب بها الأمّيّة، وتُنفَق عليها الأموال، ويُخلَق بها الجديد. ⚖️ ⛔ وانتبهْ إلى أنّ السّؤال يقول «في نظرك»: فصياغةُ الجملة لك، لكنّ القرائنَ الأربع يجب أن تظهر في جوابك.

💬أناقش معطيات النّصّ

1 - ما رأيك فيما ذهب إليه الكاتب من أحكام؟ استندْ إلى حججٍ وشواهدَ في حكمك.
⛔ الرّأي لك، ولا يُملى. ⚖️ لكنّ السّؤال يشترط «حججا وشواهد»، والدّرسُ يعطيك الميزانَ: ما الّذي أقام عليه الكاتبُ دليلا، وما الّذي أرسله حكما.
ميزانُ أحكام الكاتب
حكمٌ مسنودٌ بدليلحكمٌ مرسَلٌ بلا دليل
اللّغةُ مرآةُ المجتمع — أقام عليه استدلالا مقبولا (تسليمُ الخصم ثمّ ردُّ النّتيجة)«مَرايا مشوّهة» يرسمها «مستعمروهم القدماء» — تفسيرٌ للنّوايا، لا يقدّم عليه شاهدا
الأمم تنفق على لغاتها — شاهدٌ واقعيٌّ قابلٌ للتّحقّق (الإنجليزيّة، الفرنسيّة)«هل نحن اليوم أكثرُ وعيا أم كان وعيُنا أقوى منذ عشرين سنة؟» — موازنةٌ بين حالين بلا مقياس، والكاتبُ نفسُه يصدّرها بـ«ونكاد نتساءل»
العاطفةُ ركنٌ في التّمسّك باللّغة — برهنَ عليه باعترافٍ على نفسه («لو سئلتُ... لوقع منّي التّهافت على التماس الأدلّة العقليّة»)«التّكاسلُ» عن الأصالة الحقيقيّة — وصفٌ لنيّةٍ، لا لفعلٍ يمكن قياسه
كيف تحرّر رأيك في أربع خطوات
  1. ١ — لا تحكمْ على النّصّ كلِّه بحكمٍ واحد: اختر حكمين، واحدا تقبله وآخر تتحفّظ عليه.
  2. ٢ — اذكرْ لكلٍّ منهما شاهدَه من النّصّ بلفظه.
  3. ٣ — وإن تحفّظتَ، فتحفّظْ على الدّليل لا على الرّأي: قلْ الدّعوى وجيهةٌ والدّليلُ لا يكفيها، فذلك نقدٌ؛ وقولُ أنا لا أوافق بلا أكثر انطباعٌ.
  4. ٤ — واختمْ بما يلزم لإتمام الحجّة: أيّ معطًى كان ينقص الكاتبَ ليصير حكمُه برهانا؟ ⭐ والنّصُّ يمدّك بالجواب: هو نفسُه يدعو إلى «تناولنا بالبحث» — فما دعا إليه في موضعٍ لم يفعلْه في مواضعَ أخرى.
2 - اجعلْ للنّصّ هيكلةً فكريّةً مع التّأكيد على الرّوابط الّتي تشدّ الفقرات بعضَها إلى بعض.
هيكلةُ النّصّ الفكريّة — أربعةُ أقسام
القسمفكرتُهالرّابطُ الّذي يشدّه بما قبله
① التّشخيص (الفقرتان 1-2)الاستلابُ: مثقّفون كرهوا صورتَهم فاستعاروا وجهَ غيرهم — وهو جنونٌ في ميزان اللّغة— (مطلعُ النّصّ)
② التّحليل (الفقرات 3-5)اللّغةُ مرآةُ المجتمع؛ فما يُعاب عليها إنّما يُعاب على أهلها«ومن الملابسة أن...» ثمّ «إنّ لغةَ مجتمعٍ ما...» — انتقالٌ من الوصف إلى التّعليل
③ الحجاج (الفقرتان 6-7)التّمسّك باللّغة ليس عاطفةً زائدة: الأممُ القويّة تفعله وتنفق عليه«وإنّه لمن الملابسة أن تقول...» — يفتتح بردٍّ على اعتراضٍ متوقّع
④ المراجعة (الفقرتان 8-9)هل فترنا بعد زوال الخطر المباشر؟ والأصالةُ الحقيقيّةُ خلقٌ لا تقليد«ونكاد نتساءل...» — انتقالٌ من الحجاج إلى مساءلة الذّات
⭐ والرّوابطُ في هذا النّصّ ليست حروفَ عطفٍ فحسب: هي إعلاناتُ انتقال. لاحظْ أنّ ثلاثةً من الأقسام الأربعة تفتتح بصيغةٍ تعلن نوعَها: «ومن الملابسة أن» (نفيُ خطإٍ شائع) · «وإنّه لمن الملابسة أن تقول» (نفيُ خطإٍ ثانٍ) · «ونكاد نتساءل» (مساءلة). ⚖️ ⟸ حين تُطلب منك «هيكلةٌ فكريّة»، ابحثْ عن الجمل الّتي يعلن بها الكاتبُ أنّه يغيّر جهةَ الكلام، فهي حدودُ الأقسام.
3 - في النّصّ مصطلحاتٌ فلسفيّة تبيّن ثقافةَ الكاتب الفلسفيّة. استخرجْ أربعةً منها وابحثْ عن مدلولاتها في المعجم الفلسفيّ.
⚖️ السّؤالُ شطران، وشطرُه الثّاني عملٌ لك في المكتبة. ⟸ نستخرج معك الأربعة ونبيّن موضعَ كلٍّ منها — وهذا هو الشّطرُ الّذي يُنجَز من النّصّ. ⛔ وأمّا مدلولُها في المعجم الفلسفيّ فلا يُكتب هنا: أن نضع لك تعريفا لم يُنقل إلينا من معجمٍ يكون اختلاقا لمصدر، والسّؤالُ نفسُه يأمرك بأن تبحث.
أربعةُ مصطلحاتٍ فلسفيّة، وموضعُها في النّصّ
المصطلحموضعُهما يفعله في سياق النّصّ
الاستلاب«نسمّي هذيانَ الطّائفة الاجتماعيّة استلابا واغترابا» · «أشدّ الاستلاب وَطْأَة»هو الاسمُ العلميّ للدّاء في النّصّ كلِّه، ويُستعمل مرّاتٍ عدّة
الاغتراب«استلابا واغترابا» · «والاغترابُ الأكبر هو أن تغترب عن قومك»يقرنه الكاتبُ بالاستلاب ثمّ يدرّجه («الأكبر»)، فهو عنده درجاتٌ لا حالٌ واحدة
النّقد الذّاتيّ«طوائفُ من المثقّفين لُقّنت النّقدَ الذّاتيَّ من مَرايا مشوّهة»مفهومٌ إيجابيٌّ في أصله، يُظهر الكاتبُ كيف يُفسَد حين تُفسَد مرآتُه
العقلانيّات«باللّجوء إلى العقلانيّات الّتي تبرّر التّحوّل الثّقافيّ المهيّأ للذّوبان»يستعمله بصيغة الجمع وبنبرةٍ ناقدة: أي تبريراتٌ تلبس ثوبَ العقل
⭐ وإن أردتَ خامسا، فـ«الشّخصيّة» في العنوان نفسِه مصطلحٌ فلسفيٌّ ونفسيّ، والنّصُّ يبني عليه تشبيهَه المركزيّ: «المجتمعُ المسلوبُ الثّقافةِ يشابه الشّخصَ المسلوبَ العقلِ». ⚖️ وعند بحثك في المعجم، احملْ معك سؤالا واحدا: هل يستعمل الكاتبُ المصطلحَ بمعناه الاصطلاحيّ الدّقيق، أم يوسّعه؟ ⟸ وهذه المقارنةُ هي ما يجعل جوابَك تحليلا لا نقلا.
4 - حلّلِ الفقرتين الرّابعة والخامسة (من قوله: «إنّ لغةَ مجتمعٍ ما...» إلى قوله: «ينبئ بالانقراض القريب») وفق هذا المخطّط:
🖼️ وهذه بنيةُ المخطّط: عقدةٌ في الأعلى، تنزل إلى ثلاثة أحكامٍ قيميّة متجاورةٍ يربط بينها سهمان، وتحت كلِّ حكمٍ أسلوبُه.
المخطّط، مستويا الأعلى والأدنى
من اليمينالوسطمن اليسار
العقدةُ العلياالوحدة المعنويّة الأساسيّة (الفكرة الأساسيّة) — وهي واحدةٌ تعلو الثّلاثة——
المستوى الأوسطحكمٌ قيميّحكمٌ قيميّحكمٌ قيميّ
المستوى الأدنى (الأسلوب)شرحٌ وتحليلاستدلالٌ منطقيّحِجاجٌ (بديهة)

والآن طبّقِ المخطّطَ على الفقرة. الوحدةُ المعنويّةُ الأساسيّة هي: اللّغةُ مرآةُ المجتمع، فما يُعاب عليها يُعاب على أهلها. وتحتها ثلاثةُ أحكامٍ قيميّة، لكلٍّ أسلوبُه:

التّطبيق: ثلاثةُ أحكامٍ من الفقرة، بأساليبها
الحكمُ القيميّشاهدُهأسلوبُه في المخطّط
اللّغةُ تعكس حياةَ أهلها بأمانة«إنّ لغةَ مجتمعٍ ما تعكس حياةَ هذا المجتمع بكلّ إخلاص»شرحٌ وتحليل — يضع القاعدةَ ثمّ يفصّلها بمثالين
فما يُعاب على اللّغة يُعاب على المجتمع«فإذا قلنا إنّ لغتنا لغةُ الشّعر والعاطفة فمعنى هذا أنّ مجتمعنا مجتمعُ الشّعر والعاطفة»استدلالٌ منطقيّ — شرطٌ وجزاء («إذا... فمعنى هذا»)، مرّتين على التّوالي
فاللّومُ علينا، والإصلاحُ عملٌ لا شعار«فعلينا أن نلوم أنفسَنا... محاربة الأمّيّة... النّهوض بلغتها بكلّ إسراع... الانقراض القريب»حِجاج — ينتقل من الحكم إلى المطالبة، ويختم بالإنذار
⭐ ولاحظْ لماذا يربط المخطّطُ الأحكامَ الثّلاثة بسهام: لأنّها متسلسلة لا متجاورة. الثّاني يُبنى على الأوّل (إن كانت اللّغةُ مرآةً، لزم أن يكون العيبُ في الوجه لا في المرآة)، والثّالثُ يُبنى على الثّاني (وما دام العيبُ فينا، فالإصلاحُ فينا). ⚖️ ⟸ حين تحلّل فقرةً، لا تعدّ أفكارَها: أَظهِرْ كيف يلد بعضُها بعضا — وذلك بالضّبط ما يطلبه هذا المخطّط.

🛠️أستثمر موارد النّصّ

اعتمد الكاتبُ على نمطين نصّيّين وظّفهما لمعالجة موضوعه هما: التّفسير والحجاج. هاتِ نموذجا عن كلّ نمطٍ من النّصّ، مبيّنا: 1 - خصائصَ كلٍّ منهما. 2 - الوظيفةَ الفكريّةَ الّتي أدّياها.
⚖️ انتبهْ: السّؤالُ لا يطلب منك أن تسمّيَ النّمطين — هو يسمّيهما لك. المطلوبُ ثلاثةُ أشياء: نموذجٌ من النّصّ لكلٍّ، ثمّ خصائصُه، ثمّ وظيفتُه الفكريّة. ⛔ ومن اكتفى بالتّعريف بالنّمطين فقد أجاب عن سؤالٍ آخر.
النّمط الأوّل: التّفسير
النّموذج«إنّ لغةَ مجتمعٍ ما تعكس حياةَ هذا المجتمع بكلّ إخلاص... وبما أنّ اللّغةَ ليست إلّا جزءا من إنتاج المجتمعات ونشاطاتها فعلينا أن نلوم أنفسَنا»
خصائصُه هنا· جملٌ خبريّةٌ مقرّرة لا استفهامَ فيها ولا نداء؛ · روابطُ سببيّة: «فمعنى هذا»، «وبما أنّ... فـ»؛ · أفعالٌ في المضارع الدّالّ على الحقيقة الثّابتة: «تعكس»، «ليست إلّا»؛ · معجمٌ مجرّد: لغة، مجتمع، إنتاج، نشاطات؛ · غيابُ الذّات: لا «أنا» ولا انفعال.
وظيفتُه الفكريّةبناءُ المفهوم قبل الدّفاع عنه: لا يمكن مطالبةُ القارئ بالنّهوض باللّغة قبل أن يسلّم بأنّها جزءٌ من إنتاج المجتمع. ⟸ التّفسيرُ هنا يمهّد أرضَ الحجاج.
النّمط الثّاني: الحجاج
النّموذج«ولو سألنا الإنجليزيَّ والفرنسيَّ لماذا تصرف الأموالَ الضّخمة... لقيل لنا: نحن أممٌ تحبّ لغاتِها... لوجدنا أنّ النّاحية العاطفيّة لا تقلّ أهمّيّةً فيها عن النّواحي المصلحيّة»
خصائصُه هنا· بنيةُ الرّدّ على خصمٍ مقدَّر: يبدأ الفقرةَ بـ«وإنّه لمن الملابسة أن تقول إنّ...»، أي يعرض دعوى الخصم ثمّ ينقضها؛ · الافتراضُ والاستدلال: «ولو سألنا... لقيل لنا»، «ولو تناولنا بالبحث... لوجدنا»؛ · شاهدٌ واقعيٌّ من خارج الذّات: سلوكُ أمّتين لا يُتَّهمان بالعاطفة؛ · الاعترافُ على النّفس، وهو من أقوى وسائل الإقناع: «وأعترف أنّي لو سئلتُ... لوقع منّي التّهافت»؛ · المفارقةُ في الخاتمة: العاطفةُ «شبهُ جريمةٍ في الميدان العلميّ»، وغيابُها «من الجريمة في ميدان التّمسّك بالوطن».
وظيفتُه الفكريّةنزعُ التّهمة عن العاطفة: خصمُه يقول إنّ التّمسّك باللّغة عاطفيٌّ فلا يُعتدّ به؛ فيثبت الكاتبُ أنّ العاطفةَ ركنٌ قائمٌ عند أقوى الأمم. ⟸ الحجاجُ هنا يحرّر الأطروحةَ من اعتراضٍ كان سيسقطها.
⭐ وخذْ من هذا السّؤال قاعدةً: النّمطان لا يتناوبان اعتباطا في نصٍّ محكم. التّفسيرُ يبني ما يُسلَّم به، ثمّ الحِجاجُ يدفع عنه الاعتراض. ⚖️ ولذلك جاء التّفسيرُ في هذا النّصّ قبل الحجاج، لا بعده: لو بدأ الكاتبُ بالإنجليزيّ والفرنسيّ قبل أن يقرّر أنّ اللّغةَ مرآةُ المجتمع، لَبَدا شاهدُه حجّةً بلا دعوى.
🎯 وخذْ من هذا الدّرس قاعدةً تُعاد على كلّ نصٍّ يدافع عن قيمة: أقوى ما في هذا النّصّ ليس حماسَه، بل حركتان منطقيّتان تستطيع أن تنقلهما إلى أيّ موضوع. الأولى — سلّمْ لخصمك بمقدّمته، ثمّ استخرجْ منها ما لا يريده: «لغتُنا لغةُ الشّعر» ⟸ «إذن مجتمعُنا مجتمعُ الشّعر». والثّانية — انقلْ عبءَ الإثبات: بدل أن تدافع عن العاطفة، أَرِ خصمَك أنّه يمارسها هو — فالأممُ الّتي يقتدي بها تنفق الملايين على لغاتها. ⭐ ومن أتقن هاتين الحركتين استغنى عن رفع الصّوت.

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net