Langue arabe🎓 objectif bac

المحور 5 الشعر الملتزم و قضايا التحرّر

"ثورة الشرفاء" (مفدي زكرياء)

🔊 La maîtresse lit pour toi

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

مفدي زكريّا (1913 م – 1977 م) عَلَمٌ من أعلام الشّعر الجزائريّ، وشاعرُ الثّورة الجزائريّة، ومُلهِبُ هِمَمِ أبطالها، ولسانُها المُدوّي الثّائر، وصاحبُ النّشيد الوطنيّ الرّسميّ. تشبّع بثقافة شعبه الأصيلة — لغةً وأدبا وعِلما دينيّا — بوادي ميزاب والزّيتونة. ناضل في صفوف حزب الشّعب ثمّ التحق بالثّورة، ودخل السّجن عدّة مرّاتٍ بسبب نضاله. ولقد ترك لنا هذا الشّاعر الفذّ عدّة دواوينَ شعريّةٍ منها «اللّهب المقدّس» و«إلياذة الجزائر».

⭐ واحفظْ من هذه السّيرة ثلاث كلماتٍ تفسّر لك النّصَّ كلَّه: الرّجل تعلّم في ميزاب والزّيتونة، أي في مدرسةٍ قرآنيّةٍ قبل كلّ شيء؛ وهو مناضلٌ سُجِن، لا شاهدٌ من بعيد؛ وديوانُه اسمُه «اللّهب المقدّس» — لهبٌ وقداسةٌ في عنوانٍ واحد. الثّلاثةُ مجتمعةً تشرح لك لماذا سيقرن هذا الشّاعرُ الرّشّاشَ بالآية، والجبلَ الجزائريَّ بجبل الطُّور. ستحتاج هذه الملاحظة في أناقش وفي أجمل القول.

🚪تقديم النّصّ

لا بدّ لثورةٍ عظيمةٍ — كثورة التّحرير الجزائريّة — من شاعرٍ عبقريٍّ يولد من رَحِمها ويتشرّب مَعينها، ليتسنّى له صدقُ التّعبير عنها.

🎯 وهذا سؤالُ دخولك إلى النّصّ: فهل كان مفدي كذلك في هذا النّصّ؟ ⛔ لا تُجِبْ الآن. اقرأِ الأبياتَ الثّلاثةَ عشرَ أوّلا، ثمّ عُدْ إلى السّؤال وأنت تملك شواهدَه. وستجد في أجمل القول جوابا يقابل جوابَك.

📜النّصّ

ثورةُ الشّرفاء — مفدي زكريّا
الرّقمالصّدرالعجز
1مدَدْنا خُيوطَ الفجرِ.. قُمْ نَصنعِ الفجراوصُغْنا كتابَ البعثِ.. قُمْ نَنْشُرِ السِّفْرا
2وسُقْنا سَفينَ (الوَعْدِ) حُمرًا شِراعُهايُوَجِّهها للنّصرِ، مَنْ (وَعَدَ) النّصرا
3وَرِثْنا عصا موسى، فجدَّد صُنعَهاحِجانا، فراحَتْ تَلْقَفُ النّارَ، لا السُّحْرا
4وكَلَّمَ موسى اللهُ في (الطُّورِ) خِفْيَةًوفي (الأطلَسِ الجبّارِ) كَلَّمَنا جَهْرا
5تباركْتَ شَهرًا، بالخوارقِ طافِحًاوسبحانَ، مَنْ بالشّعبِ، في ليلهِ أَسْرى
6فكم كنتُ، يا رَحمنُ.. في الشّكِّ غارِقًافآمنتُ بالرّحمنِ، في الثّورةِ الكبرى!
7ولبَّاكَ شَعبٌ، كادَ يفقِدُ ظَنَّهُ(بوعدِكَ) لولا أنّه، يَحفَظُ الذِّكْرا
8وأَشْرَبْتَهُ حُبَّ الشّهادةِ، فارْتَمىعلى غَمَراتِ الموتِ، تُلْهِبُهُ الذِّكْرى
9وفي ساحةِ التّحريرِ، سُوقٌ، قِوامُهاضَمائرُ قَوْمٍ، لا تُباعُ، ولا تُشْرى!!
10عَبَرْنا على (السَّبعِ الشِّدادِ) نَشُقُّهاولم تُثْنِنا الأَرْزاءُ، أن نَعبُرَ (العَشْرا)
11ونَفْرِضَ في الدّنيا، احترامَ وُجودِناونَنشُرَ في أحلافِها الرُّعْبَ والذُّعْرا
12ونحن بنو الأشرافِ، عُرْبٌ، طِباعُنامقدَّسةٌ، لا نُضْمِرُ الغِشَّ والغَدْرا..
13فلا عِزَّ، حتّى تستقلَّ جزائرُ..ولا مَجْدَ، حتّى نَصنعَ الوَحدةَ الكُبرى..

مفدي زكريّا — اللّهب المقدّس

🔢 الأرقامُ ليست زينة. أربعةٌ من أسئلة هذا الدّرس تَعُدّ الأبيات: «البيتان ⁦(3)⁩ و⁦(4)⁩»، «البيت الثّالث عشر»، «البيتان الخامس والسّادس»، «البيت الثّالث». فكلَّما أجبْتَ، اذكرْ رقمَ بيتك — هكذا يصير جوابُك قابلا للتّحقّق، لا مجرّدَ انطباع.

📖أثري رصيدي اللّغويّ

① في معاني الألفاظ:
  • السِّفْر (وفي النّصّ «السِّفْرا»): الكتابُ؛
  • الأَرْزاء: المصائبُ؛
  • الحِجى (وفي النّصّ «حِجانا»): العقلُ؛
  • طافِحًا: فائضا؛
  • السَّبعُ الشِّدادُ: المقصودُ في النّصّ سنواتُ الثّورة التّحريريّة؛
  • الوَحدةُ الكبرى: الوطنُ العربيّ.
👁️ قِفْ عند اثنين منها، فهما مفتاحُ النّصّ كلِّه. «السَّبعُ الشِّدادُ» في أصل اللّغة السّماواتُ السّبع؛ وهنا يقول لك الدّرس إنّها سنواتُ الثّورة السّبع. و«الوحدةُ الكبرى» ليست وحدةَ الجزائر، بل الوطن العربيّ. ⟸ فأنت أمام شاعرٍ يأخذ اللّفظَ من السّماء ويُنزله على الجزائر. احتفظْ بهذه الملاحظة: هي جوابُ سؤالٍ كاملٍ في «أكتشف».

② في الحقل المعجميّ: طلب منك الدّرسُ عملين في القاموس: أن تبحث عن معاني «بعث»، وعن مشتقّات «ثورة» ومعانيها. وهذا طريقُهما — ⛔ أنجزْهما في قاموسك أنت، فالتّحقّقُ بيدك جزءٌ من الفائدة.

① ما معاني «بَعَثَ» في المعجم؟ وأيُّها المقصودُ في «وصُغْنا كتابَ البعثِ»؟
للجذر (ب ع ث) أربعةُ معانٍ متقاربة:
  • الإرسالُ: بعثه = أرسله، ومنه البعثة والرّسول المبعوث؛
  • الإيقاظُ: ابتعثه من نومه = أيقظه؛
  • النّشرُ والإحياءُ بعد الموت: ومنه يومُ البعث = يومُ القيامة؛
  • التّحريكُ والإثارةُ: انبعث = هبَّ واندفع.
⭐ والمقصودُ في النّصّ هو الثّالثُ، والدّليلُ من داخل البيت نفسِه: الشّاعر يجعله كتابًا يُصاغ ويُنشَر («وصُغْنا كتابَ البعثِ.. قُمْ نَنْشُرِ السِّفْرا»)، والنّشرُ بعد الطّيّ هو معنى الإحياء بعد الموت بعينِه. ⟸ الجزائرُ عنده أمّةٌ ماتت فبُعِثت. وهذا يفسّر لك لماذا وضع الدّرسُ البعثَ في الحقل الدّينيّ لا في حقل الحرب.
② ما مشتقّاتُ «ثورة»؟ وما معانيها؟
من الجذر (ث و ر)، وكلُّها تدور على الهَيَجان والانتفاض:
  • ثارَ / يَثورُ: هاج وانتفض — الفعلُ؛
  • ثَوْرةٌ: المرّةُ من ذلك، وهي الانتفاضةُ الشّاملة — المصدر؛
  • ثائرٌ / ثُوّارٌ: اسمُ الفاعل ومَن قام بها؛
  • ثَوْريٌّ: النّسبةُ إليها، صفةً لمن يحملها أو لما يخدمها؛
  • أثارَ / مُثيرٌ: هيّج غيرَه — فعلٌ متعدٍّ واسمُ فاعله.
💡 الطّريقةُ، لا الحفظُ: كلُّ مشتقٍّ يُبنى من الجذر بميزانٍ صرفيٍّ معلوم (فَعَلَ، فَعْلة، فاعل، فُعّال، أفْعَل…). فإذا أردْتَ مشتقّاتِ أيّ كلمة، ردَّها إلى جذرها ثمّ أَجْرِ عليه الموازين. وتحقّقْ في القاموس: هناك وحدَه يثبت المعنى.

③ في الحقل الدّلاليّ: طلب منك الدّرسُ أن تستخرج من النّصّ المصطلحاتِ الدّالّةَ على المعجم الثّوريّ وعلى المعجم الدّينيّ (المستمَدّ من القرآن الكريم).

صنّفْ هذه الألفاظَ في حقلين: البعث، النّصر، عصا موسى، النّار، الطّور، سبحان، الثّورة، رحمن، التّحرير، تستقلّ.
حقلان اثنان:
  • حقلُ الثّورة: النّصرُ — الثّورةُ — النّارُ — تستقلَّ — التّحريرُ؛
  • حقلُ الدّين: البعثُ — عصا موسى — الطُّورُ — سبحانَ — رحمنُ.
⭐ ولاحظْ ما يخبّئه هذا التّصنيفُ: الحقلان متساويان تقريبا في العدد، ومتداخلان في البيت الواحد. وهذه الكثافةُ المزدوجةُ هي نفسُها دليلُك حين تُسأل في «أكتشف» عن المزيج بين التّاريخيّ والدّينيّ. فالحقلُ الدّلاليُّ ليس تمرينَ جمعٍ، بل حجّةٌ يُحتجّ بها.
💡 وزِدْ عليها بنفسك — الطّريقةُ واحدة: امشِ في الأبيات بيتا بيتا، واسألْ عن كلّ لفظ: أهو من ميدان السّلاح والحرّيّة، أم من ميدان الوحي والعبادة؟ فتجدَ في حقل الثّورة «ساحة التّحرير» ⁦(9)⁩، وفي حقل الدّين «الوَعْد» ⁦(2)⁩ و«الذِّكْر» ⁦(7)⁩ و«أَسْرى» ⁦(5)⁩. ⚖️ وما لم يدخلْ في واحدٍ منهما بيقين، فدعْه — الحقلُ يُبنى على الواضح، لا على المحتمَل.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه. اقرأْ أوّلا وأجبْ بقلمك، ثمّ افتحِ الجوابَ لتقابلَه بما وجدْتَ — واذكرْ في كلّ مرّةٍ رقمَ البيت.
يحاول الشّاعر ربطَ الثّورة الجزائريّة بأبعادٍ روحيّةٍ وتاريخيّةٍ متجذّرة. وضّحْ ذلك.
يربطها بهما فيجعلها امتدادا لهما، لا حادثةً معزولة:
  • البعدُ الرّوحيّ: جعلها بعثا جديدا لشعبٍ قبَره الاستعمار (بيت 1: «وصُغْنا كتابَ البعثِ»)، فكانت بمثابة اليقين الّذي دفع بالشّاعر إلى الإيمان (بيت 6: «فكم كنتُ… في الشّكِّ غارِقًا / فآمنتُ بالرّحمنِ»)؛ فهي عنده مظهرٌ من مظاهر الوجود الإلهيّ؛
  • البعدُ التّاريخيّ المتجذّر: يستدعي قصّةَ موسى — العصا الّتي تَلْقَفُ سِحرَ السَّحَرة (بيت 3)، والتّكليمَ في الطُّور (بيت 4) — ويضع الجزائرَ في موضع بني إسرائيل الخارجين من القهر؛
  • ⟸ فالثّورةُ في هذا النّصّ حلقةٌ في سلسلةٍ: نبوءةٌ تحقّقت، لا انفجارٌ عارض.
لخّصِ النّصَّ في فكرةٍ عامّةٍ، ثمّ في أفكارٍ أساسيّةٍ محدَّدةٍ بعدد الأبيات.

① الفكرةُ العامّة: ثورةُ التّحرير الجزائريّة معجزةُ شعبٍ بُعِث بعد موت، أيّده اللهُ بخوارقِه كما أيّد موسى، فصنع بها عزَّه، ولن يكتمل مجدُه إلّا بوحدةٍ عربيّةٍ كبرى.

② فكرةٌ لكلّ بيت — ثلاثَ عشرةَ فكرة
البيتفكرتُه
1إعلانُ الانبعاث: صناعةُ فجرٍ جديد ونشرُ كتابِ البعث
2الثّورةُ سفينةُ وعدٍ حمراء، يقودها إلى النّصر مَن وعَد به
3وراثةُ عصا موسى: العقلُ الجزائريُّ جدّد المعجزة فأبطل السّحر
4تكليمٌ في الطُّور خُفيةً، وتكليمٌ في الأطلس جَهرا — رفعُ الجزائر إلى مقام النّبوّة
5تمجيدُ اللهِ الّذي ملأ شهرَ الثّورة بالخوارق، وأَسْرى بالشّعب في ليله
6انقلابُ الشّاعر نفسِه: من الشّكّ إلى الإيمان بفضل الثّورة
7استجابةُ شعبٍ كاد ييأس، حفِظه تمسّكُه بالذِّكر
8سقاه اللهُ حبَّ الشّهادة، فارتمى على غَمَرات الموت تُلهِبه الذّكرى
9ضمائرُ هذا الشّعب لا تُباع ولا تُشترى في سوق التّحرير
10عبورُ السّنوات السّبع، والأرزاءُ لم تَثْنِه عن عبور العَشْر
11فرضُ احترامِ الوجود الجزائريّ، ونشرُ الرّعب في أحلاف العدوّ
12الاعتزازُ بالنّسب والطّبع: أشرافٌ عربٌ لا يُضمِرون غِشّا ولا غَدرا
13لا عِزَّ دون استقلالٍ، ولا مجدَ دون وحدةٍ كبرى
💡 طريقةُ التّلخيص بعددِ الأبيات، وهي مهارةُ امتحانٍ: لا تُعِدْ نظمَ البيت نثرا. اسألْ عنه سؤالا واحدا: ما الجديدُ الّذي أضافه ولم يكن في سابقه؟ فما لا جديدَ فيه فهو تكرارٌ لا فكرة. ⚖️ وانظرْ إلى العمود الأيسر كلِّه: تجدْ مسارا — انبعاثٌ ⁦(1-2)⁩، فتأييدٌ إلهيّ ⁦(3-5)⁩، فإيمانٌ ⁦(6-7)⁩، فتضحيةٌ ⁦(8-9)⁩، فانتصارٌ ⁦(10-11)⁩، فاعتزازٌ ⁦(12)⁩، فغايةٌ ⁦(13)⁩. هذا المسارُ هو بناءُ القصيدة.
يبدو الشّاعرُ في النّصّ مُستلهِمًا من الثّورة روحَ التّحدّي والاعتزاز. أين يظهر ذلك؟
① روحُ التّحدّي — في أفعالِ الاقتحام والصّمود:
  • «سُقْنا» (بيت 2) و«عَبَرْنا» (بيت 10): أفعالٌ تُسنَد إلى «نا» الجماعة، وكلُّها اجتيازٌ لما لا يُجتاز — سفينةٌ في بحرٍ، وسبعُ سماواتٍ شِداد؛
  • «ولم تُثْنِنا الأَرْزاءُ، أن نَعبُرَ (العَشْرا)» (بيت 10): المصائبُ فاعلٌ عجَز عن الفعل — وهذه صياغةُ التّحدّي في أدقّ صورها؛
  • «ونَنشُرَ في أحلافِها الرُّعْبَ والذُّعْرا» (بيت 11): لم يعد يدفع عن نفسه، بل يفرض.
② روحُ الاعتزاز — في ضمير الجماعة الّذي ذاب فيه الشّاعر:
  • الضّميرُ «نحن» ولواحقُه تمشي في القصيدة من أوّلها: مدَدْنا، صُغْنا، سُقْنا، وَرِثْنا، حِجانا، كَلَّمَنا، عَبَرْنا، نَشُقُّها، تُثْنِنا، وُجودِنا، طِباعُنا؛
  • ويعود على الشّعب الأبيّ ابنِ الثّورة الكبرى، الّذي وُلد من رحمها؛
  • ويبلغ ذروتَه في بيت 12: «ونحن بنو الأشرافِ، عُرْبٌ، طِباعُنا مقدَّسةٌ».
⚖️ ودقّةٌ تُحسب لك: الشّاعرُ لا يقول «أنا» إلّا مرّةً واحدةً، في بيت 6 («فكم كنتُ… فآمنتُ») — وهي المرّةُ الّتي يعترف فيها بضَعفه. ⟸ الأنا للشّكّ، والنّحن للبطولة. هذه ملاحظةٌ تُثبتها بعينك على النّصّ، وهي أقوى من أيّ دعوى.
في النّصّ مزيجٌ بين الواقع التّاريخيّ والتّراث الدّينيّ. أين تلمس ذلك؟
المزيجُ، بيتا بيتا
البيتالواقعُ التّاريخيّالتّراثُ الدّينيّ
3العقلُ الجزائريّ («حِجانا») هو الّذي جدّد الصّنعةعصا موسى تَلْقَفُ ما صنع السّحرة — ﴿وألقِ ما في يمينكَ تَلْقَفْ ما صنعوا﴾ (طه: 69)
4«الأطلَسُ الجبّارُ» — جبالُ الجزائر ومَعاقلُ ثوّارها«الطُّورُ» وتكليمُ اللهِ موسى — ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا﴾ (النّساء: 164)
5«شَهرًا» — زمنٌ محدَّدٌ من تاريخ الجزائر: شهرُ الثّورةالإسراءُ بالشّعب في ليله — ﴿سبحان الّذي أَسْرى بعبدِه ليلًا﴾ (الإسراء: 1)
10«السَّبعُ الشِّدادُ» = سنواتُ الثّورة السّبع، ثمّ «العَشْرا»السّماواتُ السّبعُ الشّداد — ﴿وبَنَيْنا فوقكم سبعًا شِدادًا﴾ (النّبأ: 12)
9«ساحةُ التّحرير» و«سوقٌ» — مشهدٌ مدنيٌّ محسوس—
13«جزائرُ» و«الوَحدةُ الكبرى» = الوطنُ العربيّ—
⭐ وهذه هي الآليّةُ، وهي واحدةٌ في كلّ بيت: يأخذ الشّاعرُ لفظا قرآنيّا معلوما ويُنزله على حدثٍ جزائريٍّ محسوس. فالطُّورُ يصير الأطلسَ، والسّماواتُ السّبعُ تصير سنواتِ الثّورة السّبع، والإسراءُ بالنّبيّ يصير إسراءً بالشّعب. ⟸ ليس المزيجُ زخرفةً: هو حجّةٌ — مَن جعل ثورتَه امتدادا للمعجزة، فقد جعل الاعتراضَ عليها اعتراضا على القَدَر.
⚖️ واحترسْ من المبالغة: البيتان 9 و13 لا دِينَ فيهما، وهما من أقوى أبيات القصيدة. فقلْ إذن: المزيجُ غالبٌ في النّصّ، ⛔ ولا تقلْ كلُّ بيتٍ فيه رمزٌ دينيّ — فالنّصُّ نفسُه يكذّبك.
للشّاعر خيالٌ جامحٌ. هاتِ أمثلةً تدلّ على هذا من النّصّ.
اعتمد مفدي على أنواعٍ مختلفةٍ من الصّور البيانيّة لتجسيد أفكاره وتقويتها:
  • الكناياتُ: «السَّبعُ الشِّدادُ» ⁦(10)⁩ — كنايةٌ عن سنوات الثّورة؛ و«حُمرًا شِراعُها» ⁦(2)⁩ — كنايةٌ عن الدّم المبذول؛
  • الاستعاراتُ: «وأَشْرَبْتَهُ حُبَّ الشّهادةِ» ⁦(8)⁩ — جُعل الحبُّ شرابا يُسقى؛ «تُلْهِبُهُ الذِّكْرى» ⁦(8)⁩ — جُعلت الذّكرى نارا؛ و«ضَمائرُ… لا تُباعُ، ولا تُشْرى» ⁦(9)⁩ — جُعلت الضّمائرُ سِلعةً في سوق؛
  • المجازُ المرسل: «ضَمائرُ قَوْمٍ» ⁦(9)⁩.
💡 وأضِفْ أنت، بالطّريقة لا بالحفظ: اسألْ عن كلّ تركيبٍ سؤالين. ① هل نُسِب فِعلٌ إلى ما لا يفعله حقيقةً؟ فإنْ نعم فأنت أمام استعارةٍ مكنيّة: انظرْ «مدَدْنا خُيوطَ الفجرِ» ⁦(1)⁩ — الفجرُ ليس نسيجا له خيوطٌ تُمدّ، فقد شُبِّه بثوبٍ وحُذف المشبَّهُ به وأُبقيت لازمتُه. ② هل ذُكر لفظٌ وأُريد به غيرُه لعلاقةٍ ظاهرة؟ فتلك كنايةٌ أو مجاز. ⟸ هكذا تجد أنت أمثلةً لم تُذكَرْ لك، وهذا هو المطلوب.

💬أناقش معطيات النّصّ

بماذا تعلّل سرَّ محاولة ربط الشّاعر بين ظاهرةٍ سياسيّةٍ (الثّورة) وظاهرةٍ دينيّة؟
ثلاثةُ أسبابٍ، كلٌّ منها له سندُه:
  • سببٌ في الشّاعر: نشأتُه، وقد قرأْتَها في محطّة أتعرّف على صاحب النّصّ: تشبّع بثقافة شعبه لغةً وأدبا وعِلما دينيّا بوادي ميزاب والزّيتونة. فالرّجلُ متشبّعٌ بالنّفحات الدّينيّة الّتي تطفو على قصائده، وليس ذلك تكلّفا منه؛
  • سببٌ في المتلقّي: مخاطَبُه شعبٌ مسلم؛ فالرّمزُ الدّينيُّ أقصرُ طريقٍ إلى قلبه، وهو يفهم «عصا موسى» قبل أن يفهم أيَّ تحليلٍ سياسيّ؛
  • سببٌ في الثّورة نفسِها: هي عنده مظهرٌ من مظاهر الوجود الإلهيّ — فالرّبطُ عنده وصفٌ لواقعٍ، لا تشبيهٌ مصطنَع.
⚖️ ولاحظْ أثرَ هذا الرّبط، فهو المقصودُ: حين تصير الثّورةُ قَدَرا، يصير التّخلّي عنها خِذلانا لله، لا مجرّدَ خيارٍ سياسيّ. ⟸ الرّمزُ الدّينيُّ هنا أداةُ تعبئة، وهذه وظيفةُ الشّعر الملتزم — وستدرسها في النّصّ التّواصليّ من هذا المحور نفسِه.
بماذا تفسّر اعتبارَ الثّورة التّحريريّة من مظاهر وشواهد الوجود الإلهيّ؟
🔍التّفسيرُ في النّصّ، في ثلاث خطوات:
  • الخطوةُ الأولى — الخارقة: «تباركْتَ شَهرًا، بالخوارقِ طافِحًا» ⁦(5)⁩. والخارقةُ بتعريفها ما يخرج عن قدرة البشر؛ فشعبٌ أعزلُ يغلب إمبراطوريّةً يُعَدّ خارقةً؛
  • الخطوةُ الثّانية — الشّاهد: من كان خارقةً كان دليلا، لأنّ الفعلَ الّذي لا يفسّره سببٌ بشريٌّ يُردّ إلى سببٍ فوق البشر؛
  • الخطوةُ الثّالثة — الأثر، وهو الحجّة الحاسمة: الشّاعرُ نفسُه يشهد أنّ الثّورة نقلته من الشّكّ إلى اليقين: «فكم كنتُ، يا رَحمنُ.. في الشّكِّ غارِقًا / فآمنتُ بالرّحمنِ، في الثّورةِ الكبرى!» ⁦(6)⁩؛
  • ⟸ والدّليلُ يُعرَف بأثره: ما أورث الإيمانَ فهو شاهدٌ على المؤمَن به. فكانت الثّورةُ بمثابة اليقين الّذي دفع بالشّاعر إلى الإيمان.
لماذا ربط الشّاعرُ بين الاستقلال والوحدة، وبين العِزّة والمجد؟
انظرْ أوّلا إلى بناء البيت 13، فالجوابُ في هندسته:
  • «فلا عِزَّ، حتّى تستقلَّ جزائرُ.. / ولا مَجْدَ، حتّى نَصنعَ الوَحدةَ الكُبرى..»؛
  • شطران متوازيان تماما: نفيٌ + «حتّى» + غاية. و«حتّى» هنا أداةُ شرطٍ في المعنى: لا يحصل الأوّلُ إلّا بحصول الثّاني؛
  • فالعِزّةُ مقرونةٌ بالاستقلال، والمجدُ مقرونٌ بالوحدة.
وأمّا لماذا قرَن بينهما، فلأنّهما عنده درجتان من مشروعٍ واحد:
  • الاستقلالُ تحريرُ الوطن الصّغير — وهو شرطُ العِزّة، أي أن تملك نفسَك؛
  • الوحدةُ الكبرى — وهي في الدّرس الوطنُ العربيّ — تحريرُ الوطن الكبير، وهو شرطُ المجد، أي أن يكون لك في العالم وزنٌ؛
  • ⟸ والشّاعرُ ملتزمٌ بقضايا الوطن الصّغير وقضايا الوطن الكبير معا؛ ولذلك جعل الاستقلالَ بدايةً لا نهاية: فمن وقف عنده ناله العِزُّ وفاته المجد.
⭐ وهذا يفسّر لك موقعَ البيت في القصيدة: هو آخرُها. فبعد ثلاثةَ عشرَ بيتا من الانتصار، يختم الشّاعرُ بمهمّةٍ لم تُنجَزْ بعد. ⟸ القصيدةُ لا تنتهي بالفرح، بل بالمطلب — وتلك علامةُ الشّعر الملتزم.
شخصيّةُ الشّاعر مزيجٌ من الوطنيّة الثّوريّة والرّوح الدّينيّة. علّلْ.
يبدو لنا الشّاعرُ ذائبا في الوطنيّة الثّوريّة وفي الرّوح الدّينيّة معا، وتعليلُ ذلك:
  • فهو شاعرُ الثّورة ولسانُها: لم يكتبْ عنها من خارجها، بل تكلّم بضميرها «نحن»، وناضل في حزب الشّعب ودخل السّجن؛
  • وهو متشبّعٌ بالنّفحات الدّينيّة الّتي تطفو على قصائده: البعثُ، وعصا موسى، والطُّورُ، وسبحانَ، والرّحمنُ، والذِّكرُ، والشّهادةُ — سبعةُ ألفاظٍ دينيّةٍ في ثلاثةَ عشرَ بيتا؛
  • وهو ملتزمٌ بقضايا الوطن الصّغير وقضايا الوطن الكبير، كما رأيْتَ في البيت 13؛
  • ⟸ فالمزيجُ ليس تجاورَ صفتين، بل اندماجٌ: الوطنيّةُ عنده عبادةٌ، والعبادةُ عنده موقفٌ من المستعمِر.
في أيّ لونٍ شعريٍّ تصنّف هذا النّصّ؟ علّلْ حكمك.
يندرج هذا النّصّ ضمن الشّعر السّياسيّ التّحرّريّ الملحميّ، الّذي يتغنّى بالبطولات ويمجّد الثّورات. وتعليلُ الحكم من داخل النّصّ:
  • سياسيٌّ تحرّريّ لأنّ موضوعَه الاستقلالُ والوحدة ⁦(13)⁩، وفرضُ احترام الوجود على الأحلاف ⁦(11)⁩ — وهي قضايا دولٍ لا قضايا أفراد؛
  • ملحميٌّ لأنّ بطلَه جماعةٌ لا فرد (ضميرُ «نحن» في القصيدة كلِّها)، ولأنّه يقوم على أفعالٍ خارقة (عبورُ السّبع الشّداد، تَلَقُّفُ النّار)، وعلى نفَسٍ عالٍ يُكثِر من التّهويل (الرُّعب، الذُّعر، غَمَرات الموت)؛
  • يمجّد الثّورات لأنّه لا يصف معركةً بعينها، بل يرفع الثّورةَ كلَّها إلى مقام المعجزة.
💡 ولا تخلطْ بينه وبين الشّعر الوطنيّ العامّ: كلُّ ملحميٍّ وطنيٌّ، وليس كلُّ وطنيٍّ ملحميّا. الفارقُ هو البطلُ الجماعيُّ والفعلُ الخارق. فإذا رأيْتَ قصيدةً وطنيّةً بطلُها «أنا» أو مشهدُها بيتٌ ومنفى، فتلك وطنيّةٌ وجدانيّةٌ لا ملحميّة.
زاوَجَ الشّاعرُ بين جلال المعنى وجمال المَبنى. وضّحْ وعلّلْ مستشهِدًا.
① جلالُ المعنى — الموضوعاتُ الّتي عالجها كلُّها كبيرة:
  • الثّورةُ الجزائريّةُ ومنجزاتُها، ونُبلُ الإنسان الجزائريّ، والعزّةُ والمجدُ والوحدة.
② جمالُ المَبنى — أدواتُ العبارة الّتي حملت هذا الجلال:
  • استنادُه إلى أسلوب القرآن الكريم ومعانيه، وهو أرفعُ ما في العربيّة من عبارة؛
  • والشّواهدُ من النّصّ: «وسُقْنا سَفينَ (الوَعْدِ)» ⁦(2)⁩، و«عصا موسى» ⁦(3)⁩، و«وكَلَّمَ موسى اللهُ في (الطُّورِ)» ⁦(4)⁩؛
  • وحدةُ الرّويّ (الرّاء) ونَفَسُ البحر الطّويل يحملان النّبرةَ الخطابيّة دون أن تنقطع.
⭐ وأمّا سرُّ المزاوجة فهو التّناسب: المعنى الجليلُ إذا حُمِل على عبارةٍ ضعيفةٍ سقط، والعبارةُ الجميلةُ إذا حملت معنًى تافها صارت زخرفا. ومفدي رفع العبارةَ إلى مستوى المعنى حين استعار للثّورة لغةَ الوحي. ⟸ فالجمالُ عنده خادمٌ للجلال، لا زينةٌ إلى جانبه — وهذا بعينه ما ستقرؤه في أجمل القول.

🧱أحدّد بناء النّصّ

في النّصّ نمطٌ إخباريٌّ وآخرُ وصفيّ، خدَما رسالةَ الشّاعر. كيف تمّ ذلك؟ استخرجْ خصائصَ كلّ نمطٍ ووازِنْ بينها.
① النّمطُ الإخباريّ — استعمله عندما أراد الإخبارَ وربطَ الثّورة بالأبعاد الرّوحيّة والتّاريخيّة، واعتمد على الأفعال الماضية لسرد الأخبار:
  • خصائصُه في النّصّ: الفعلُ الماضي (مدَدْنا، صُغْنا، سُقْنا، وَرِثْنا، كَلَّمَ، عَبَرْنا، لبَّاكَ، أَشْرَبْتَهُ، فارْتَمى)؛ وإسنادُه إلى ضمير الجماعة؛ والتّرتيبُ الزّمنيّ بالفاء والواو؛
  • وظيفتُه: يُثبت أنّ ما يقوله وقع فعلا — والخبرُ يُصدَّق، والوصفُ يُتخيَّل.
② النّمطُ الوصفيّ — استعمله لمّا أبرز عظمةَ الثّورة، معتمدا النّعوتَ والإضافاتِ والأحوالَ:
  • النّعوتُ: «الأطلَسِ الجبّارِ» ⁦(4)⁩، «السَّبعِ الشِّدادِ» ⁦(10)⁩، «طِباعُنا مقدَّسةٌ» ⁦(12)⁩؛
  • الإضافاتُ: «كتابِ البعثِ» ⁦(1)⁩، «سَفينَ الوَعْدِ» ⁦(2)⁩، «غَمَراتِ الموتِ» ⁦(8)⁩، «ساحةِ التّحريرِ» ⁦(9)⁩؛
  • الأحوالُ: «حُمرًا شِراعُها» ⁦(2)⁩، «طافِحًا» ⁦(5)⁩، «غارِقًا» ⁦(6)⁩.
③ الموازنةُ بينهما
وجهُ الموازنةالنّمطُ الإخباريّالنّمطُ الوصفيّ
ما يقدّمهالحدثَ: ماذا وقعالصّورةَ: كيف بدا
أداتُه الغالبةالفعلُ الماضيالنّعتُ والإضافةُ والحال
أثرُه في القارئالتّصديقُ — يُثبت وقوعَ الأمرالانفعالُ — يُضخّم قدرَه
موقعُه في القصيدةالهيكلُ العامّ، من البيت 1 إلى 11مبثوثٌ داخلَ الأخبار، لا مستقلٌّ عنها
⚖️ والحكمُ في الموازنة: النّمطُ الإخباريُّ هو الغالب، والوصفيُّ خادمٌ له — والدّليلُ بنيويّ: لا تجد في النّصّ بيتا واحدا وصفيّا خالصا؛ كلُّ نعتٍ وحالٍ ملحقٌ بجملةٍ خبريّة. ⟸ ولذلك خدَما رسالةً واحدة: الإخبارُ يقول هذا حدَث، والوصفُ يضيف وهو عظيم. ⛔ ولا تقلْ نمطان متساويان: أحدُهما يحمل الآخر.
كيف تفسّر صدقَ الخبر الوارد في البيتين ⁦(3)⁩ و⁦(4)⁩ فنّيًّا؟
انظرْ أوّلا إلى ما يقوله البيتان حرفيّا:
  • بيت 3: «وَرِثْنا عصا موسى، فجدَّد صُنعَها / حِجانا، فراحَتْ تَلْقَفُ النّارَ، لا السُّحْرا»؛
  • بيت 4: «وكَلَّمَ موسى اللهُ في (الطُّورِ) خِفْيَةً / وفي (الأطلَسِ الجبّارِ) كَلَّمَنا جَهْرا»؛
  • ⟸ خبران مستحيلان تاريخيّا: لا أحدَ ورِث عصا موسى، ولا كُلِّم الجزائريّون في الأطلس. فكيف يكونان صادقين؟
والجوابُ أنّ الصّدقَ نوعان، والمطلوبُ هنا الصّدقُ الفنّيّ:
  • الصّدقُ الواقعيّ مطابقةُ الخبر للحدث. وبهذا الميزان: البيتان كاذبان؛
  • الصّدقُ الفنّيّ مطابقةُ الخبر لشعور قائله وقدرتُه على نقله إلى سامعه. وبهذا الميزان: البيتان في قمّة الصّدق؛
  • وكيف تحقّق ذلك؟ بأنّ الشّاعر استند إلى أسلوب القرآن الكريم ومعانيه: ﴿وألقِ ما في يمينكَ تَلْقَفْ ما صنعوا﴾ (طه: 69) و﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا﴾ (النّساء: 164). وهما خبران يقينيّان عند المتلقّي المسلم؛
  • ⟸ فحين يضع الشّاعرُ الحدثَ الجزائريَّ في قالبِ خبرٍ لا يشكّ فيه سامعُه، ينتقل اليقينُ من الأصل إلى الفرع. هذا هو الصّدقُ الفنّيّ: لا أن يقع الخبر، بل أن يُصدَّق.
👁️ وانظرْ إلى المقابلة الدّقيقة في البيت 4، فهي مفتاحُ البيتين: موسى كُلِّم «خِفْيَةً»، والجزائريّون كُلِّموا «جَهْرا». الشّاعرُ لا يقلّد القصّةَ، بل يزايد عليها. وهذا هو الفرقُ بين الاقتباس والتّوظيف: الأوّل ينقل، والثّاني يبني على المنقول معنًى جديدا.
تمتاز لغةُ مفدي بكونها مجازيّة. استخرجْ من النّصّ مجازا مرسلا وحلّلْه مبيّنا أثرَه المعنويَّ والجماليّ.
① الشّاهد: «وكَلَّمَ موسى اللهُ في (الطُّورِ) خِفْيَةً» (بيت 4).
    ② التّحليل، في ثلاث خطوات:
    • اللّفظُ المذكور: «الطُّورُ»، وهو جبلٌ عظيمٌ بتمامه؛
    • المعنى المراد: إنّما كلّم اللهُ موسى في البقعة المباركة من ذلك الجبل، لا في الجبل كلِّه؛
    • العلاقة: ذُكِر الكلُّ وأُريد الجزء ⟸ العلاقةُ كلّيّةٌ؛ والقرينةُ المانعةُ من إرادة الحقيقة أنّ التّكليم لا يقع في مساحةِ جبلٍ بأسره.
    ③ أثرُه:
    • في المعنى: زاده توكيدا وبيانا وتوضيحا — فذكرُ الجبل كلِّه يُشعِر بضخامة الموقف أكثرَ ممّا يُشعِر به ذكرُ بقعةٍ منه؛
    • في الجمال: أوجزَ — كلمةٌ واحدةٌ حملت مكانا ومَهابةً وقصّةً كاملة؛ ثمّ هيّأتِ المقابلةَ مع «الأطلَسِ الجبّارِ» في الشّطر الثّاني، فصار الجبلان في كِفّتين.
    💡 طريقةُ التّعرّف على المجاز المرسل، وهي تُغنيك عن الحفظ: اسألْ سؤالين. ① هل اللّفظُ على ظاهره مستقيمٌ عقلا؟ فإنْ لا، فثَمّ مجاز. ② ما نوعُ الصّلة بين المذكور والمراد — كُلٌّ وجزءٌ؟ سببٌ ومسبَّبٌ؟ محلٌّ وحالٌّ؟ ماضٍ ومستقبَل؟ ⛔ فإن كانت الصّلةُ مشابهةً فليس مجازا مرسلا، بل استعارة. المشابهةُ هي الحدُّ الفاصل بين البابين.

    🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

    الاتّساقُ ترابطُ الألفاظ والجمل بأدواتٍ ظاهرة، والانسجامُ ترابطُ المعاني في الذّهن. وهذه المحطّةُ تسألك عن الأدوات الّتي حقّقتهما في هذا النّصّ بالذّات — فأجوبتُها كلُّها تُشار بالإصبع إلى موضعها من البيت.
    اذكرِ الرّابطةَ المنطقيّةَ الواردة في البيت الأوّل.
    الرّابطةُ هي الواوُ العاطفة في «وصُغْنا كتابَ البعثِ»:
    • فهي تعطف الشّطرَ الثّاني على الأوّل، وتجعل الفعلين — «مدَدْنا» و«صُغْنا» — في مرتبةٍ واحدة؛
    • والعلاقةُ الّتي تحملها: الجمعُ والمشاركةُ في الزّمن — لا ترتيبَ فيها ولا تعقيب، بخلاف الفاء؛
    • ⟸ وأثرُها في الانسجام: بنَتِ البيتَ على تَوازٍ تامّ — «مدَدْنا… قُمْ نَصنعِ» في مقابل «صُغْنا… قُمْ نَنْشُرِ» — فعلٌ ماضٍ ثمّ أمرٌ، مرّتين. وهذا التّوازي هو الّذي يجعل مطلعَ القصيدة يُقرَأ كنداءٍ واحدٍ لا كجملتين.
    👁️ ولاحظْ أنّ في البيت رابطا آخرَ غيرَ حرفيّ: تَكرارُ صيغة «قُمْ». فالرّوابطُ ليست حروفا فقط: التّكرارُ والتّوازي من أقوى أدوات الاتّساق، وستحتاجهما في الجدول الأخير.
    ما العلاقةُ الموجودة بين البيت الثّالث عشر والأبيات الّتي سبقته؟
    العلاقةُ هي علاقةُ النّتيجة بالسّبب، وهي علاقةُ تكامل:
    • الأبياتُ 1 – 12 تسرد الأسباب: البعثَ، والتّأييدَ الإلهيّ، والإيمانَ، والتّضحيةَ، والانتصارَ، والاعتزاز؛
    • والبيتُ 13 يعلن النّتيجة والغاية: «فلا عِزَّ، حتّى تستقلَّ جزائرُ.. / ولا مَجْدَ، حتّى نَصنعَ الوَحدةَ الكُبرى..»؛
    • والفاءُ في «فلا» هي علامةُ ذلك: فاءُ الفصيحة، أي: إذا كان كلُّ ما تقدّم، فإنّ…
    ⚖️ والبرهانُ بالتّجربة، لا بالدّعوى: جرّبْ أن تنقل البيتَ 13 إلى أوّل القصيدة. فسيصير شرطا مُعلَّقا لم يُذكَرْ له سببٌ بعدُ، وتفقد الفاءُ ما تعطف عليه. إن انكسر المعنى عند التّقديم، فالتّرابطُ قائم.
    اذكرِ العلاقةَ والرّابطَ بين البيتين الخامس والسّادس.
    الرّابطُ: الفاءُ في «فكم كنتُ» ثمّ في «فآمنتُ» (بيت 6):
      العلاقةُ: السّببيّةُ والنّتيجة، وبيانُها:
      • البيتُ 5 يقرّر الخارقة: «تباركْتَ شَهرًا، بالخوارقِ طافِحًا / وسبحانَ، مَنْ بالشّعبِ، في ليلهِ أَسْرى»؛
      • والبيتُ 6 يذكر أثرَها في نفس الشّاعر: «فكم كنتُ… في الشّكِّ غارِقًا / فآمنتُ بالرّحمنِ»؛
      • ⟸ الخارقةُ سببٌ، والإيمانُ نتيجةٌ؛ والفاءُ هي الّتي تُعلِن التّرتيبَ والتّعقيبَ والسّببيّة في آنٍ واحد.
      • وثَمّ رابطٌ ثانٍ، معجميّ: «سبحانَ» في البيت 5 و«الرّحمنِ» في البيت 6 — لفظان من حقلٍ دلاليٍّ واحد يشدّان البيتين بعضَهما إلى بعض.
      ما الوظيفةُ الدّلاليّةُ الّتي حقّقها حرفُ «الفاء» المكرَّرُ في البيت الثّالث؟
      عُدَّ أوّلا مواضعَه: «وَرِثْنا عصا موسى، فجدَّد صُنعَها / حِجانا، فراحَتْ تَلْقَفُ النّارَ، لا السُّحْرا» — مرّتان.
        ووظيفتُهما التّرتيبُ مع التّعقيب والسّببيّة، أي صناعةُ سلسلةٍ لا انقطاعَ فيها:
        • وِراثةٌ (وَرِثْنا) ⟸ فتجديدٌ (فجدَّد صُنعَها حِجانا) ⟸ ففِعلٌ (فراحَتْ تَلْقَفُ)؛
        • وكلُّ حلقةٍ سببٌ لِما بعدها وتالِيةٌ لها بلا مهلة — وهذا ما لا تؤدّيه الواوُ ولا «ثمّ»؛
        • ⟸ والأثرُ المعنويّ: يُسقط عن الجزائريّين تهمةَ التّقليد. فهم لم يَرِثوا العصا ويقفوا، بل جدّدوا صُنعَها بعقولهم — والفاءُ هي الّتي تمنع القارئَ من أن يفصل الوراثةَ عن التّجديد.
        ⭐ جرّبْ بنفسك — البيتُ 3 لو وُضعتِ الواوُ مكانَ الفاء (صيغةٌ مفترضة، ليست من النّصّ)

        وَرِثْنا عصا موسى وجدَّد صُنعَها حِجانا وراحَتْ تَلْقَفُ النّارَ، لا السُّحْرا

        ⭐ لو قُرئ البيتُ هكذا، لصارت الأفعالُ الثّلاثةُ أخبارا متجاورة، ولانقطعت السّببيّةُ الّتي بنتْ عليها القصيدةُ حجّتَها. الحرفُ الواحدُ يغيّر المعنى، لا الإيقاعَ فقط.
        ضعْ جدولا للرّوابط في النّصّ واذكرْ وظائفَها الدّلاليّة.
        روابطُ النّصّ ووظائفُها
        الرّابطشواهدُه من النّصّوظيفتُه الدّلاليّة
        الواو (عطف)«وصُغْنا» ⁦(1)⁩ · «ونحن بنو الأشرافِ» ⁦(12)⁩ · «ولا مَجْدَ» ⁦(13)⁩الجمعُ والمشاركةُ، وبناءُ التّوازي بين الأشطر
        الفاء (عطف)«فجدَّد صُنعَها» و«فراحَتْ تَلْقَفُ» ⁦(3)⁩ · «فآمنتُ بالرّحمنِ» ⁦(6)⁩ · «فارْتَمى» ⁦(8)⁩ · «فلا عِزَّ» ⁦(13)⁩التّرتيبُ والتّعقيبُ والسّببيّة — وهي أكثرُ الرّوابط دورانا في النّصّ
        لا (نفي وعطف)«لا السُّحْرا» ⁦(3)⁩ · «لا تُباعُ، ولا تُشْرى» ⁦(9)⁩ · «لا نُضْمِرُ» ⁦(12)⁩التّمييزُ بالضّدّ: يُثبت الشّيءَ بنفي نقيضه
        اللّام (جرّ)«يُوَجِّهها للنّصرِ» ⁦(2)⁩الغايةُ والتّعليل
        في (جرّ)«في الطُّورِ» ⁦(4)⁩ · «في ليلهِ» ⁦(5)⁩ · «في الشّكِّ» ⁦(6)⁩ · «وفي ساحةِ التّحريرِ» ⁦(9)⁩ · «في الدّنيا» ⁦(11)⁩الظّرفيّةُ — مكانا وزمانا وحالا؛ وهي الّتي تُوطِّن الحدثَ
        على (جرّ)«على غَمَراتِ الموتِ» ⁦(8)⁩ · «عَبَرْنا على السَّبعِ» ⁦(10)⁩الاستعلاءُ ومجاوزةُ العائق
        الباء (جرّ)«بالخوارقِ» ⁦(5)⁩ · «بالشّعبِ» ⁦(5)⁩ · «بوعدِكَ» ⁦(7)⁩ · «بالرّحمنِ» ⁦(6)⁩الاستعانةُ والإلصاقُ والتّعدية
        الضّمائرنحن: مدَدْنا، حِجانا، وُجودِنا، طِباعُنا · أنت: تباركْتَ، أَشْرَبْتَهُ، بوعدِكَ · هو: ظَنَّهُ، تُلْهِبُهُالإحالةُ: تربط البيتَ بما قبله دون إعادة الاسم
        ⭐ واقرأْ عمودَ الضّمائر مرّةً ثانية، فهو أهمُّ سطرٍ في الجدول: النّصُّ يدور على ثلاثة ضمائر — «نحن» الشّعبُ، و«أنت» اللهُ، و«هو» الشّعبُ نفسُه غائبا («ظَنَّهُ»، «تُلْهِبُهُ»: البيتان 7 و8). ⟸ الانسجامُ في هذه القصيدة ليس صنعةَ حروفٍ، بل ثباتُ هذه الإحالات من البيت الأوّل إلى الأخير: الشّعبُ يتكلّم ويُتحدَّث عنه، واللهُ يُخاطَب.

        ⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

        مفدي زكريّا شاعرٌ استمدّ من الثّورة التّحريريّة ومنجزاتِها، ومن مَعينِ ثقافته الأصيلة — القرآنيّة خصوصا — وموروثِه الثّقافيّ الأدبيّ، مادّةً شعريّةً حافلةً بالرّموز الدّينيّة والصّور المبتكَرة واللّوحات الفنّيّة الجميلة. وهو بسبب روحه المتوثّبة الّتي يطبعها التّحدّي استطاع أن يبدع — حقَّ الإبداع — إنْ على مستوى الموقف الأدبيّ، أو على مستوى اللّغة والصّورة الشّعريّتين. كما استطاع المزاوجةَ بين القصيدة الكلاسيكيّة والقصيدة المعاصرة — خاصّةً على مستوى المعجم والحقل الدّلاليّ — فنال بحقٍّ مكانةَ الشّاعر الموهوب.

        وأين نرى، في هذا النّصّ بالذّات، ما سمّاه التّقديرُ أعلاه المزاوجةَ بين القصيدة الكلاسيكيّة والقصيدة المعاصرة؟
        في ثلاثة مواضعَ تُشار بالإصبع:
        • كلاسيكيٌّ في الشّكل: بيتٌ ذو صدرٍ وعجُز، ورَويٌّ واحدٌ (الرّاء) لا يتخلّف في ثلاثةَ عشرَ بيتا؛
        • كلاسيكيٌّ في المعجم: ألفاظُ التّراث — السِّفْر، الحِجى، الأَرْزاء، الغَدْر؛
        • معاصرٌ في الحقل الدّلاليّ: «ساحةُ التّحرير»، «سوقٌ… لا تُباعُ ولا تُشْرى»، «أحلافُها» — وهي ألفاظُ السّياسة والاقتصاد في القرن العشرين، لا ألفاظُ القصيدة القديمة؛
        • ⟸ فالبيتُ 9 وحدَه يجمع الوجهين: قالبٌ عموديٌّ قديم، وصورةُ سوقٍ حديثةٍ تُقاس فيها الضّمائرُ بالبيع والشّراء.
        ⭐ واحفظْ هذه الصّياغةَ للامتحان، فهي حكمٌ مسنَد لا سردُ أفكار: نصٌّ جليلُ المعنى، قرآنيُّ المَعين، ملحميُّ النَّفَس، كلاسيكيُّ القالب، معاصرُ الحقلِ الدّلاليّ. خمسُ كلماتٍ، لكلٍّ منها شاهدٌ في النّصّ — وقد مرّ بك شاهدُ كلٍّ منها في محطّةٍ من محطّات هذا الدّرس.
        🎯 وعُدْ الآن إلى سؤال الدّخول الّذي ختمَ به تقديمُ النّصّ: فهل كان مفدي كذلك في هذا النّصّ؟ — أنت تملك جوابَك الآن، وتملك شواهدَه. اكتبْه في ثلاثة أسطر قبل أن تنتقل، فهذا هو الفرقُ بين مَن قرأ القصيدةَ ومَن درسها.

        🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها

        محطّةٌ واحدةٌ في هذا الدّرس: 1 – في مجال قواعد اللّغة. والقاعدةُ فيها مستخرَجةٌ من هذا النّصّ بعينِه: الأمثلةُ أبياتٌ قرأْتَها، لا جملٌ جيء بها من خارج. ⟸ القاعدةُ هنا نتيجةٌ للقصيدة، لا درسٌ مستقلٌّ أُلصق بها.

        1 – في مجال قواعد اللّغة: الخبر — مفرد، جملة، شبه جملة

        سبق لك التّعرّفُ على الخبر ووظيفتِه النّحويّة، كما تعرّفْتَ على أنّه أنواعٌ ثلاثة: مفردٌ، وجملةٌ، وشبهُ جملة. ونحن الآن نستخرج الثّلاثةَ من أبيات مفدي.

        ① تأمّلْ قولَ الشّاعر (البيت 9):

        البيت 9
        الصّدرالعجز
        وفي ساحةِ التّحريرِ، سُوقٌ، قِوامُهاضَمائرُ قَوْمٍ، لا تُباعُ، ولا تُشْرى!!
        عيّنْ في هذا البيت المبتدأَ والخبرَ بأنواعه الثّلاثة.
        البيتُ يحوي الأنواعَ الثّلاثةَ مجتمعةً — ولذلك اختاره الدّرس:
        • المبتدأُ الأوّل مؤخَّرٌ، وجاء نكرةً: «سُوقٌ»؛
        • الخبرُ الأوّل مقدَّمٌ: «في ساحةِ» ⟸ شبهُ جملة (جارٌّ ومجرور)؛
        • الخبرُ الثّاني: «قِوامُها ضَمائرُ» ⟸ جملةٌ اسميّة؛
        • الخبرُ الثّالث: «ضَمائرُ» ⟸ مفردٌ، وهو خبرُ المبتدإ الثّاني «قِوامُها».
        💡 ولماذا تقدّم الخبرُ وتأخّر المبتدأ؟ لأنّ المبتدأَ جاء نكرةً، والنّكرةُ لا يُبتدأ بها. فلمّا تقدّم الجارُّ والمجرورُ سوَّغ الابتداءَ بها. ⟸ وهذه علامةٌ تنفعك في الإعراب: إذا رأيْتَ جملةً تبدأ بشبه جملةٍ ثمّ اسمٍ نكرةٍ مرفوع، فأنت أمام خبرٍ مقدَّمٍ ومبتدإٍ مؤخَّر.

        ② وتأمّلْ قولَه في البيت الثّاني عشر:

        البيت 12
        الصّدرالعجز
        ونحن بنو الأشرافِ، عُرْبٌ، طِباعُنامقدَّسةٌ، لا نُضْمِرُ الغِشَّ والغَدْرا..
        ما المبتدأ هنا؟ وما خبرُه؟ وعلامَ اشتملت جملةُ الخبر؟
        🔍التّحليل:
        • المبتدأ: «نحنُ»؛
        • الخبر: الجملةُ الاسميّة «طِباعُنا مقدَّسةٌ» — وقبلها خبران مفردان، «بنو» و«عُرْبٌ»: فالخبرُ قد يتعدّد؛
        • وعلامَ اشتملت؟ اشتملت جملةُ الخبر على ضمير «نا» في «طِباعُنا»، يعود على المبتدإ «نحنُ».
        ⭐ فماذا تستنتج؟ أنّ جملةَ الخبر لا تكون خبرا إلّا إذا حملت رابطا يعود على المبتدإ. ولولا «نا» في «طِباعُنا» لانقطعت جملةُ «طِباعُنا مقدَّسةٌ» عن «نحنُ»، فلم تكن خبرا عنه. الرّابطُ هو ما يجعل الجملةَ خبرا، لا مجرّدَ جملةٍ بعد اسم.

        ③ وتأمّلِ العبارةَ الآتية وعيّنْ فيها المبتدأَ وخبرَه:

        عبارةٌ من الدّرس

        العلماءُ أقدارُهم مرتفعةٌ بين النّاس.

        أين المبتدأ؟ وأين الخبر؟ وما نوعُه؟
        لا شكّ أنّك تعرّفْتَ عليهما:
        • المبتدأ: «العلماءُ»؛
        • الخبر: «أقدارُهم مرتفعةٌ» ⟸ جملةٌ اسميّة مشتملةٌ على ضمير «هم» يعود على المبتدإ؛
        • وداخلَها: «أقدارُهم» مبتدأٌ ثانٍ، و«مرتفعةٌ» خبرُه المفرد.
        • ⟸ وهو البناءُ نفسُه الّذي رأيْتَه في البيت 9: «سُوقٌ قِوامُها ضَمائرُ». مثالان، وقالبٌ واحد.

        ④ وابحثْ أنت عن الخبر المفرد في القصيدة (البيت 12):

        البيت 12
        الصّدرالعجز
        ونحن بنو الأشرافِ، عُرْبٌ، طِباعُنامقدَّسةٌ، لا نُضْمِرُ الغِشَّ والغَدْرا..
        استخرجْ من هذا البيت خبرا مفردا، وبيّنْ كيف عرفْتَ.
        في البيت أخبارٌ مفردةٌ ثلاثة، وطريقُ التّعرّف واحدة:
        • «نحن» مبتدأ، و«بنو الأشرافِ» خبرُه — مفردٌ، لأنّه ليس جملةً ولا شبهَ جملة، وإنّما اسمٌ (وإنِ اتّصل بمضافٍ إليه، فالمضافُ والمضافُ إليه في حكم اللّفظة الواحدة)؛
        • «عُرْبٌ» خبرٌ ثانٍ مفردٌ لـ«نحن»، ويطابقه في الجمع؛
        • «طِباعُنا» مبتدأٌ ثانٍ، و«مقدَّسةٌ» خبرُه المفرد، ويطابقه في التّأنيث.
        ⭐ وهذا هو الاختبارُ الّذي يُغنيك عن الحفظ: انظرْ إلى الخبر. أهو فعلٌ وفاعلٌ أو مبتدأٌ وخبر؟ ⟸ جملة. أهو ظرفٌ أو جارٌّ ومجرور؟ ⟸ شبهُ جملة. أهو غيرُ ذلك؟ ⟸ مفردٌ. ⛔ ولا يخدعنّك طولُ اللّفظ: «بنو الأشرافِ» كلمتان في الرّسم، خبرٌ مفردٌ في الإعراب.
        هل يتمّ معنى الجملة الاسميّة دون خبر؟

        لا؛ لا بدّ من توفّر الخبر لإتمام معنى الجملة. جرّبْ: «سُوقٌ…» — ماذا عنها؟ «العلماءُ…» — ماذا عنهم؟ المبتدأُ يذكر المحكومَ عليه، والخبرُ يذكر الحكم؛ وجملةٌ بلا حكمٍ ليست جملة.

        فيمَ يطابق الخبرُ المبتدأ؟
        في اثنين:
        • النّوعِ (التّذكير والتّأنيث)؛
        • العددِ (الإفراد والتّثنية والجمع).
        • وشاهدُهما من النّصّ: «طِباعُنا مقدَّسةٌ» — أنّثَ لأنّ المبتدأَ مؤنّث؛ و«نحن… عُرْبٌ» — جمَعَ لأنّ المبتدأَ جمع.
        كيف تجد الخبرَ من حيث الإعراب؟

        تجده مرفوعا، ما لم تدخلْ عليه النّواسخ. فإذا دخلت كان وأخواتُها نُصِب الخبر، وإذا دخلت إنّ وأخواتُها رُفِع الخبرُ ونُصِب المبتدأُ (الاسم). ⟸ فقلْ: «الرّفعُ هو الأصل»، ⛔ ولا تقلْ «الخبرُ مرفوعٌ دائما».

        ⑤ القاعدة

        الخبرُ: هو ما أُسنِد إلى المبتدإ ليكمل معه المعنى في الجملة الاسميّة.
        • حكمُه الإعرابيّ — هو والمبتدأُ —: الرّفعُ ما لم تدخلْ عليهما النّواسخُ، مثل كان وأخواتِها أو إنّ وأخواتِها.
        وينقسم الخبرُ إلى ثلاثة أنواع:
        • أ – الخبرُ المفرد: ما كان لفظةً واحدة، ويطابق المبتدأَ في التّذكير والتّأنيث وفي الإفراد والتّثنية والجمع. ويأتي غالبا مشتقّا، مثل: «الخيلُ مُسْرَجةٌ»؛ وقد يأتي اسما جامدا، مثل: «عليٌّ أسدٌ».
        • ب – الخبرُ الجملة: ما كان جملةً فعليّة، مثل: «الحسنُ يظهر»؛ أو جملةً اسميّة، مثل: «الحقُّ صاحبُه منصورٌ».
        • ج – الخبرُ شبهُ الجملة: ما كان ظرفا أو جارّا ومجرورا. مثالُ الظّرف: «الجنّةُ تحت أقدام الأمّهات»؛ ومثالُ الجارّ والمجرور: «الإيمانُ في القلب».
        ⛔ والشّرطُ الّذي لا تُقبل جملةُ الخبر بدونه: الرّابط. ويكون على أربعة أوجه: · ضميرا ظاهرا: «الحقُّ صاحبُه منصورٌ»؛ · ضميرا مستترا: «الحقُّ يعلو» — والرّابطُ فيه ضميرٌ مستترٌ تقديرُه «هو»؛ · إشارةً إلى المبتدإ: ﴿ولباسُ التّقوى ذلك خيرٌ﴾ (الأعراف: 26)؛ · إعادةً للفظ المبتدإ: «المروءةُ ما المروءةُ؟».
        👁️ وطبّقْ هذا على النّصّ فورا: ما الرّابطُ في «نحنُ … طِباعُنا مقدَّسةٌ»؟ ضميرٌ ظاهرٌ («نا»). وما الرّابطُ في «سُوقٌ قِوامُها ضَمائرُ»؟ ضميرٌ ظاهرٌ كذلك («ها» في قِوامُها). ⟸ الشّاعرُ استعمل الوجهَ الأوّلَ مرّتين — وهو الأشيعُ في الشّعر لأنّه يُغني عن إعادة الاسم في بيتٍ ضيّق.

        ⑥ تطبيق

        قال الأميرُ عبد القادر
        الرّقمالصّدرالعجز
        1فخَيلُنا دائمًا للحربِ مُسْرَجةٌمَنِ استغاثَ بنا بشَّرَه بالظَّفَرِ
        2الحُسنُ يظهرُ في بيتينِ رَونَقُهُبيتٌ من الشِّعرِ أو بيتٌ من الشَّعَرِ
        3لنا المَهارى وما للرِّيمِ سُرعتُهابها وبالخيلِ نِلنا كلَّ مُفتَخَرِ
        عيّنِ المبتدأَ والخبرَ في كلّ بيتٍ، ثمّ بيّنْ نوعَ الخبر.
        ثلاثةُ أبياتٍ، وثلاثةُ أنواعٍ — واحدٌ لكلّ بيت:
        • خَيلُنا: مبتدأ · مُسْرَجةٌ: خبرٌ (مفرد)؛
        • الحُسنُ: مبتدأ · (يظهرُ…): خبرٌ (جملة فعليّة)؛
        • المَهارى: مبتدأ · لنا: خبرٌ (شبه جملة)، وهو مقدَّمٌ على مبتدئه.
        ⚖️ ولاحظِ الفائدةَ من هذا التّطبيق: الأبياتُ الثّلاثةُ من شاعرٍ جزائريٍّ آخر، ومن عصرٍ آخر — ومع ذلك تنطبق عليها القاعدةُ نفسُها الّتي استخرجْتَها من مفدي. ⟸ القاعدةُ لا تخصّ نصّا: النّصُّ يخدم القاعدةَ، والقاعدةُ تعود فتخدم كلَّ نصّ. وهذا اختبارُك: أعِدْ الآن قراءةَ الأبيات الثّلاثةَ عشرَ لمفدي، واستخرجْ منها كلَّ مبتدإٍ وخبر.

        Page 1/7

        © Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net