Langue arabe🎓 objectif bac

المحور 5 شعر النهضة و موقفه من حضارة الغرب

رصيف الأزهار لا يُجيب

🔊 La maîtresse lit pour toi

📜النّصّ

مالك حدّاد كاتبٌ جزائريّ، وُلد سنة 1927 بقسنطينة. أسّس سنة 1969 مجلّة آمال، وتولّى الأمانة العامّة لاتّحاد الكتّاب الجزائريّين من سنة 1974 إلى سنة 1978، وهي السّنة الّتي توفّي فيها. من آثاره: الشّقاء في خطر، والتّلميذ والدّرس، ورصيف الأزهار لم يعد يجيب.
⚖️ وانتبهْ إلى أمرٍ يحكم قراءتك كلَّها: هذا المقطع مترجَمٌ عن الفرنسيّة — كتبه مالك حدّاد بالفرنسيّة ونقله إلى العربيّة حنفي بن عيسى. فكلُّ حكمٍ ستصدره على «الأسلوب» يقع في الحقيقة على نصٍّ عبَر لغتين. وهذه المسافة نفسُها هي مفتاحُ الدّرس، لا عيبٌ فيه.
ماذا تعرف عن فنّ القصّة؟
هي فنٌّ من الفنون النّثريّة، وحدُّه في أربعة عناصر:
  • يعتمد على سرد حادثةٍ أو مجموعةٍ من الحوادث؛
  • جرت لأشخاصٍ معيّنة؛
  • في بيئةٍ زمانيّةٍ ومكانيّةٍ معيّنة؛
  • بطريقةٍ مشوّقة تقوم على السّرد والوصف والحوار.
⭐ وهذه الوسائلُ الثّلاث الّتي يقوم عليها العنصرُ الأخير ستجدها كلَّها في مقطعنا، فتحقّقْ منها بنفسك وأنت تقرأ: السّرد («لقد بلغ مسامعَ خالد بن طبّال…»)، والوصف («وريدة ذات الشّعر الأسود الفاحم…»)، والحوار («أنت أحمق»، «أحبّك»). فالتّعريف ليس حِفظا، بل شبكةً تُطبَّق.

لقد بلغ مسامعَ خالد بن طبّال أنّ كثيرا من النّاس يردّدون أشعارَه في الجبال والسّجون. ولم يكن يشعر لذلك بالاعتزاز أو الفرح، بل كان يشعر بالخوف الشّديد. كان يتساءل: هل أنا في مستوى الرّجال؟ وثورةِ هؤلاء الرّجال، ومطامحِهم الّتي يسجّلها التّاريخ؟ هل أنا أشعر بالخوف حينما يشعرون به، ولا أغترّ بألقاب البطولة؟ من السّهل جدّا أن أكون رجلا مثل سائر الرّجال، ولكن أن أكون إنسانا، فهذا هو الأمر الصّعب، وهذا هو الأمر المهمّ.

لا يمكن للإنسان أن يتعلّم معنى الوطن أو يشرحه في كلمات. كما أنّه لا يستطيع أن يقصّ قصّة الوطن. وقد ترك اللهُ عبدَه في حالةٍ يُخيَّل إلى النّاس فيها أنّه — سبحانه — قد خلقهم درجاتٍ متفاوتة، وأنّه ترك حلَّ مشاكلهم إلى إنسانيّتهم الّتي كثيرا ما تنزل دون مستوى الإنسانيّة.

ولكن حينما سيرحل الوحوش، سواءٌ منهم الوحوشُ الصّغيرة أو الوحوشُ الكبيرة، أو الوحوشُ الّذين نلتقي بهم كلّ يوم، أو الوحوشُ الّذين لا يشبهون الوحوشَ ولكن يستفيدون، على درجاتٍ متفاوتة، من الاستعمار الوحشيّ — حينما سيرحلون، سيرحلون كلّهم، سيذهبون كلّهم، ولن يبقى في شوارع قسنطينة، وفي الجبال الّتي ستعود — كما كانت — خضراء، وفي السّجون الّتي ستخوى ممّن فيها، لن يبقى على جدران الشّارع «ديزلي» وشوارع «اكس أن بروفانس»، وفي الصّحراء ذات الرّمال الشّقراء، بل هي شقراء إلى درجة أنّ سنابل القمح الشّقراء ترفض أن تنبت فيها — حينما سيرحلون، سيرحلون كلّهم، ولن يبقى فوق الثّلوج الّتي تفوق البراءةَ في نصاعة بياضها، لن يبقى سوى الرّجال، أولئك الأطفال الكبار الّذين أصبحوا أسطورةً يرويها التّاريخ، أولئك الأطفال الكبار الّذين يفكّرون في رويّةٍ وينظرون إلى البعيد.

وسيبقى الحبّ، وسيعيش الطّفل الّذي لا يعرف الجوعَ والبردَ والخوف، ويخشى — إذا حاول أن يتذكّر الماضي — أن لا يستطيع ذلك.

وسيشرق الفجر، وستعود السّيادة، أعلى مراتب الحقوق المقدّسة، والجزائرُ الّتي يسبّها البعض من أجل حوادثها اليوميّة، ستذكّر النّاسَ أنّ الفوضى لا تنشأ عن سوء التّفاهم ولكن عن الجهل وعدم احترام الغير.

سيتركون الدّار نظيفةً وسيرحلون، وذات يوم سيشرق الفجر مشعّا بنوره الوهّاج إلى درجة أنّ اللّئام سيتركون الدّار نظيفةً وسيرحلون. سيرحلون إلى الأبد!

◆ ◆ ◆

وأعاد خالد بن طبّال للمرّة العاشرة قراءةَ رسالة زوجته. كانت وريدة تقول له بأنّها مريضة وكذلك الأطفال. وتخيّلها، كما عرفها دائما، ثائرة. وحدّثته عن السّعال الدّيكيّ الّذي أصيب به أصغرُ أطفالها، وعن آخر عمليّة من عمليّات القمع، وعن آخر حادث من حوادث الاضطرابات.

وريدة هي رمز المرأة الجميلة، إنّها تترك في النّفس ذاتَ الأثر الّذي يتركه التّأسّف. وهي تعلم تمام العلم أنّ خالدًا هو حبُّها الوحيد، وذروةُ مطامحها.

وريدة هي المرأة الّتي تحنّ إلى أن تعيش في الجبال الثّائرة، وترى في أحلامها أنّها تمنح قبلاتها، وتقرأ لأطفالها أشعارَ والدهم، أسرارَ زوجها. ووريدة هي المرأة الّتي لا تعرف أنّ العيش في الجبال الثّائرة صعب، وأنّ الحبّ هو دائما حرام. ووريدة ذات الشّعر الأسود الفاحم والثّغر الّذي تفوح منه رائحة المسك.

كانت تقول له: كثِّرْ من الأغطية، لأنّ الطّقس بارد في بلاد المنفى.

وكانت تقول: لقد استطعنا أن نقرأ أشعارك، استطعنا أن نقرأها بالرّغم من كلّ شيء. وكانت تضع سطرا تحت عبارات «بالرّغم من كلّ شيء».

إنّ الشّاعر الّذي يخطو في ميدان الشّعر أولى الخطوات لا يحظى من النّاس بما يستحقّه من التّقدير. وأسبابُ اضطرابه النّفسيّ ترجع في الواقع إلى شكّه في مواهبه.

◆ ◆ ◆

كانت تقول له بصوتها المتعثّر، حينما يعود إلى المنزل: — أنت أحمق. ثمّ تقول معترفة: أحبّك. ثمّ تضيف هذه الجملة: سآتي عندك إلى باريس، لأنّ قلبك مريض. وتضيف أيضا: الجزائريّ لا يموت أبدا.

مالك حدّاد — من رواية رصيف الأزهار لا يجيب، ترجمة حنفي بن عيسى

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه، وكلُّ جوابٍ يسمّي مقطعَه. اقرأْ أوّلا، ثمّ افتحِ الجوابَ لتقابله بما وجدْتَ.
ما الموضوع الّذي تعالجه رواية «رصيف الأزهار لا يجيب» الّتي اقتُطف منها هذا النّصّ؟
موضوعُها شاعرٌ جزائريّ في المنفى، بلغه خبرُ وطنه الرّازح تحت الاستعمار. وكلُّ عنصرٍ من هذا التّعريف يُنتزَع من المقطع نفسِه:
  • البطل شاعر: «يردّدون أشعارَه في الجبال والسّجون» (المقطع الأوّل)، وزوجتُه «تقرأ لأطفالها أشعارَ والدهم» (المقطع الثّاني)؛
  • وهو في المهجر: «الطّقس بارد في بلاد المنفى»، ثمّ «سآتي عندك إلى باريس» (المقطعان الثّاني والثّالث)؛
  • والوطن تحت الاستعمار: «الاستعمار الوحشيّ»، «آخر عمليّة من عمليّات القمع»، «حوادث الاضطرابات»؛
  • والخبر يبلغه من بعيد: «لقد بلغ مسامعَ خالد بن طبّال…» — فهو يعيش وطنَه سماعًا لا مشاهدةً، وهذا ما يفسّر خوفَه بدل فرحه.
تظهر في النّصّ شخصيّتان من شخصيّات الرّواية: بيّنْ مواصفاتِهما والعلاقةَ بينهما.
① خالد بن طبّال — البطل، وصفاتُه في المقطع الأوّل:
  • شاعرٌ ذائعُ الصّيت: أشعاره تُردَّد «في الجبال والسّجون»؛
  • لا يزهو بمجده: «لم يكن يشعر لذلك بالاعتزاز أو الفرح، بل كان يشعر بالخوف الشّديد»؛
  • كثيرُ المساءلة لنفسه: «هل أنا في مستوى الرّجال؟»، «ولا أغترّ بألقاب البطولة؟»؛
  • شاكٌّ في موهبته: «أسبابُ اضطرابه النّفسيّ ترجع في الواقع إلى شكّه في مواهبه».
② وريدة — زوجتُه، وصفاتُها في المقطع الثّاني:
  • رمزُ الجمال: «وريدة هي رمز المرأة الجميلة»، «ذات الشّعر الأسود الفاحم»؛
  • ثائرة: «وتخيّلها، كما عرفها دائما، ثائرة»، و«تحنّ إلى أن تعيش في الجبال الثّائرة»؛
  • مبتلاةٌ صابرة: مريضةٌ هي وأطفالُها، وأصغرُهم أصابه «السّعال الدّيكيّ»؛
  • وفيّة: «تعلم تمام العلم أنّ خالدًا هو حبُّها الوحيد، وذروةُ مطامحها».
③ العلاقة بينهما — زوجيّةٌ يفصل بينها المنفى، ويصلها الحرفُ:
  • الرّسالةُ هي الرّابط الوحيد، وقد قرأها «للمرّة العاشرة» — وهذا العددُ وحده يقول شوقَه؛
  • وهي تعاتبه وتلومه: «أنت أحمق»، ثمّ تُتبعها بالاعتراف: «أحبّك»؛
  • ⟸ فالعتابُ واللّومُ ليسا نقيضَ الحبّ هنا، بل صورتُه: «سآتي عندك إلى باريس، لأنّ قلبك مريض».
ما الّذي غلب على رؤية الكاتب: الحسُّ التّشاؤميّ أم الحسّ التّفاؤليّ؟ وضّحْ استنادًا إلى عباراتٍ من النّصّ.
الغالبُ هو التّفاؤل، والدّليل ليس في المعنى وحده بل في الصّيغة:
  • كلُّ آمالِ النّصّ مصوغةٌ بـسين الاستقبال: «سيرحلون كلّهم»، «وسيبقى الحبّ»، «وسيشرق الفجر»، «وستعود السّيادة»، «ستعود — كما كانت — خضراء»؛
  • ويُختم بجملةٍ قاطعة: «الجزائريّ لا يموت أبدا»؛
  • ⟸ فالكاتب لا يصف حاضرًا سعيدًا، بل يَعِدُ بمستقبلٍ: تفاؤلُه رهانٌ لا مشاهدة.
⚖️ ولا تحكمْ بأنّه تفاؤلٌ مطلق، فالنّصّ يحمل طرفَه الآخر: «كان يشعر بالخوف الشّديد»، و«شكّه في مواهبه»، ومرضُ وريدة والأطفال، و«قلبك مريض». ⟸ الصّوابُ أن تقول: الغالبُ التّفاؤل، وقد بُني على ألمٍ لا يُنكَر. والجوابُ الّذي يمحو أحدَ الطّرفين جوابٌ ناقص.

💬أناقش معطيات النّصّ

الوحش والوحشيّة والمتوحّش ألفاظٌ شائعة في ثقافة العامّة، إنْ على المستوى الخُلُقيّ أم على المستوى السّياسيّ. فأيَّهما قصد الكاتب؟ وضّحْ مع إبداء رأيك.
قصد المستوى السّياسيّ: الوحشُ عنده هو الاستعمار. والنّصّ يقيم الدّليل ثلاث مرّات:
  • التّسمية الصّريحة: هؤلاء الوحوش «يستفيدون، على درجاتٍ متفاوتة، من الاستعمار الوحشيّ» — فاللّفظ منسوبٌ إلى الاستعمار نصًّا، لا تأويلا؛
  • التّدرّج: «الوحوش الصّغيرة» و«الوحوش الكبيرة» و«الّذين نلتقي بهم كلّ يوم» و«الّذين لا يشبهون الوحوشَ ولكن يستفيدون» — والرّذيلةُ الخُلُقيّة لا تُصنَّف بمقدار ما يجنيه صاحبُها من نظام؛ أمّا المنتفعون من نظامٍ فيُصنَّفون هكذا تماما؛
  • المصير: مصيرُهم أن «سيرحلون» — والرّحيلُ يكون عن بلدٍ، لا عن طبعٍ في النّفس.
💡 وأمّا إبداءُ رأيك فذاك شقٌّ لا يُملى عليك. ابنِه هكذا: ① سلّمْ بما أثبتَه النّصّ (المقصودُ سياسيّ)؛ ② اسألْ: هل يُلغي ذلك المعنى الخُلُقيّ؟ والنّصّ نفسُه يفتح البابَ حين يقول إنّ إنسانيّتهم «كثيرا ما تنزل دون مستوى الإنسانيّة»؛ ③ احكمْ على الغلبة، لا على الوجود.
ما دلالةُ تكرار الكاتب للفظة «الوحوش»؟
عُدَّ بنفسك أوّلا: ترد لفظةُ «الوحوش» ستّ مرّات في جملةٍ واحدة، ويرد فعلُ الرّحيل «سيرحلون» سبع مرّات إلى جانب «سيرحل» مرّةً. وهذا الإحصاءُ يعطي ثلاث دلالات:
  • اتّساعُ دائرة الاتّهام: ليس المستعمِرُ واحدًا، بل أصنافٌ — صغيرٌ وكبيرٌ ومألوفٌ ومستترٌ («لا يشبهون الوحوشَ ولكن يستفيدون»). فالتّكرارُ إحصاءٌ لا حِلْية؛
  • اليقينُ بالرّحيل: تكرارُ «سيرحلون» بعد كلّ جملةٍ اعتراضيّة طويلة يُعيد القارئ إلى الوعد نفسِه، فيصير الوعدُ لازمةً كلازمة الأغنية؛
  • الإيقاع: هذا التّرديدُ هو ما يجعل النّثرَ هنا قريبا من الشّعر — وهو ما ستقيسه في السّؤال الثّالث.
ما الأقوى في ترسيخ الحسّ الوطنيّ — في نظرك — الأدبُ الملتزم أو التّاريخُ تحقيقًا وتوثيقًا؟
⛔ هذا سؤالُ رأي، ولا يُجاب عنه بجوابٍ جاهزٍ تحفظه: يُجاب عنه بميزانٍ تبنيه. وإليك مادّةَ الميزان، ثمّ خطواتِه.
ما يقدّمه كلُّ طرف — وهذا وحده معطًى، لا حكم:
  • التّاريخُ الموثَّق: يقدّم الحقائق، ويُعرّف الأجيالَ بماضيها، ويضبط التّاريخَ والمكانَ والعدد؛
  • الأدبُ الملتزم: يرسّخ الحسَّ الوطنيّ، ويشحذ الهممَ، ويقوّي الإحساسَ بالرّوح الوطنيّة.
⚖️ خطواتُ بناء رأيك، في أربع: ① حدّدْ ما تعني بـالأقوى: أقوى في الإقناع أم في التّحريك؟ فالجوابُ ينقلب بانقلاب المعيار. ② خذِ النّصَّ الّذي بين يديك شاهدًا على أحد الطّرفين: هل أعطاك تاريخًا أو عددًا؟ لا؛ بل أعطاك «الجبال الّتي ستعود — كما كانت — خضراء» و«الثّلوج الّتي تفوق البراءة». ③ ثمّ اسألْ: هل كنتَ ستعرف متى وقع ذلك، أو كم عدد الّذين سُجنوا، من هذا النّصّ؟ لا. ④ اِستنتجْ من ② و③ أنّ لكلّ طرفٍ ما يعجز عنه الآخر، ثمّ رجّحْ أنت — ولكن سمِّ معيارَك قبل أن ترجّح. ⛔ رأيٌ بلا معيارٍ ليس رأيا، بل ذوقا.
«مالك حدّاد» روائيٌّ وشاعر: هل يوجد في أسلوب النّصّ وعباراته ما يدلّ على هذه الشّعريّة؟
نعم، وهي شعريّةٌ تُقاس بأربعة مظاهر، كلُّها في النّصّ:
  • التّوازي والتّرديد: جملٌ قصيرة متتابعة على وزنٍ واحد — «وسيبقى الحبّ»، «وسيشرق الفجر»، «وستعود السّيادة» — فالسّينُ فيها تقوم مقام القافية؛
  • الصّورة: «الثّلوج الّتي تفوق البراءةَ في نصاعة بياضها»، و«سنابل القمح الشّقراء ترفض أن تنبت فيها» — والرّفضُ هنا للسّنابل، وهو تشخيص؛
  • المفارقة: «أولئك الأطفال الكبار» — وصفان متنافران في تركيبٍ واحد، وهذا من أخصّ خصائص لغة الشّعر؛
  • الحسّيّة: «الشّعر الأسود الفاحم»، «الثّغر الّذي تفوح منه رائحة المسك».
⭐ وأقوى حجّةٍ في الباب: هذه الشّعريّة نجت من التّرجمة. فالنّصّ عبَر من الفرنسيّة إلى العربيّة على يد حنفي بن عيسى، والصّورةُ والإيقاعُ باقيان — ولو كانت الشّعريّةُ في اللّفظ وحده لذهبت في العبور.
⚖️ ولكنِ احترسْ من الخلط: هذا نثرٌ، لا شعر — لا وزنَ فيه ولا قافية. الشّعريّةُ هنا في الصّورة والإيقاع والانفعال، لا في العروض. ومن حكم بأنّه شعرٌ فقد جاوز الشّاهد.

🛠️أستثمر موارد النّصّ

هذه المحطّة تخرج بك من النّصّ: منها ما يُستنبط من النّصّ نفسِه، ومنها ما يُطلب منك فيه بحثٌ وتدوين. وقد فُصل النّوعان هنا حتّى لا تخلط بينهما.
لقد مال الكاتب إلى لغة الإيحاء: هل وُفِّق في توظيفها؟ هاتِ بعض النّماذج لتدعيم إجابتك.
وُفِّق، والدّليلُ أنّ أشدَّ معاني النّصّ خطرًا قيلت كلُّها بغير اسمها. وهذه خمسةُ نماذج:
  • «سيرحل الوحوش» — لم يقلْ «المستعمرون»؛ فاللّفظُ يستدعي المُرعِبَ والمُفزِع، ويحكم على المستعمِر بأنّه خارجٌ عن الإنسانيّة قبل أن يُخرجه من البلاد؛
  • «سيتركون الدّار نظيفة» — و«الدّار» هي الوطن، و«النّظافة» هي الخلوّ منهم؛
  • «الجبال الّتي ستعود — كما كانت — خضراء» — الخضرةُ هنا حياةٌ لا لون؛
  • «السّجون الّتي ستخوى ممّن فيها» — والخواءُ في غير هذا الموضع نقصٌ، وهو هنا فرح؛
  • «الجزائريّ لا يموت أبدا» — وظاهرُها خبرٌ عن الأشخاص، ومرادُها بقاءُ الشّعب.
💡 وكيف تعرف اللّفظَ الموحي؟ بثلاث علامات، جرّبها على أيّ نصّ: ① يحمل معنًى أبعدَ من ظاهره؛ ② يستدعي صورةً حسّيّة (وحش، خضرة، فجر)؛ ③ يحتمل أكثر من قراءة دون أن تتناقض. فإذا اجتمعت الثّلاث فأنت أمام إيحاء، لا أمام تقرير.
أعِدْ ترتيبَ الأحداث في هذا المقطع الرّوائيّ حسب زمانها.
📜النّصُّ لا يسير مع الزّمن، وترتيبُه الزّمنيّ الحقيقيّ أربعُ مراحل:
  • ① قبل المنفى — حياتُهما معا: «كانت تقول له بصوتها المتعثّر، حينما يعود إلى المنزل: أنت أحمق»، و«تقرأ لأطفالها أشعارَ والدهم»؛
  • ② في المنفى — أشعارُه تُردَّد في الوطن ويبلغه ذلك فيخاف؛ ووريدةُ تمرض هي والأطفال، ويصيب السّعالُ الدّيكيّ أصغرَهم، وتتوالى «عمليّاتُ القمع» و«حوادثُ الاضطرابات»؛ ثمّ تضيف بعد ذلك: «سآتي عندك إلى باريس»؛
  • ③ لحظةُ السّرد — وهي حاضرُ النّصّ: «وأعاد خالد بن طبّال للمرّة العاشرة قراءةَ رسالة زوجته»؛
  • ④ المستقبلُ المنتظَر — رحيلُ الوحوش، وعودةُ الجبال خضراء، وخلوُّ السّجون، وإشراقُ الفجر، وعودةُ السّيادة.
⭐ والفائدةُ ليست في التّرتيب، بل في ما يكشفه: النّصُّ يبدأ بالمرحلة ②، ثمّ يقفز إلى ④ (كلُّ المقطع الأوّل تقريبا)، ثمّ يرجع إلى ③ و② في المقطع الثّاني، ثمّ إلى ① في المقطع الثّالث. ⟸ الكاتب يرتّب بترتيب الشّعور لا بترتيب الزّمن: يبدأ من الخوف، فيهرب إلى الأمل، ثمّ يعود إلى الرّسالة، فيختم بأقرب الأصوات إليه.
💡 الطّريقةُ لتفعلها وحدك في أيّ نصّ: ① ظلّلْ أفعالَ الماضي، ثمّ ما دخلته السّين أو سوف؛ ② ابحثْ عن روابط الزّمن: «حينما»، «ثمّ»، «ذات يوم»، «للمرّة العاشرة»، «بعد»؛ ③ ضعْ كلَّ حادثةٍ على خطٍّ واحد؛ ④ قابلْ خطَّك بترتيب النّصّ، والفرقُ بينهما هو أسلوب الكاتب.
ابحثْ عن هذه الرّواية في لغتها الأصليّة أو مترجمةً، ولخّصْ أحداثَها.
ما هو ثابتٌ ولا تحتاج إلى البحث عنه — وهو مطبوعٌ في أوّل النّصّ وآخره:
  • الرّواية اسمُها رصيف الأزهار لا يجيب، وصاحبُها مالك حدّاد؛
  • وقد كُتبت بغير العربيّة، ونُقلت إليها بترجمة حنفي بن عيسى — فهذا نصٌّ مترجَم، وهو ما يفسّر أنّ لغته لا تشبه لغةَ النّصوص العربيّة الأخرى في هذا المحور.
⛔ وأمّا التّلخيصُ فعملُك أنت، ولا يصحّ أن يُملى عليك — من لخّص روايةً لم يقرأها لخّص كلامَ غيره. وهذه خطّةُ العمل: ① اطلبِ الرّوايةَ في مكتبة المؤسّسة بالعربيّة أو بالفرنسيّة؛ ② سجّلْ أثناء القراءة أربعةَ أشياء فقط: البطل، والمكان، والعقدة، والنّهاية؛ ③ اكتبْ تلخيصَك في عشرة أسطر، بلغتك أنت؛ ④ ثمّ قابلْ تلخيصَك بمقطعنا: ما الّذي فهمتَه من المقطع وحده، وما الّذي لم يتّضح إلّا بعد الرّواية؟
لقد تأثّرت الكاتبة الجزائريّة أحلام مستغانمي بكتابات مالك حدّاد، ووظّفت شخصيّة خالد بن طبّال في روايتها ذاكرة الجسد. عُدْ إلى هذه الرّواية واشرحْ أسلوب التّناصّ الوارد فيها.
مضمونُ الرّواية — كما يقدّمه درسُنا: ذاكرة الجسد هي ذاكرةُ قسنطينة، مدينةِ الجسور المعلّقة والأحزان المعلّقة. وهذه أحداثُها في أربعة أسطر:
  • بطلُها خالد، يروي بنفسه قصّةَ حبٍّ فاشلة؛
  • وهو يطلب الموت، فيدخل معسكرات التّدريب داعيا إلى المجازفة بحياته؛
  • وقبل الاستشهاد يوصيه الطّاهر بابنته؛
  • وبعد سنواتٍ طويلة يلتقي بابنة الطّاهر، فتنشأ بينهما قصّةُ حبٍّ جديدة، تنتهي هي أيضا بالفشل.
وأين يظهر التّناصّ؟ في أربعة مواضعَ يشترك فيها النّصّان، وقابلْ كلَّ واحدٍ بمقطعنا:
  • الاسم: بطلُ مالك حدّاد خالد بن طبّال، وبطلُ أحلام مستغانمي خالد — والاسمُ أوّلُ ما يُستعار؛
  • المدينة: نصُّنا يقول «ولن يبقى في شوارع قسنطينة»، وذاكرة الجسد «ذاكرةُ قسنطينة» — وهي مسقطُ رأس مالك حدّاد نفسِه؛
  • صفةُ البطل: مبدعٌ يروي (شاعرٌ عند حدّاد، راوٍ عند مستغانمي)، لا مقاتلٌ صامت؛
  • الحبُّ الّذي لا يكتمل: نصُّنا يقول «وأنّ الحبَّ هو دائما حرام»، ورواية مستغانمي تنتهي بالفشل مرّتين.
⚖️ والتّناصّ ليس نقلا ولا سرقة: هو أن يستدعيَ نصٌّ لاحقٌ عناصرَ نصٍّ سابق فيعيد بناءها في سياقٍ جديد. والدّليلُ على أنّه استدعاءٌ لا نقل: خالدُ حدّاد شاعرٌ في المنفى زمنَ الثّورة، وخالدُ مستغانمي راوٍ بعد الاستقلال — فالاسمُ واحدٌ والقصّةُ غيرُها.
عُدْ إلى سيرة حياة الكاتب «مالك حدّاد» وبيّنْ ما يشترك فيه مع بطل الرّواية «خالد بن طبّال»، ودوّنْ ملاحظاتك.
قابلْ سيرةَ الكاتب (في أوّل الدّرس) بصفات البطل (في المقطع الأوّل)، تجدْ أربعة مواضع التقاء:
  • قسنطينة: مالك حدّاد وُلد بقسنطينة سنة 1927، وبطلُه يذكر «شوارع قسنطينة» وحدَها من بين مدن الجزائر؛
  • الشّعر: مالك حدّاد روائيٌّ وشاعر — وهو ما ينصّ عليه سؤالُ المناقشة الثّالث — وبطلُه شاعرٌ تُردَّد أشعارُه؛
  • المنفى: البطلُ في «بلاد المنفى» وفي «باريس»، والكاتبُ كتب روايتَه بلغةٍ غير لغته، وهو منفًى من نوعٍ آخر؛
  • الشّكّ في الذّات: «أسبابُ اضطرابه النّفسيّ ترجع… إلى شكّه في مواهبه» — والكاتب نفسُه عبّر عن استعماله الفرنسيّة بأنّه مأساة بالنّسبة إليه.
من قول مالك حدّاد نفسِه — أورده نصُّ «إشكاليّة التّعبير في الأدب الجزائريّ» (الأدب الجزائريّ المعاصر)

«أنا الّذي أغنّي باللّغة الفرنسيّة، أنا الشّاعر، يا صديقي، يجب أن تفهمني جيّدا إذا ما كانت لغتي تثيرك. لقد أراد الاستعمار ذلك. لقد أراد الاستعمار أن يكون عندي هذا النّقص، ألّا أستطيع أن أعبّر بلغتي.»

⭐ وهنا تكتمل الدّائرة: بطلُ الرّواية شاعرٌ يخاف أن لا يكون «في مستوى الرّجال»، وصاحبُ الرّواية شاعرٌ يرى في لغته نقصًا فرضه عليه الاستعمار. فالمنفى في النّصّ مكانيّ، وفي حياة الكاتب لغويّ — وكلاهما منفى.
💡 كيف تدوّن ملاحظاتك؟ ارسمْ جدولا بعمودين: «مالك حدّاد» و«خالد بن طبّال»، واكتبْ في كلّ سطرٍ صفةً واحدة مع شاهدها: من النّبذة للكاتب، ومن النّصّ للبطل. ⛔ ولا تكتبْ صفةً بلا شاهد: الملاحظةُ بلا شاهدٍ رأيٌ، والملاحظةُ بشاهدٍ حجّة.
في البكالوريا قد يأتيك مقطع روائيّ كهذا بأسئلة من جنس أسئلة هذا الدرس: «ما الذي غلب على رؤية الكاتب: التشاؤم أم التفاؤل؟ وضّح بعبارات من النصّ»، و«ما دلالة تكرار لفظة…؟»، و«هل وُفّق الكاتب في توظيف لغة الإيحاء؟ هات نماذج». جهّز ثلاثة عناصر: ① عناصر القصّة شبكةً تطبّقها: حوادث، وأشخاص، وبيئة زمانية ومكانية، وسرد ووصف وحوار ؛ ② الدليل في الصيغة لا في المعنى وحده: سين الاستقبال («وسيشرق الفجر») تجعل التفاؤل وعدا، والتكرار إحصاء ولازمة وإيقاع ؛ ③ مظاهر الشعرية بشواهدها: التوازي والترديد، والصورة والتشخيص، والمفارقة («الأطفال الكبار»). ⚠️ الخطأ الشائع: الحكم المطلق ؛ «تفاؤل مطلق» والنصّ يحمل طرفه الآخر (الخوف الشديد، والشكّ في المواهب)، فاحكم بالغالب. ⚠️ وخطأ ثانٍ: نسيان أنّ المقطع مترجم عن الفرنسية، فحكمك على الأسلوب يقع على نصّ عبر لغتين.

Page 1/2

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net